الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 560، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي سعيد بن جمهان عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الأزارقة ووصفهم بأنهم كلاب النار. ويبين الشيخ مقبل الوادع رحمه الله أن الخوارج يبتعدون عن السنة بسبب الغلو والتطرف.
الغلو في الصالحين يؤدي إلى الشرك، والابتعاد عن نهج السلف يعتبر ضلالا. كما أن الخوارج يصفون بخطورة طريقتهم في قتل المسلمين دون تردد ويعتبرون كلاب أهل النار.
من خالف الصحابة يعتبر خارجًا وضالًا، وأهل السنة يحذرون من مخالفة الصحابة والتابعين في فهم الكتاب والسنة، وينصحون الحاكم سرًا ويتوجهون إلى السواد الأعظم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل الوادع رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو رجاء بن نباتة العبسي الكوفي، وهو ثقة، قال: حدثني سعيد بن جمهان، وهو أيضًا كوفي، أبوه صحابي، قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر، معنا قد عمي، رضي الله عنه، وعبد الله بن أبي أوفى ممن تأخرت وفاته ومن آخر الصحابة موتى. قال: فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان، قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة، قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم كلاب النار، قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بلى، الخوارج كلها، قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم؟ قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا بن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فأتيه في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه. قال: هذا حديث حسن، وهذا الحديث فيه منهج أهل السنة، وأيضًا فيه بعد الخوارج عن السنة، وأنه من أبعد الناس عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وغالبهم تجد أنهم في بدايتهم على السنة، لكن يغلون في العمر ويتجاوزون الحد فيخرجون عن السواء أو عن الصراط. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، أي يدخل السهم من جهة ويخرج من الجهة الأخرى، وهؤلاء دخلوا الإسلام أو دخلوا السنة، لكن خرجوا من حيث أو من المكان المقابل له، أي بسبب الغلو. لأن الإنسان إنما ينحرف عن السنة بأمرين: إما بتساهل وتميع الذي يسمى جفاء، وإما بغلو، فإما هذا وإما هذا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى: «إن من إجلال الله تعظيم ذي الشيبة المسلم، والحامل للقرآن غير الجافي عنه والغالي»، فلابد أن يكون المسلم على منهاج السنة، ليس متجافيًا عنه متباعدًا، ولا أيضًا غال فيه ومتشدد فيه ومتطرف فيه. فلهذا كان التطرف أعظم من الجفاء أحيانًا، لكن أحيانًا الجفاء يكون أبعد، فيكون معناه مثل الكفر بالله والشرك به، وقد يكون أيضًا الغلو أيضًا يأتي بالشرك. فهؤلاء الذين أشركوا بالله عز وجل وعظموا المخلوقين، سبب شركهم هو الغلو في الصالحين، فلهذا كان الغلو في الصالحين من أوسع أبواب الباطل. وكذلك أيضًا في الطريقة التي يسلكها العبد المسلم إلى الله جل وعلا، فأعظم الطرق هي طريق السنة وطريق السلف الذين عرفوا السنة، طريق الصحابة والتابعين، ومن خرج على نهجهم فهو لا شك أنه ضال. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، سبيل المؤمنين كما قال الإمام الشافعي: هم الصحابة، فمن خرج على نهج الصحابة فهو ضال. وهؤلاء الخوارج خرجوا، فلهذا الواجب هو الوسط والسير على ما كان عليه السلف الأمة. ولهذا حرص أهل السنة أن يقولوا: كتاب وسنة على فهم السلف الصالح، ليس فقط كتاب وسنة، لكن على فهم من؟ لأن الكتاب والسنة يحتاج إلى فهم، هل على كل فهم وكل أحد يفهم من نفسه؟ لا، وإنما لابد أن يفهم الكتاب والسنة على من أنزل عليهم، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فلهذا فمن خالف الصحابة خالف الدين وشاقق الرسول، لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين. ولهذا هؤلاء الخوارج خالفوا طريق الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا قال ابن عباس لهم لما جادله: «جئتكم من عند أصحاب رسول الله، وليس فيكم منهم أحد»، أي ليس هناك أحد من الصحابة معكم، لأن الصحابة يعلمون الدين، لا يمكن أن يكون الصحابي معكم. فلهذا سار أهل السنة على هذا الصراط المستقيم، لم يحيدوا يمنة ولا يسرة. فقال عبد الله بن أبي أوفى لما قال سعيد بن جمهان: إن الخوارج قتلت والده. والعجيب هؤلاء الخوارج، سبحان الله، تجد يتورعون في أشياء دقيقة، لكن الدماء ما يتورعون فيها، أي يهرفون وينتهكونها ولو بشبهة يسيرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». وأما هؤلاء فاستباحوا دماء المسلمين ولم يتورعوا فيها. ولهذا قال لهم أبو شريح أو غيره من الصحابة لما قبضوا عليه: «من أنت؟ قال: أنا فلان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: بل أنت عدو الله، قال: كيف عدو الله وأنا صاحب رسول الله؟ قالوا: لابد أن نقتلك، أنت عدو الله، قال: ترضون مني ما رضي به مني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: وما هو؟ قال: لا إله إلا الله، فما روّعهم هذا ولا شيء، بل قتلوه». وكذلك قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وهو صحابي، وبقروا بطن زوجته. فهؤلاء طريقتهم من أبعد الطرق عن الإسلام. قد يكون الإنسان مثلًا يجد هذا الخارجي مثلًا عنده لحية وعنده يلتزم بالسنة في صلاته، لكن إذا جئت إلى دماء المسلمين فهو لا يتورع أبدًا. وهذا مرض في هذه الأمة، فشى فيها منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم لما خرج عليهم الخوارج. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند: «تخرج خارجة من المسلمين، كلما خرج منهم قرن قطع، حتى يخرجوا على الدجال». فقال: «قتلته الأزارقة»، والأزارقة هم فرقة من فرق الخوارج الست التي خرجت في زمن علي رضي الله عنه. فهؤلاء خرجوا عن الطريقة الصحيحة وجاءوا بهذه الطرق المعوجة والفوضى في المسلمين، والخروج، وكذلك انتهاك دماء المسلمين. فقال: «لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كلاب النار». والأزارقة الظاهر أنهم كانت أكثر طرق الخوارج، وخاصة في الكوفة والشام. ولهذا لما رآهم أبو أمامة معلقين، فبكى أبو أمامة وذكر أيضًا أنه قال: «لعن الله الأزارقة، إني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: هم كلاب أهل النار». فهم ينبحون للكفار مثل الحارس أو الكلب الذي ينبح لقومه للفريسة. فهؤلاء يقتلون المسلمين ويدعون أهل الأوثان والكفار، فلهذا فهم كلاب أهل النار، لأنهم ينفذون خطط هؤلاء الكفار. الآن انظر هذا الشغب الذي في بلاد المسلمين، وهذه الحروب والقتال وغيره، من وراءه أعداء الله عز وجل، لكن من الذي ينفذه؟ ينفذه الخوارج. فهم كلابهم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، شعروا أو لم يشعروا، قد يكون فيهم ناس صادقون يحبون الدين ويحبون الإسلام، لكن جاءوا على طريقة غير صحيحة، وهذا لا ينفعهم، لأنهم تركوا دين الله وتركوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وتركوا ما عليه العلماء. والشرع بين أنه لا بد للمسلم أن يتبع العلماء ويقتدي بهم، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاع به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. فلهذا لا بد للمسلم أنه يتبع طريقة أهل العلم، وهم قادة الأمة. فمن خالفهم فهو خارج وضال، وله نصيب من الآيات التي فيها الذنب من خرج، ومنها كما قلنا مشاققة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا شيء مما يذكر، إن شاء الله نكمل في درس لاحق، الله تعالى شكرًا.