الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 84، ألقاها
يشرح المقطع الأول معنى اجتناب الشذوذ والخلاف في العقيدة، ويعطي أمثلة على آراء بعض العلماء التي اعتبرت شاذة. يوضح أهمية فهم هذه المفاهيم لتجنب الآراء الشاذة.
يتناول المقطع الثاني مسألة الخلاف والاختلاف في أهل السنة، موضحا أن بعض الأئمة قد ينفردون بآراء ليست على نهج أهل السنة. يشير إلى أن الخلاف وارد في الأمة كما دلت عليه النصوص الشرعية.
يصنف المقطع الثالث الخلاف في الشريعة الإسلامية إلى أنواع، ويبين أحكام كل نوع. يشدد على أهمية التمييز بين أنواع الخلاف لتجنب التنافر بين الأمة.
يتناول المقطع الرابع التعامل مع الخلاف بين أهل الحق، مشيرا إلى إمكانية التعايش مع الخلاف في فرع من أصول الدين إذا كان هناك احتمال في الأمر وعذر للطرفين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: "ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة". وذكرنا معنى هذه العبارة. وقوله: "نجتنب الشذوذ"؛ الانفراد بالرأي، أن يأتي برأي ينفرد به. وإذا كان هذا الانفراد أو هذا الشذوذ في الأصول، فهذا يقدح في صاحبه. إذا أتى برأي في أصل من أصول أهل السنة، فإنه لا شك أنه يقدح فيه ويخرجه عن منهج أهل السنة. ومن ذلك، مثلا، قول شبابة بن سوار في الإيمان: "أن من قال فقد عمل". هذا قول شذ به شبابة بن سوار؛ فجعل القول عملا، وأنكره الإمام أحمد إنكارا شديدا. لكن قد يكون هذا الشذوذ في فرع من أصل، قد يكون هذا الشذوذ في فرع من أصل. وهذا يحصل كثيرا؛ فمثلا تجد بعض الأئمة يثبت الأسماء والصفات، لكن تجد مثلا يثبت بعض الأشياء التي لم تثبت؛ مثل مثلا إثبات عثمان بن سعيد الدارمي الحركة لله عز وجل، وهذا خطأ لم يأت به الكتاب والسنة، لم يأت في حديث. كذلك بعضهم أنكر أيضا على ابن خزيمة إثبات بعض الصفات كالصورة؛ أثبت الإمام ابن خزيمة الصورة -أقصد لله- أو نفى الصورة لله. وهذا عدّه بعض العلماء شذوذا من الإمام ابن خزيمة. وقد جاء عن الإمام أحمد وغيره في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خلق آدم على صورته"، أي على صورة الرحمن جل وعلا. فالإمام ابن خزيمة يقول: إنه على صورة آدم؛ "خلق آدم على صورته"، أي على صورة آدم؛ فنفى الصورة لله جل وعلا، مع أن الصورة أيضا قد جاءت في الحديث الذي في الصحيحين، في حديث الشفاعة؛ فالصورة ثابتة لله جل وعلا. وغيرها من هذه الأشياء التي قد ينفرد بعض الأئمة بشيء ليس عليه أهل السنة. فمثلا أهل السنة اختلفوا، مثلا، في مسألة نزول الله عز وجل؛ فهل ينزل إلى السماء الدنيا ويخلوا منه العرش، أو ينزل ولا يخلوا منه العرش؟ فمثل هذه المسائل، تجد أن بعضهم يجزم بهذا، وبعضهم يجزم بهذا، وبعضهم يتوقف، كما ابن قدامة وغيره توقفوا في هذه المسألة. وأكثر أهل السنة يقولون: ينزل ولا يخلوا منه العرش؛ وهذا الذي عليه أكثر أهل السنة، وهو الذي تدل عليه الأدلة؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء. فلهذا، فالشذوذ إذا كان في فرع من أصل، فلا يخرج الشخص من دائرة أهل السنة. لكن الإصرار على الباطل، هذا الذي يذمه أهل السنة جميعا؛ الإصرار على الباطل على أنه حق، ولا يلتفت إلى قول أحد. والخلاف، الخلاف والاختلاف غالبا يكون واحدا. والخلاف هو واقع في هذه الأمة، كما قال الله عز وجل ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. وأيضا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر اختلاف هذه الأمة في أحاديث كثيرة، منها حديث الفرق؛ وأنه ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. فالخلاف واقع أيضا؛ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر اختلاف هذه الأمة، وأن أمتي ستختلف؛ "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين". حديث العرباض بن سارية، قال عليه الصلاة والسلام لما وعظهم: "كأنها موعظة مودع"، فأوصاهم، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا". فعليكم بسنتي، وبسنة الخلفاء الراشدين. فتبين أن الخلاف واقع في هذه الأمة، الخلاف واقع في هذه الأمة. لكن الخلاف يختلف؛ منه ما يكون خلاف قضاد، ومنه ما يكون خلاف أفهام، ومنه ما يكون خلاف تنوع. فأما خلاف التنوع الذي يكون في العبادات، فهذا قال شيخ الإسلام: لا ينكر فيه إلا جاهل. خلاف التنوع الذي يكون في العبادات؛ مثلا التشهد عدة أنواع، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عدة أنواع، كذلك بعض السنن يكون عدة أنواع جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا ينكر هذا على هذا لأنه على سنة. وإذا كان أيضا خلاف أفهام ليس فيه تضارب، فهذا أيضا لا ينكر فيه؛ إذا كان الدليل يحتمل. وأما خلاف التضاد، فهذا لا شك أنه هو المذموم، هو المذموم الذي لا ينبغي أن يحصل بين الأمة. وكثير من العلماء ومن السلف كانوا يبتعدون عن هذا الخلاف الذي يختص ويكون بين الأمة جميعا، ويكون فيه شيء من التضاد وشيء من التنافر. ولهذا، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما كان في ميناء، كان يقول: "إن السنة أن يصلي الرجل في ميناء ركعتين كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم". لكن لما جاء أهل عثمان صلى كذلك، ثم بعد ذلك صلى أربعا؛ تأول رضي الله عنه، فصلى أربع ركعات على أنه ليس مسافرا، صلى أربع ركعات على أنه مقيم. فكان ابن مسعود يصلي خلفه، فقيل له: كيف تقول إن الصلاة ركعتين، السنة ركعتين، ثم تصلي خلف عثمان أربعا؟ فقال رضي الله عنه: "الخلاف شر". قال: "الخلاف شر". وهذا من فقه رضي الله عنه؛ أنه ما أراد أن تختلف الأمة مثل هذه الأشياء. فلهذا، فالخلاف أيضا يقال فيه مثل ما قيل قبل؛ فإن كان الخلاف في أصل من أصول أهل السنة، فهذا يؤثر في الشخص. وإن كان الخلاف في فرع من أصل، فهذا غالبا يحصل بين أهل الحق، وكل يعذر صاحبه إذا كان الأمر فيه احتمال. طيب، إن شاء الله تعالى، الفرقة نتكلم عنها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلى وأعلم. اشتركوا في القناة.