الدرس في كتاب الأطعمة والذبائح والصيد 1، ألقاها
الأصل في الأطعمة أنها حلال إلا ما حرمه الشارع، وتشمل الأطعمة المباحة الحيوانات والنباتات. الحيوانات تنقسم إلى برية وبحرية وتخضع لأحكام شرعية مختلفة.
صيد البحر وميته حلال، بينما يخضع الحيوان البري لأحكام محددة تشمل الأنعام والخيل والضب والحمار الوحشي والأرنب. الأحكام الشرعية للأكل من هذه الحيوانات تستند إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
المحرمات من الطعام محصورة في عشرة أشياء تشمل الميتة، الدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به. يُستثنى من الميتة السمك والجراد، ويباح أكل الميتة للمضطر. تحريم الميتة يشمل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع.
يحرم ما ذبح على النصب أو للأصنام أو للقبور والأولياء. كما يحرم أكل الحيوانات التي لم تذبح وفق الشريعة الإسلامية، إلا إذا ذكيت قبل موتها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال رحمه الله: كتاب الأطعمة والذبائح والصيد، ويجتمل على ثلاثة أبواب: الباب الأول في الأطعمة، والباب الثاني في الذبائح، والباب الثالث في الصيد. قال: الباب الأول في الأطعمة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفها، والأصل فيها. قال: تعريفها: الأطعمة جمع طعام، وهو ما يأكله الإنسان ويتغذى به من الأقوات وغيرها، أو يشربه. فالطعام يشمل الأكل والشرب. فلما فصل طالوت بجنود، قال: «إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني»، لم يطعمه، فإنه مني طيب. فأطلق الطعام على شرب الماء طيب. إذن، الطعام ما يأكله الإنسان ويتغذى به من الأقوات وغيرها، أو يشربه، فيشمل الأكل، وكذلك أيضا يشمل الشراب. قال: ثانيا، الأصل فيها. قال: تنطلق القاعدة الشرعية في معرفة ما يحل من الأطعمة، وما يحرم، من قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾، ومن قوله عز وجل: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، ومن قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾. والمراد بالطيبات: ما تستطيبه النفس وتشتهيه. لأن الطعام لما كان يتغذى به الإنسان، فإن أثره ينعكس على الأخلاق. فالطعام الطيب يكون أثره طيبا، والخبيث يكون على الضد من ذلك. لذا أباح الله سبحانه الطيب من المطاعم، وحرم الخبيث منها. فالأصل في الأطعمة الحل، إلا ما حرمه الشارع الحكيم. ولذا قال تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾. فذكر رحمه الله هذه الآيات الثلاث ليستدل بها على أن الأصل في الأطعمة هو الحل. الأصل في الطعام والشراب هو الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه. فالله عز وجل يقول: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا﴾، يعني استثناء. ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليء محرم﴾، يعني الأصل حلال. الأصل في كل طعام أنه حلال، إلا ما أوحي إلي، أي للنبي صلى الله عليه وسلم، أنه حرام. ومن ذلك الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، أو ما أهل لغير الله به. فهذه أطعمة محرمة. الميتة: ما مات حتف أنفه، من غير ذكاة شرعية. فهذا حرام. أو الدم المسفوح، أي الذي يجري ويسيل من البهيمة، فهذا حرام. أو كذلك لحم الخنزير، فإنه رجس، أي نجس، أو قذر. أو فسقا أهل لغير الله به، يعني ما قصد به غير الله. وسيأتي معنا تفاصيل ذلك في موضعه في الذبائح. فهذه محرمة. ثم أباح الله عز وجل عند الضرورة: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾. غير باغ، يعني باغ للحرام، مع وجود الحلال. ولا عاد، أي متعدي إلى فعل هذا الحرام، أو متجاوز الحد الذي أجاز الله عز وجل فيه دفع الضرورة. فدلت هذه الآية على أن الأصل في الأطعمة الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه. وهذه الآية، وإن كانت ذكرت بعض هذه المحرمات، إلا أنها كذلك هي أيضا مخصوصة بما ثبت في السنة، كذلك مما حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، من الأطعمة. ككل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وهكذا ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، أو أمر بقتله، فإنه كذلك محرم. فتكون هذه الأمور كذلك مما تخص به هذه الآية. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، يعني أن الأصل في الطيبات أنها حلال. الأصل في الطيبات أنها حلال، لكن المراد بالطيبات: ما أحله الشرع، أو لم يأت الشرع بتحريمه. والمراد بالخبائث: كذلك ما حرمه الشرع. وقوله عز وجل: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾، يعني الأصل فيها أنها حلال. فمن هذا الذي يحرم ما أخرج الله عز وجل لعباده من الطيبات من المآكل والمشارب؟ فهل معه من حجة أو دليل على هذا التحريم؟ لأن الأصل أنها حلال. فلذلك فالشريعة أحلت كل ما كان طيبا ينتفع الإنسان به، ولا ضرر في أكله أو شربه، فأحلته. وما كان خبيثا ومذرا، فإن الشريعة حرمته. ولأن الطعام له أثر على آكله، فالشريعة مثلا حرمت أكل لحوم السباع. قال أهل العلم: الحكمة من ذلك، حتى لا يتأثر بها. لو أكل لحوم السباع، ربما يكون عنده شيء من أخلاق السباع، من التعدي والبغي. وهكذا لحم الخنزير، الخنزير حيوان لا غيرة عنده. فإذا أكله الإنسان، تأثر به. ولذا تجدون الكفار الذين يأكلون الخنزير، لا يغارون على عرضهم، عندهم شيء من الدياثة، بسبب تأثرهم بأكل هذا الحيوان الخبيث. قال: فالأصل في الأطعمة الحل، إلا ما حرمه الشارع. هذا هو الأصل. بل الأصل في كل شيء أنه حلال. الأصل في كل شيء هو الحل، كما قال الله عز وجل: ﴿هو الذي سخر لكم ما في الأرض جميعا﴾. منه. فقوله: «لكم» فيه معنى الامتنان. فالله عز وجل يمتن على عباده بما أوجده وخلقه لهم، وسخره لهم لينتفعوا به، فدل ذلك على إباحته وحله. وكذلك أيضا: أن الأصل في الأطعمة أنها حل لأهل الإيمان. أنها حل لأهل الإيمان. أما الكافر فإنه يعاقب ويؤاخذ عليها، كما في قوله جل وعلا: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾. قص الله عز وجل بأهل الإيمان أن يحل لهم، فدل ذلك على أن أهل الكفر ليسوا كذلك. قال: وقد جاء هذا التفصيل مجملا على أمور ثلاثة: أولا، النص على المباح. وثانيا، النص على الحرام. وثالثا، ما سكت عنه الشارع. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها». الحديث رواه الدارقطني والبيهقي، وفيه انقطاع، له ضعف. الشيخ الألباني رحمه الله، بسبب ذلك. لكن الحديث له طرق متعددة، ومعنى صحيح، ويشهد له كثير من أدلة الكتاب والسنة. وكذلك أيضا يدل على أن ما سكت عنه الشرع، فالأصل فيه الحل. الأصل فيه الحل. قال: المسألة الثانية: ما نص الشارع على حله وإباحته. قال: والأصل في ذلك، والقاعدة: أن كل طعام طاهر، لا مضرة فيه، فإنه مباح. والأطعمة المباحة على نوعين: حيوانات، ونباتات. كالحبوب والثمار. والحيوانات على نوعين: برية، وبحرية. أولا، الحيوان البحري: وهو كل حيوان لا يعيش إلا في البحر، كالسمك بأنواعه المختلفة، وكذا غيره من حيوانات البحر، إلا ما فيه سم، فإنه يحرم، للضرر. يعني إذا ألقي شيء من السم في البحر، وماتت بعض الأسماك منه، فهنا لا يجوز أكله، ليس لكونه مات، وإنما لكونه تأثر ومات بسبب هذا السم، حتى لا يتضرر الإنسان بأكله. وكذا يحرم من الطعام البحري، ما كان مستقذرًا، مستقذرًا. كالضفدع. مع ما جاء من النهي عن قتله. أي الضفدع. الضفدع جاء النهي عن قتله، والضفدع لا يعيش في البحر كالأسماك، فهو يعيش في البحر، ويعيش في البر، يعني في الماء، في المستنقعات، وكذلك يعيش في البر. وقد جاء النهي عن قتله. سئل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في السنن، عن الضفدع: «تتخذ للدواء»، فنهى عن قتلها. فنهى عن قتلها. والقاعدة: أن ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، أو أمر بقتله، فإنه يحرم أكله. قال: وكالتمساح، لكونه مستقذرًا، ولأنه له ناب يفترس به، لعموم قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. التمساح كذلك، بعض أهل العلم، كما ذكر، ذهب إلى تحريم أكله. لماذا؟ لأنه له ناب يفترس به، وهو أيضا مما يعيش في البر، يعيش في المستنقعات، في الأنهار، وفي البر كذلك. وله ناب يفترس به، فشابه حيوان البر المفترس، فألحق به. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. هذا القول هو الأقرب للصواب. وإن كان بعض أهل العلم يذهب إلى جواز أكله، يذهب إلى جواز أكله. بل فيما أذكر: أن لجنة الدائمة الإفتاء لهم فتوى بجواز أكله، لعموم الآية: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾. قال: ويجوز أكل الحيوان البحري، سواء صاده مسلم أو غيره، يعني ولو صاده كافر، سواء كان كتابيا أو غير كتابي. لماذا؟ لأن ميتته حلال، لا يشترط فيه التذكية. نعم. قال: وسواء كان له شبه في البر، أم يكن، أم لم يكن. يعني أن صيد البحر، ما يعيش في البحر، سواء إذا كان له شيء يشبهه في البر، أو ليس له شيء يشبهه، فهو حلال. فهو حلال. مثل: مثلا حية البحر، في من أسماك البحر حية، مثل تشبه حية، يعني البارون. كانت تختلف، لكن لها فيها مشابهة. هي حلال، لأنها تدخل في عموم الآية. تدخل في عموم الآية. أو ما يسمى بكلب البحر، أو حصان البحر، أو نحو ذلك. فالأصل هو الحل. قال: والحيوان البحري لا يحتاج إلى تذكية، لقوله تعالى: ﴿وحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾. وهذا هو الدليل على حل جميع أنواع صيد البحر. ﴿وحل لكم صيد البحر﴾، هذا عموم يشمل كل ما في البحر. ﴿وطعامه﴾، وهو ما أخرجه البحر، كما سيأتي. ﴿متاعا لكم وللسيارة﴾، أي من كان سائرا ومسافرا في البحر. قال: أولي حديث. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ألا إن صيده ما صيد، يعني من البحر، صيده ما صيد من البحر، وطعامه ما لفظ البحر»، أي ما أخرجه البحر ولفظه من ميتة البحر. والأثر أخرجه الدارقطني، وذكره أيضا كثير في تفسيره. قال: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». الحديث رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي، وهو حديث صحيح. والشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: «الحل ميتته». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ميتة البحر حلال، إذا وجد الإنسان سمكة طافية ميتة، جاز له أن يأكلها. والصحابة رضي الله عنهم، في قصة أبي طلحة، لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، وأصابهم الجوع، وجدوا حوتا عظيما على ساحل البحر، وقالوا: «العنبر»، فأكلوا منه ثلاثة أشهر، أو نحو ذلك. ثم لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، أخبروه بذلك، وأطعموه شيئا مما كان معهم. قال: ويشمل البحر المالح، والنهر الحلو. يعني البحر الماء المستبحر الكثير. ومع ذلك، وجاء الدليل الخاص في حل أسماك النهر. يعني قول الله عز وجل: ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون منه حلية تلبسونها﴾. فأخبر الله عز وجل أن من كل البحرين - الملح الذي هو البحر، والسائغ شرابه الذي هو النهر - ثم أباح صيد كلا البحرين. ﴿ومن كل تأكلون لحما طريا﴾، فيدل على حل. قال: ثانيا، الحيوان البري. قال: والحلال من الحيوان البري المنصوص عليه، يمكن تلخيصه في الآتي: أولا، الأنعام، لقوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾، وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾. والمقصود ببهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. فهذه الأنعام الثلاثة حلال: الإبل، والبقر، والغنم. لهذه الآيتين، وغيرها من الآيات والأدلة الدالة على حلها. قال: ثانيا، الخيل، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل». والحديث في الصحيحين. فلحوم الخيل حلال. وإن كان فيه كذلك خلاف. الإمام محمد رحمه الله ذهب إلى الحل، لهذا الحديث، ولحديث أسماء في الصحيحين، قالت: «نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكلناه، ونحن في المدينة». وذهب أبو حنيفة إلى التحريم، وذهب الإمام مالك إلى الكراهة. قال: الضب، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم». والحديث في الصحيحين. وقوله صلى الله عليه وسلم: «كلوا، فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي». لما قرب للنبي صلى الله عليه وسلم الضب، قال: «ما هذا؟» أو «أخبر بأن هذا لحم ضب»، فترك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأكل. وأخذ خالد بن الوليد، وجعل يأكل، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: «يا رسول الله، أحرام؟» قال: «لا، ولكني أعافه، لأنه لم يكن في أرض قومي»، يعني ما كانوا يأكلونه، أي أهل مكة. فعافه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر على من أكله، فدل هذا على حله. قال: الحمار الوحشي، قال: وهو غير المستأنس، يعني غير الحمار الأهلي. الحمار الأهلي الذي يستعمله الناس في الركوب، وفي حمل الأمتعة. أما الحمار الوحشي، فيعيش في الغابات. قال: لحديث أبي قتادة رضي الله عنه، أنه رأى حمارا وحشيا، وغالبا يكون مخططا، أسود وأبيض. قال: «فعقره»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل معكم من لحمه شيء؟» قال: «معنا رجله»، معنا رجله. فأخذها، فأكلها، أي النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث في الصحيحين. فدل هذا على حله. قال: الأرنب، لما رواه أنس رضي الله عنه، أنه أخذ أرنبا، فذبحها أبو طلحة، وبعث بواركها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقبلها. والحديث في الصحيحين. فدل هذا على حل الأرنب. قال: الضبع، لما روى جابر رضي الله عنه، قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم». والحديث رواه أبو داود، والترمذي، وهو صحيح. قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها. تعرفون الضبع: الضبع حلال. جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم كبشا إذا صاده المحرم. إذا صاده المحرم، فالذي يقابله ويماثله الكبش. فدل هذا على أنه حلال. واختلف أهل العلم: هل الضبع سبع، أو ليس بسبع؟ منهم من قال: بأن الضبع سبع، كالسباع المفترسة. لكن استثني استثناء من التحريم، بدلالة هذا الحديث، وغيره من الأحاديث. فيكون مستثنى. وهذا قول الجمهور. قال: الدجاج، لما روى أبو موسى رضي الله عنه، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم دجاج». والحديث في الصحيحين. ويلحق بالدجاج الإوز والبط، لأنهما من الطيبات، فتدخل في قوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات﴾. قال: الجراد، لحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: «غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أو ستا، كنا نأكل معه الجراد». والحديث في الصحيحين. وهل يشترط أن يذكأ، يعني يقتلها قبل أن يأكلها؟ الجواب: لا، ما يشترط. لأن الجراد ميتته حلال. الجراد ميتته حلال. الحديث: «حل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال». فالجراد يجوز أكله، سواء أمسكه حيا أو أمسكه ميتا. قال: المسألة الثالثة: نص الشارع على تحريمه. قال: والأصل فيما يحرم من الأطعمة: أن كل طعام نجس، مستقذر، فيه مضرة، لا يجوز أكله. وذلك على النحو التالي: أولا، المحرمات من الطعام في كتاب الله، محصورة في عشرة أشياء، وردت في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾. قال: أما الميتة، فهي ما مات حتف أنفه، وفارقته الحياة بدون ذكاة شرعية. الميتة ما مات حتف أنفه، يعني لقي الموت من غير أن يذكى، من غير أن يذبح. فهذا يسمى ميتة. قال: وحرمت لما فيها من المضر، بسبب الدم المحتقن، وخبث التغذية. وقد أثبت الأطباء في العلم الحديث: أن هذا يضر. الدم المحتقن في الميتة، إذا أكله الإنسان، فإنه يضره. فلأجل هذا حرمت الشريعة أكل الميتة. قال: وتجوز للمتضرر، بقدر الحاجة. يعني تجوز الميتة للمضطر. قال الله عز وجل: أباح أكل الميتة للمضطر. قال عز وجل: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾، ومرة معنا في الآية السابقة: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾، ثم استثنى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾. وقال عز وجل: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فلا إثم عليه﴾. وقال: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. فعند الضرورة تجوز ارتكاب المحظور. والضرورات تبيح المحظورات. فعند الضرورة تجوز، بقدر الحاجة، بقدر الحاجة. يعني ما يرفع الضرر، ما يرفع الضرر. فإذا اضطر الإنسان، أصابه الجوع الشديد الذي يكاد أن يهلك به، إن لم يأكل الميتة، فهنا وجب عليه أن يأكلها. وجب عليه أن يأكلها. هل له أن يشبع؟ الجواب: لا، ما يشبع. يأكل ما يدفع عنه الضرر، وما يزيل عنه شدة الجوع والهلاك. فإن خشي أن يعود عليه الجوع مرة أخرى، لا بأس أن يحمل منها معه. وإذا اضطر مرة أخرى، أكل منها. قال: ويستثنى من الميتة: السمك والجراد، فإنهما حلال، كما مر معنا. فالسمك والجراد لا يحتاج إلى تذكية، فميتته حلال. قال: والدم المراد به: الدم المسفوح، فإنه حرام، لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿أو دما مسفوحا﴾. وقلنا: هو الدم الذي يسيل من البهيمة، فهذا لا يجوز شربه، فهو محرم. قال: أما ما يبقى من الدم في خلل اللحم، وفي العروق بعد الذبح، فمباح. يعني اللحم اليسير الذي يبقى في وسط اللحم، وفي بقية العروق، هذا لا يضر، لأنه يسير. واتقاءه فيه مشقة. والمشقة تجلب التيسير. قال: وكذا ما جاء الشرع بحله من الدم، كالكبد والطحال. وهذا مما يستثنى أيضا من الدماء. الكبد والطحال، حيث من عمر. وأما الدماء، فالكبد والطحال. الكبد والطحال هما دم، لكن استثناهما الشرع، فأجاز أكلهما. الكبد معروف. والطحال: قطعة من الدم، تأتي منتصبة في الكرش، في كرش البهيمة. هذا أيضا حلال. قال: ولحم الخنزير، لأنه قذر، ويتغذى على القاذرات، ولمضرته البالغة. وقد جمع الله عز وجل هذه الثلاثة في قوله: ﴿إلا يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾. فلحم الخنزير كذلك محرم. فهو قذر، ويتغذى على القاذرات. وفيه مضرّة. بل ذكر بعض أهل العلم: أن في الخنزير دودة، يعني لا تموت حتى في وضع لحمه في النار، لا تموت هذه الدودة التي تعيش فيه. قال: وما أهل لغير الله به، أي ذبح على غير اسمه تعالى. وهذا حرام، لما فيه من الشرك المنافي للتوحيد. فإن الذبح عبادة، لا يجوز صرفها لغير الله. كما قال تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾. ما أهل لغير الله به على قسمين، وعلى نوعين. النوع الأول: كما ذكر، أن يذبح على غير اسمه تعالى. يقول: باسم المسيح، أو باسم الولي الفلاني، باسم الجيلاني، أو باسم العيدروس، أو باسم فلان، أو باسم الرسول عليه الصلاة والسلام. يذبح هذا أهل لغير الله، فلا يجوز أكله. فلا يجوز أكله. وهو من الشرك في عبادة الله جل وعلا. قال: والمنخنقة، وهي التي تخنق فتموت، إما قصدا أو بغير قصد. إما قصدا: يأتي إنسان بحبل، ويخنقها. أو يأتي أولاد يلعبون، فيضعون الحبل في عنق البهيمة، فيخنقونها. أو يلتف الحبل في عنقها، فتموت. هذه منخنقة، تعتبر ميتة، لا تجوز. لا يجوز أكلها. قال: والموقوذة، وهي التي تضرب بعصى أو شيء ثقيل، فتموت. ومثل الصيد إذا أراد أن يصيد صيدا، فيرميه بالرمح، فيصيبه الرمح بعرضه، فتموت من شدة الضربة. هذه تعتبر موقوذة، لا يجوز أكلها. أو ترمى بحصى، أو شيء من ذلك، فتموت، فهذه تعتبر ميتة. قال: والمتردية، هي التي تتردى من مكان عال، فتموت. كانت تسقط من أعلى البيت، أو تسقط من مكان مرتفع، تسقط في الوادي، فتموت. أو من جبل مرتفع، فتتردى، فتموت. فهذه ميتة. قال: والنطيحة، هي التي تنطحها أخرى، فتقتلها. تتلاطح اثنتان من البهائم، فتقتل إحداهما الأخرى، فتكون ميتة. قال: وما أكل السبع، هي التي يعد عليها أسد، أو نمر، أو ذئب، أو فهد، أو كلب، يعني من السباع. هذه كلها من أنواع السباع. فيأكل بعضها، فيأكل بعضها، فتموت بسبب ذلك، فتكون ميتة. قال: فما أدرك من هذه الخمسة الأخيرة، وبه حياة، فذكي، فإنه حلال الأكل. الخمسة الأخيرة: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع. وما أكل السبع. هذه الخمسة، إذا وجدها الإنسان بعد حصول هذا الشيء لها، ما زال فيها حياة، تردت مثلا البهيمة من مكان مرتفع، فوصل إليها، وما زالت حياة، فذكاها، ذبحها، حلت. كذلك المنطوحة، إذا جاء وجدها، ما زال فيها حياة، فذبحها، حلت. وهكذا بقيت الأنواع أيضا. ما أكل السبع، إذا نهش السبع منها شيء، ثم جاء وجدها حياة، فذكاها، كذلك حلت. لقول الله عز وجل: ﴿إلا ما ذكيتم﴾. قال: وما ذبح على النصب، وهي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة، وكانوا في الجاهلية يذبحون عندها. فهذه لا يحل أكلها، لأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله. كما مضى فيما أهل لغير الله به. وقيل: الأصنام. قيل: النصب: بالأصنام التي تنصب، فيذبح لها، أو عندها، فكذلك لا يجوز. ومثله: كما مر، ذبح للقبر، أو للأولياء، أو نحو ذلك. فإن كذلك اعتبروا محرما. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.