الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 158، ألقاها
يناقش هذا الفصل الحديث النبوي الذي يحذر من وجود الكلاب في البيوت لأنها تمنع دخول ملائكة الرحمة، مما يعني سيطرة الشياطين على البيت. يوضح الفرق بين ملائكة الرحمة والملائكة الكاتبين.
يشرح هذا الفصل تحريم اقتناء الكلاب في البيت لما في ذلك من منع لدخول الملائكة، ويستثني حالات محددة مثل الصيد أو حراسة الماشية أو الزرع. يشير إلى أهمية الوضوء للجنب قبل النوم.
يناقش هذا الفصل الأضرار الناجمة عن وجود الكلاب في البيوت، حيث يحذر النبي من اقتنائها لما قد يسببه من تلوث وضرر، ويشدد على تجنب ذلك لما في ذلك من مخاطر دينية وصحية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله: حدثنا زيد بن الحباب، وهو أبو الحسين العقلي البصري، قال: الحسين بن واقد، وهو المروزي الثقة، عن ابن مريدة، عن نبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب». قال: هذا حديث حسن، وابن بريدة وعبد الله يعده أيضا سندا ومتنان، وقلنا: أبناء بريدة بن الحصيب، ومتنان: عبد الله وسليمان. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا زيد، هو ابن الحباب، قال: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن نبيه، قال: احتبس جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له: ما حبسني؟ قال: «إنا لا ندخل بيتا فيه كلب». قال: هذا حديث حسن. وإنما قال: حديث حسن؛ لأنه كما قلنا: زيد بن الحباب قد تكلم بعض العلماء في حفظه، فهذا الحديث فيه النهي عن إدخال الكلاب في البيوت؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة. وعدم دخول الملائكة إلى البيوت، وهي ملائكة الرحمة، معنى ذلك أن الشياطين تعشعش في هذا البيت. فإذا حُبسَت الملائكة عن البيوت - أي ملائكة الرحمة - وعن القرين، فهو على الصحيح أنه يلازم قرينه. أما الملك الذي يكون كاتبا - كِرام كاتبين - هؤلاء لا ينفكون عن الشخص ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال الله عز وجل: ﴿كرام كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾. هؤلاء جعلهم الله عز وجل حفظة وكتبة للناس. أما المقصود هنا بالملائكة: أي ملائكة الرحمة. فإذا لم تدخل الملائكة بيتا، فمعنى ذلك أنه يأتيه الشياطين. فلهذا جبريل عليه السلام كان قد وعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما جاء في حديث عائشة - أنه سيأتي، فلم يأت في ذلك الموعد، فحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأصابه الهم من ذلك: كيف أن جبريل وعده ثم لم يأت؟ فقالت عائشة: تقول له: سيأتي يا رسول الله. قال: حتى وجد جروا عند سريره أو تحت سريره - والجرو هو صغير الكلب - فقال عليه الصلاة والسلام: «من أدخل هذا هنا؟» ثم أخرجه، فلما أخرجه دخل جبريل، فقال: «أين كنت؟» قال: «ما منعني أن أدخل إلا هذا الجرو». وقد جاء في الصحيحين، عن أبي طلحة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة». فالحديث أصله في الصحيحين، وقد جاء أيضا عن عدة من الصحابة. فهذا الحديث قال فيه: «إنا لا ندخل بيتا فيه كلب»، أي: الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب. وجاء أيضا عند أحمد زيادة: «جنبا»، لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب، وهي زيادة صحيحة. وجاء أيضا عند أحمد: «ثلاثة لا تقربهم الملائكة»، وذكر منهم الجنب. فلهذا الأفضل للإنسان أنه يتوضأ إذا أجنب، يتوضأ؛ فإنه يخفف الجنابة، كما جاء في الصحيحين في حديث عمر، مما سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: سئل: «أيرقد الرجل وهو جنب قبل أن يغتسل؟ أو أن يغتسل قبل أن ينام الجنب؟» قال: «نعم، إذا توضأ». قال: «نعم، إذا توضأ». فلهذا فالوضوء يقلل من الجنابة. كذلك أيضا جاء أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا جرس، لكن فيه ضعف. لكن قد جاء في سنن أبي داود: «أن الملائكة لا تمشي مع رفقة فيهم كلب أو جرس»، وهذا صحيح. معنى ذلك: أن الملائكة لا تمشي مع هذه الرفقة التي عندهم جرس - وكان بعض العرب يعلق الجرس في الحيوانات في العيال - فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الملائكة لا تصحبهم. فخلاصة هذا الحديث: أنه فيه النهي أن يبقي الرجل الكلاب في بيته، وأن يقتني الكلاب في بيته. وهذا أيضا يدلنا على أن حارس البيت لم يأت فيه ترخيص أنه إذا كان كلبا يحرس البيت لم يأت فيه ترخيص. إنما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من اقتنى كلبا غير كلب صيد أو ماشية أو حرث نقص من أجره كل يوم قيراطان». فقال ابن عمر: كان أبو هريرة صاحب حرث؛ لأن ابن عمر لم يذكر الحرث، فقال: كان أبو هريرة صاحب حرث - أي: حفظه لأنه صاحب حرث. وجاء في رواية: «إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية». وأما كلب الحراسة فلم يثبت فيه الترخيص. بعضهم يقول: إن كلب الماشية أجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حراستها، فللبيت كذلك. لكن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الماشية تحتاج إلى الكلب يحرصها، وأما البيوت لا تحتاج إلى كلاب، الناس يحرصون أنفسهم، ويحرص الإنسان نفسه أيضا بالأذكار، يحرز نفسه. وإذا كان من حيوانات يستطيع الإنسان أن يدافع عن نفسه - ليس مثل البهيمة مثل الأغنام أو غيرها - فإنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها. فلهذا أجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكلاب في الصيد، وفي الحراسة للماشية، وحراسة للزرع. وأما أن يضع الرجل كلبا عند بيته، فيدخل بيته ويأكل من طعام أهله، أو يضع أنفه أو لعابه في آنيته، فهذا الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك هو: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب»، أيضا هذا من ضرر وجود الكلاب في البيوت. فلهذا يحرص الإنسان على أن لا يقرب الكلاب عند بيته، ولا يدخلها بيته. والله تعالى أعلم.