الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  184

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 184

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 184، ألقاها

شرح حديث بلال بن الحارث المزني

يشرح المقطع حديث بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه، ويتناول سند الحديث وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم. يوضح المقطع الاختلافات في الطرق التي روي بها الحديث.

أهمية النصيحة للأمراء وخطورة الكلمة

يتناول المقطع أهمية النصيحة للأمراء وخطورة الكلمة التي قد تقال لهم، حيث يمكن أن تسبب كلمة واحدة إصلاحا أو فسادا كبيرا. يشير إلى أن السلف اتفقوا على أن الحديث عن الدخول على الأمراء يتطلب الحذر.

أثر الكلمة على صاحبها وتوجيهات العلماء

الكلمة قد تكون سبباً في رفع الدرجات أو دخول النار، ولذا يجب على المسلم أن يختار كلماته بعناية. يُنصح بعدم نصح الفاسق علانية لئلا ينفر ويزداد فسقا، بل ينصح سرا إن استطاع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه، وبلال بن الحارث هو مزني مضري من قبائل مضر، بني مازن من قبائل مضر، من قبائل الحجاز. وبلال بن الحارث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد صرح بصحبته جماعة من العلماء، ولا شك في صحبته. وقيل إنه سكن البصرة، وقيل إنه مدني لم يتحرك من المدينة، أن أكثر وقته كان في المدينة، لكن بعض العلماء يقول إنه ذهب إلى البصرة ومات في خلافة عبد الملك بن مروان. قال شيخنا: قال عبد الله المبارك في الزهد: أخبرنا موسى بن عقبة، قال الشيخ: وهو بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، وموسى بن عقبة صاحب المغازي، أنا له كتاب سماه المغازي، مثل مغازي ابن إسحاق، لكنه بن إسحاق أوسع منه، مغازي ابن إسحاق أوسع من مغازي موسى بن عقبة، لكن مغازي موسى بن عقبة في الناحية الصحية، وكان مالك رحمه الله يعتمد عليها، وكان يوصي إليه فيقول: من أراد المغازي فعليه بالعبد الصالح موسى بن عقبة. قال علقمة بن وقاص الليثي، من بني الليث، وعلقمة ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلقمة من كبار التابعين، قد أدرك أبا بكر وعمر، وهو راوي حديث المشهور، حديث النية «إنما الأعمال بالنيات»، علقمة بن وقاص الليثي. لكن بعض العلماء يقول إن موسى بن عقبة سنه صغير عن علقمة بن وقاص، ولهذا أعله بعضهم، كالدارقطني وغيره، أنه لم يسمع من علقمة. لعل موسى رواه عن محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي، محمد بن عمر جده علقمة، فالظاهر أنه رواه عن محمد بن عمر، لأن هذا الحديث رواه جماعة منهم الإمام مالك عن محمد بن عمر، ورواه كذلك الدراوردي، ورواه أيضا جماعة من الرواة عن محمد بن عمر بن علقمة، رواه محمد بن بشر، إلا أن بعضهم يقول: محمد بن عمر بن علقمة عن أبيه عن جده، وبعضهم يقول: محمد بن عمر كما ذكر مالك عن علقمة بن وقاص، فالحديث صحيح إلى علقمة، صحيح إلى علقمة عن بلال بن الحارث. فالظاهر أن الشيخ هنا من تبرئة لهذا، وإلا الشيخ يعلق على مثل هذه الأشياء، ولا يذكر الأسانيد المنقطعة في كتاب، لأنه مسند. لكن الحديث قد جاء مسندا من غير هذه الطريق، وقد أخرجوا النسائي الكبرى، وأخرجوا كذلك ابن ماجة من طريق محمد بن بشر العبدي عن محمد بن عمر بن علقمة عن جده علقمة عن بلال بن الحارث، قال: إن بلال بن الحارث المزني قال له: إني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء وتغشاهم. وأيضا هذا في اختلاف الطرق، فبعض الطرق تدل على أن بلالا هو الذي قال لعلقمة هذا الكلام، وحديث ابن ماجة، وأيضا أذكر حديثا يدل على أن الطرق تدل على أن علقمة إنما قال لرجل هذا الكلام، قال لرجل هذا الكلام. والظاهر هذا، لأن علقمة من كبار التابعين، وما كان يدخل على أحد، كما ذكر في سيرته، فالظاهر أن الكلام هذا هو موجه إلى رجل، وجهه له علقمة، لكان علقمة يقول للرجل: أراك تغشى هؤلاء الأمراء، فانظر ماذا تحاضرهم، فقال علقمة: فإني سمعت بلال بن الحارث يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الناصح هو بلال ينصح علقمة أن لا يدخل على هؤلاء الأمراء، وقد يكون مثلا بلال نصح علقمة ونصح علقمة غيره، قال: إن بلال بن الحارث المزني قال له: إني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء وتغشاهم، فانظر ماذا تحاضرهم، حاضرهم مع أن تقول لهم ماذا تتكلم. ولهذا قال الإمام ابن عبدالبر: قال أن السلف اتفقوا على أن هذا الحديث الذي سيأتي هو في الدخول على الأمراء، لأن الكلام مع الأمراء ليس كالكلام مع غيرهم، فقد يعطى الأمير كلمة تفسد أناسا كثيرين، أن تذهب مصالحهم وتذهب، بل يقتلون. وكذلك رب كلمة ينصح بها أمير فيكف الشر عن كثير من المسلمين، وأيضا يصلح أمر كثير من المسلمين بسبب كلمة ونصيحة يدخل بها علماء من العلماء أو ناصح من النصحاء إلى هذا الأمير. ولهذا كان الصحابة ينصحون عثمان بن عفان لما أراد عمر بن العاص أن يدخل على عثمان نصحه ودخل عليه، وكذلك أبو شريح الخزاعي نصح عبيد الله بن زياد لما أراد أن يدخل الكعبة بجيشه فنصحه ودخل عليه، فقال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل لا يتكلم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة أو إلى يوم يلقاه، وإن الرجل لا يتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه». قال: لو كان علقمة يقول: رب حديث قد حال بيني وبين ما سمعت من بلال، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، أي رجاله. وإلا كما قلنا إن موسى الظاهر لم يسمع من علقمة، فعلقمة قديم، فلو كان علقمة لروى عنه الزهري، الزهري أكبر من موسى بن عقبة، وموسى بن عقبة يروي عن الزهري، ولم يرو الزهري عن علقمة بن وقاص، مع أنه كان في المدينة، فالظاهر أن علقمة كان قديما كبيرا سنا، فلهذا لم يدركه موسى، أو أنه أدركه لكنه وهو صغير. قال: ورواه من طريقه البغوي في شرح السنة، والطبراني في الكبير، والبيهقي في الكبرى. قال: وموسى هو بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، كما جاء مصرحا به عند من ذكر قبل. والحمد لله. فهذا الحديث قد جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «إن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا فيدخله الله عز وجل بها الجنة، وإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا فيدخله الله عز وجل بها النار». فهذه الكلمة التي يقولها الإنسان، كما قلنا ابن عبدالبر، هي في الدخول على السلاطين، أن يريد أن يعظم الكلمة التي قد ترفع الرجل حتى يبلغ بها الدرجات العلى، أن ينصح نصيحة لسلطان، ينصح نصيحة لسلطان فينفع الله عز وجل بها ناسا كثيرين، إما في دفع شر عنهم، فيمنعه مثلا من أن يؤذي بعض المسلمين، يمنعه أن يحارب بعض المسلمين أو يقتلهم، فكلمة هذه يصرف الله عز وجل بها شرا عظيما. وقد يكون هذه الكلمة أيضا ليس عندها حاكم، مثل ما جاء في حديث أبي هريرة في مسلم، الحديث أصله في مسلم، لكن جاء في سنن أبي داود في قصة الرجلين من بني إسرائيل، أحدهما مطيع والآخر عاص لله، فكان هذا الطائع يقول لاحظ هذا على معصيته، فيقول: اتق الله، فذات مرة رآه على معصية فقال: اتق الله، فقال: خلني وربي، لم تبعث علي رقيبا، فقال هذا الرجل الطائع: والله لا يغفر الله لك، فقال الله عز وجل: فأوحى إلى نبي ذلك الزمان: من الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحبط عملك. فقال أبو هريرة: كلمة أوبقت عليه دنياه وآخرته، أوبقت عليه دنياه وآخرته، أن كلمة قالها لو لم يقلها أفضل له بكثير، قالها فأدخله الله النار بسببها، وهي كلمة واحدة، قال: والله لا يغفر الله لفلان، فهذه الكلمة أدخلته هذه الجملة أدخلته النار. فلهذا أيضا قد يفعل الشخص الفعل اليسير أو يتكلم بالكلمة اليسيرة وتكون مبلغها عند الله جل وعلا شيئا عظيما، فيرفع الله بها صاحبها الدرجات العلى، يرفع بها الدرجات بسبب كلمة قد يظنها صغيرة، لكنها عند الله عز وجل عظيمة، وخاصة التي تكون فيها نيتها عظيمة من باب الإخلاص وغيره، مثل دفع الشر عن المسلمين. وكذلك أيضا مثل ما يكون من الإخلاص لله جل وعلا في بعض الكلمات، فبعض الكلمات مثلا يخلص العبد فيها فينفع الله عز وجل بها ناسا كثيرين، كان بعض السلف إذا تكلم اهتدى بكلمته جماعة من الناس، كما يذكر عن عمر بن مرة وغيره. كذلك ذكر ابن الجوزي عن نفسه أنه تكلم في بعض الأحوال فاهتدى كثير من الناس بكلمته، فهكذا فقد يتكلم الإنسان كلمات ينفع الله عز وجل بها أناسا كثيرين فيرفعه الله عز وجل بها الدرجات. وأيضا قد يتكلم الإنسان بكلمات يرد على البدع فيأخذ كلامه كثير من الناس فينفعهم الله به فيصدهم عن البدع التي كانوا قد يرتكبونها، وهذا الباب كثير. ولكن كما قلنا يقول الإمام ابن عبدالبر: إن العلماء قالوا إن هذا في الدخول على السلاطين في نصحهم أو في تأييدهم، أن إذا كان تأييد على أمر فيه شر للمسلمين، فهذه كلمة عظيمة، أن كلمة قد تبقيه في النار سبعين خريفا، سبعين سنة. وإن كانت كلمة نصيحة لهذا السلطان يدفع بها الله عز وجل شرا عظيما، فهي من تعتبر من ما يرفع الله عز وجل بها أصحابها. ولهذا كان بعض السلف يدخل وينصح، وبعضهم سد هذا الباب، بعض العلماء، بعض السلف سد باب الأمراء لا يغشاهم أبدا. وبعضهم كان يدخل وينصح، الإمام الزهري رحمه الله يعيش في قصر هشام بن عبد الملك، لكنه كان قوالا بالحق، كان قوالا بالحق وهو عايش عند هشام بن عبد الملك، لكنه كان معلما. كذلك أيضا جماعة من الصحابة كانوا يدخلون على السلاطين يأمرونهم وينهونهم، مثل عطاء بن أبي رباح، مثل أيضا الحسن البصري، أحيانا كذلك غيره من أئمة الإسلام، كانوا يدخلون على السلاطين أحيانا أو على الحكام من باب النصيحة لهم، من باب النصيحة لهم، ليس لأجل دنيا ولا غير، لكن وجد هناك من بعض من كان يتفقه ويتعلم، تجد أنه اغتر بأبواب السلاطين دائما عندهم ودائما يشير إليهم أو يحسن كلامهم ويزين ما يفعلون، فهؤلاء هم تجد أنهم يقال لهم علماء السلاطين، الذي يزين للسلطان ما يفعل. أما الرجل الناصح فهو ناصح عالم، قد يدفع الله عز وجل بكلمته بنصيحته شيئا كثيرا، ينصح لهذا السلطان، إن لم يستطع ورأى أن في ذلك فتنة فيكف عن ذلك، وإن وجد نصيحة دخل ونصح، نصح في السر كما قال زيد بن ثابت: أو قصد سامة بن لؤي ما تريدونني إلا أن أسمعكم، لما رأوه دخل على مروان وعلى غيره، فقال: ما تريدون إلا أن أسمعكم، ما تريدون أحدا إلا أن يسمع الناس أنه دخل على خليفة وقال له كذا وكذا، تنتشر بين الناس، فالنصيحة في السر أفضل، من كان ناصحا للسلطان فلا ينصح على رؤوس الناس، ينصح سرا، لأن السلطان غالبا ما يحب أن يهال عند رعيته أو عند من يكون عنده من الناس، لأن كثير من الناس يعظمونه، فإذا دخل رجل أهانه فإنه قد لا يقبل النصيحة، قد لا يقبل النصيحة، لكنه ينصحه سرا، ينفرج به إن استطاع وينصح له. وهذا كان دأب العلماء قديما وحديثا. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكره الله تعالى أعلم.

شاركنا على