الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 4، ألقاها
يشرح المقطع عقيدة أهل الحديث في إثبات صفات الله تعالى من غير تشبيه أو تعطيل أو تكيف أو تحريف. يبين أنهم يثبتون الصفات كما جاءت في الكتاب والسنة على ظواهرها وفق لغة العرب.
يناقش أهمية فهم معاني الألفاظ القرآنية بشكل صحيح ويحذر من تحريف معانيها دون قرائن واضحة. يشير إلى أن الألفاظ يجب أن تُحمل على ظاهرها ما لم تكن هناك قرينة تصرفها.
يناقش شبهات الأشاعرة حول إثبات الصفات الإلهية ويرد عليها، ويشرح منهج أهل السنة في التعامل مع الآيات القرآنية. يؤكد أن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه بين الخالق والمخلوق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام المعتز بالله الصابوني رحمه الله تعالى: عقيدة أصحاب الحديث في صفات الذات والأفعال. قال: وكذلك يقولون بجميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، وردت به الأخبار الصحيحة، من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه. أن هذه الصفات كما تقدم معنا أن الصفات الثبوتية تنقسم إلى ذاتية وفعلية، فهنا ذكر رحمه الله الصفات الذاتية والفعلية ولم يميز بينها. قد ذكر القواعد أو ذكرنا القواعد في الصفات، ومن هذه القواعد أن إثبات الصفات يكون من غير نفي وهو التعطيل، ولا تمثيل وهو أن يمثل الله عز وجل بخلقه، ولا تكيف، أن لا يقول كيف الصفة، وإن كانت الصفة لها كيفية لكننا لا نعلمها، لكن لا نكيفها، لا نقول هذه الصفة كذا وكذا، فهذا لا نفعله إلا إذا جاء في الكتاب والسنة. لكن إذا جاءت الصفة فقط، فإننا نثبت الصفة كما جاءت، مثل الكلام، نثبت الكلام، الرضا، الغضب، الحب، البغض، الفرح وغيرها، فلا نمثل ولا نكيف ولا نعطل، بل نثبت معناها الذي عرف من لغة العرب. قال رحمه الله تعالى: ولا تكيف له ولا تشبيه ولا تحريف. التحريف هو ما يفعله أهل البدع، يأتون بمعاني محرفة ليست المعاني الصحيحة للصفة، فمثلا يقولون الحب معناه الثواب، البغض معناه العقاب، والفرح الثواب، والضحك الثواب وغير ذلك، أو إرادة الثواب كما تقول الأشاعرة، فكل هذا باطل لأنه ليس معانيها هكذا. بل أن نصوص الكتاب والسنة تأخذ على ظواهرها، على مقتضى لغة العرب، وأما التحريف أو صرف اللفظ عن ظاهره يحتاج إلى قرينة تدل عليه. فالأصل في لغة العرب أن اللفظ يحمل على ظاهره، إلا إذا جاءت قرينة إما في السياق أو السباق أو في قرينة جاءت في نفس اللفظ. فمثلا يقول الإنسان: رأيت أسدا على فرس، فعرفنا هنا أن الأسد أراد به إنسان شجاع، رجل شجاع، عرفنا ذلك بالسياق. لكن لو قال: رأيت أسدا، ولم يقل مثلا على فرس، ولم يقل مثلا شيء من الأمور التي هي مختصة بالإنسان، فهنا الأصل أنه رأى أسدا وهو الحيوان المفترس. فلهذا ألفاظ اللغة وكذلك القرآن تحمل على ظاهره، إلا إذا دلت قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره، وإلا كانت تحريفا. بل أحيانا تجد أنهم يفسرون بعض الكلمات أو بعض الصفات على معاني غير صحيحة وليست من معانيها، مثلا الحب يقولون هو الثواب، فالحب ليس الثواب لأن الثواب إنما هو شيء من ثمراته، من ثمرات المحبة، يمكن الثواب. كذلك يقولون البغض معنى الانتقام، والبغض في لغة العرب ليس الانتقام، لكن الانتقام من ثمراته، وهكذا. فتجدهم يأتون بمعاني محرفة، وكذلك يتصرفون في بعض الألفاظ، الصفات لها معاني كثيرة في لغة العرب، لكن الأصل أنها تأخذ على ظاهره، مثلا مثل اليد، اليد يقال أنها في لغة العرب لها أكثر من خمس وعشرين معنى، فالأصل أنها إذا جاءت تثبت على ما جاءت وهي هذه اليد المعروفة. فجعلها على معنى آخر يحتاج لقرينة، لأن هذه اليد لها خمس وعشرين معنى، كيف يصرفها الإنسان على معنى معين ما تصرف على هذا المعنى إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على هذا المعنى. مثل قول عروة بن مسعود لأبي بكر الصديق: لولا أن لك يدا عندنا، فهنا هل معنى أن له يد معنى يده عندهم؟ لا، هذا ما يمكن أن يحمل هذا، فعرفنا أنه قوله: لولا أن لك يدا عندنا، أي نعمة عندنا ومعنى جميل عندنا، فعرف بالسياق وهناك قرينة دلت. لكن هنا ليس هناك قرينة، قال الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، ذكروا اليد وقالوا أيضا مغلولة، فقال الله عز وجل: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، أنه جاء باليدين ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ دل على كما قلنا التثنية. قالت قال بعض العلم: أن التثنية تدل على الحقيقة، فقال جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فهل هنا نقول نعمته كما تقول الأشاعرة أو إرادة نعمته أو قوته؟ فلا يستطيع الإنسان أن يحرف هذا المعنى إلى معنى آخر لا يقتضيه السياق أصلا، وليست هنا قرينة تدل على أنه يصرف اللفظ عن ظاهره. أما القرينة التي جاء بها وهي أن إثبات الصفات استلزم التشبيه، فهذه قرينة مريضة، قرينة بعيدة جدا، لأن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه أبدا. فهذا التشبيه قد يكون حتى بين المخلوقات، لما تقول مثلا يد فيل ويد نملة، فهل هناك اتفاق بين اليدين؟ ليس هناك اتفاق أبدا لا في حجمها ولا في شكلها ولا في شيء من الأمور، لكن هذا تسمى يد وهذا تسمى يد. فليس هناك تشبيه بين المخلوقات لله عز وجل، المثل الأعلى سبحانه وتعالى، فكيف يكون بين الخالق والمخلوق؟ فلا شك أنه ليس هناك تشبيه أبدا، لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير سبحانه جل وعلا. فلهذا صرف اللفظ عن ظاهره تحريف، صرف اللفظ عن ظاهره تحريف لأنه ليس هناك قرينة تدل عليه. وإنما هذه الحجج التي يأتون بها أو هذه الشبهات التي يأتون بها هي أوهن من بيت العنكبوت، أوها من الزجاج كما قال الخطاب نقلا عن بعض أهل زمانه قال في شعره: حجج تهافت كالزجاج وكل كاسر مكسور، حجج تهافت كالزجاج تنكسر بسرعة. هؤلاء الأشاعرة جاءوا بشبه من هذه الشبه على التحريف وكلها باطل. وإن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق. قال: ولا تبديل أي تبديل اللفظ عن ظاهره، ولا تغيير أي تغيير المعنى واللفظ، ولا إزالة للفظ الخبر عن ما تعرفه العرب، أنا نفسره مثل ما يعرف في لغة العرب لأن القرآن عربي. وتضعيفه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر أي اللفظ. وهؤلاء المفوضة يقولون: نجري اللفظ على ظاهره، وأما المعنى لا ندري ما هو المعنى، قالوا: يجرون علمه إلى الله عز وجل. قالوا: لا إزالة اللفظ معنى لا يزيلون، قالوا: يجرونه على الظاهر. ويريد الآن أهل السنة على أنهم يجرونه على الظاهر الذي ورد في القرآن، الظاهر الذي ورد في القرآن. وهذا إن شاء الله العبارة تكررت في كلام العلم، إن شاء الله نتكلم عليها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.