الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المحور أن الإخلاص هو تجريد القصد لله وحده، وهو شرط أساسي لقبول العمل مع موافقة السنة، مستدلاً بالآية الكريمة والحديث القدسي. ويضرب المثل بالرجل الذي استشهد ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن لكنهما قصدا الرياء، فكانا أول من يُقضى عليهما يوم القيامة.
يؤكد المحور على أن الإخلاص لله شرط لقبول الأعمال، مستشهداً بآيات وأحاديث تبين أن من تعلم أو أنفق أو جاهد لغير وجه الله لا أجر له بل يكون من أول من تسعر بهم النار. ويذكر حديث جبير بن مطعم أن إخلاص العمل لله من ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن.
يشرح المحور أن الإخلاص يطهر القلب من أمراضه كالرياء والحقد، وأن الشيطان لا سبيل له على المخلصين، مبيناً أسبابه بكسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا. ويؤكد أن الصيام في رمضان فرصة عظيمة لتعلم الإخلاص لأنه عبادة سرية بين العبد وربه، وقد أضاف الله أجره إلى نفسه.
الصيام يعلم المسلم الإخلاص لله، وينبغي أن يمتد هذا الإخلاص إلى جميع العبادات كالصلاة والزكاة وقراءة القرآن والإنفاق في سبيل الله. الإخلاص هو مفتاح الفلاح في الدنيا والآخرة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فتكلمنا في الدرس الماضي عن أهمية تزكية النفس، وأن المسلم ينبغي عليه أن يعتني بتزكية نفسه، وأخذنا معنا تزكية النفس والأدلة على اهتمام الإسلام بذلك. ثم ليعلم عباد الله أن أعظم ما ينبغي أن يعتني به المرء في تزكية نفسه الإخلاص، إخلاص العمل لله عز وجل، أي تجريد قصد التقرب إلى الله عز وجل عن جميع الشوائب. هذا هو الإخلاص: أن تجرد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب. وقيل: هو إفراد الله بالقصد في الطاعات. في الطاعات. ولذلك فإن الإخلاص شرط لقبول العمل، لقبول العمل مع موافقة السنة. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فمن هنا يتبين لنا أهمية الإخلاص، وأن من لم يخلص لله عز وجل فلا تقبل أعماله. فإذا لم تقبل أعماله كيف تزكى نفسه؟ وكيف ينتفع بالأعمال الصالحة التي هي سبب لتزكية النفوس؟ إنما العمل الصالح الذي يزكي النفس هو العمل المقبول، هو العمل المقبول. فإذا رد العمل على صاحبه فإنه لا ينتفع بهذا العمل. وقد جاء أيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». تركته وشركه، أي لا يقبل الله عز وجل منه هذا العمل لأنه لم يخلص هذا العمل لله سبحانه وتعالى. بل هناك من الأعمال العظيمة، الأعمال الكبيرة، الأعمال التي هي من أعلى درجات الأعمال في الإسلام، ومع هذا إذا لم يخلص أصحابها لله عز وجل فهي حسرة وندامة عليهم يوم القيامة، بل ربما تكون سبباً في دخولهم إلى النار مع قيامهم بهذه الأعمال، والسبب في ذلك أنهم لم يخلصوا لله سبحانه وتعالى فيها. ولا يخفى علينا ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجلاً استشهد». انظروا: الجهاد في سبيل الله من ذروة سنام الإسلام، عمل جليل، عمل عظيم. فأول من يقضى عليه يوم القيامة والعياذ بالله رجل استشهد. كيف استشهد ويكون من أول من يقضى عليه؟ قال: «فأتي به يوم القيامة، يؤتى بهذا الشهيد، فعرفه نعمته، ذكره بهذه النعمة وهي نعمة الشهادة، فعرفها. فقال ربنا عز وجل لهذا الرجل: فما عملت بها؟ فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. فيقول الله عز وجل له: كذبت. يقال له: كذبت. ولكنك قاتلت لأن يقال: شجاع أو جريء». يعني قصده من هذه الشهادة هو مدح الناس وثناء الناس عليه، فلم يخلص لله عز وجل في هذه العبادة. فانظروا: صار من أول من يقضى عليه، أمر جلل وأمر عظيم. وكذلك الثاني: ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن. تعرفون فضل تعلم العلم، وأن الله عز وجل ما أمر نبيه أن يستزيد من شيء إلا من العلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ورفع الله عز وجل شأن أهل العلم العاملين به، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وفضائل كثيرة لمن تعلم العلم وعلمه، ولمن تعلم القرآن وعلمه وعمل به. فهذا الرجل تعلم العلم وقرأ القرآن، ثم يؤتى به يوم القيامة فيذكر بهذه النعمة، يعني يعرف بهذه النعمة فيعرفها، فيقال له: ماذا عملت بها؟ فيقول: يا رب، علمت فيك العلم وعلمت القرآن، أو قرأت القرآن. فيقال له: كذبت. وإنما تعلمت العلم ليقال: عالم. من أجل الثناء ومن أجل الذكر الحسن من الناس ونحو ذلك. تعلمت هذا العلم وعلمته الناس لا لله، لا مخلصاً فيه لله سبحانه وتعالى. وكذلك يؤتى برجل قد أعطي من المال الشيء الكثير، أعطي من المال، فيعرف بهذه النعمة فيعرفها، فيقال له: ماذا عملت بهذا المال؟ فيقول: يا رب، ما من طريق تنفق في سبيلك إلا أنفقت فيها. فيقال له: كذبت. وإنما فعلت ذلك ليقال: جواد، نجل. يقال: ما شاء الله، هذا رجل جواد ينفق نفقة من لا يخشى الفقر. من أجل الثناء فعل ذلك، فكان من أول من تسعر بهم النار، أو من يقضى عليهم يوم القيامة. فيدل ذلك على أهمية الإخلاص، وأن العمل الصالح لا يتزكى به صاحبه إلا إذا أخلص لله سبحانه وتعالى فيه. وقد أمرنا الله عز وجل بالإخلاص في جميع أعمالنا وفي جميع ما أمرنا به، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ إلى آخر الآية. وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾. وجاء في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزى يلتمس الأجر والذكر، يريد أجراً من الله ويريد أن يذكر عند الناس، غزى في سبيل الله، فما له؟ إيش له من الجزاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له». قال له: لا شيء له. فأعادها الرجل ثلاث مرات، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه». رواه أبو داود والنسائي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فاحذر أن تلتمس بأعمالك الصالحة الذكر والرياء والسمعة، فإن من فعل ذلك لا شيء له من الجزاء والأجر. وكذلك مما يدل على أن الإخلاص سبب لتزكية النفس، ولذهاب غشها، وذهاب كذلك أمراضها، ما جاء عند ابن ماجه وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث لا يغل - ويجوز أن يقال: لا يغل - عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله». يعني: من أخلص العمل لله لا يكون في قلبه خيانة ولا حقد ولا عداوة، ولا يكون قلبه نقياً صافياً طاهراً من أمراض القلوب. «لا يغل ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: الأول إخلاص العمل لله، والثاني المناصحة لأئمة المسلمين، والثالثة لزوم جماعتهم». لأن هذه الأعمال دليل على سلامة القلب على أئمة المسلمين وعلى جماعة المسلمين. ولذلك هذه من أسباب تنقية وتصفية القلب من الحقد والعداوة والشحنة والبغضة وغير ذلك من أمراض القلوب. فمعنى الحديث: أن هذه الثلاث تستصلح بها القلوب، تستصلح بها القلوب. فمن تخلق بها طهر قلبه وزكت نفسه من الخيانة والدغل والشر. ولا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص. أهل الإخلاص لا سبيل للشيطان عليهم، كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. المخلصين: أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم من تلاعب الشيطان ومن كيد الشيطان. وما اصطفاهم الله عز وجل إلا لإخلاصهم لله سبحانه وتعالى. فينبغي للمسلم أن يراجع إخلاصه وأن يجاهد نفسه في ذلك. فقد جاء عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه قال: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتي على نيتي». أي أنه كان يعني دائماً وهو يجاهد نفسه على الإخلاص، يجاهد نفسه على الإخلاص. فينبغي للمسلم أن يتخذ جميع الأسباب في وصوله إلى هذا الأمر العظيم، ألا وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى. ومن أسباب إخلاص العبد لله: كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة. فما هو سبب عدم الإخلاص؟ ميل الإنسان إلى أطماع وأغراض هذه الدنيا الفانية، والغفلة عن أجر الآخرة. فأنت إذا رأيت الناس: ماذا سيغنون عنك؟ هؤلاء الناس، ماذا سينفعك ثناؤهم أو مدحهم، وقد خسرت تلك الأعمال الصالحة التي تعبت فيها والتي شقيت فيها، ثم تذهب عليك هباء منثوراً؟ فاجعل القصد قصداً واحداً، ألا وهو إرادة الله والدار الآخرة بجميع أعمالك. لا تنظر إلى ما عند الناس، لا من ثناء ولا من مال ولا من منزلة ولا من مكانة، وإنما انظر إلى ما عند الله، وإلى ما أعد الله سبحانه وتعالى لعباده المخلصين. واعلم يا عبد الله أن كذلك من أسباب الإخلاص: أن تعلم أن الغافلين عن الإخلاص يرون حسناتهم يوم القيامة سيئات. هل ترضى أن ترى حسناتك يوم القيامة سيئات؟ وهم المقصودون في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. كسبوا، عملوا الأعمال، لكن بدت لهم سيئات. لماذا؟ لأنهم لم يخلصوا فيها لله سبحانه وتعالى. وكذلك الغافلون عن الإخلاص هم المقصودون بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. المرائي وعدم المخلص لله عز وجل يرى صلاته، صدقه، أو حسنه، أو أجره، ويرى صدقته أجراً، ويرى إحسانه أجراً، لكن لم يخلص فيه لله عز وجل، فيظل سعيه يوم القيامة بأن لا يجد ثوابه ولا أجره. لأن الرياء وعدم الإخلاص في الأعمال سبب لحبوطها، سبب لحبوطها. فكل ذلك عباد الله يدعونا إلى أن نراجع أنفسنا في هذا الباب العظيم، ألا وهو باب الإخلاص. ورمضان فرصة عظيمة لأن نتعلم هذا الأمر العظيم. فإن الصيام عبادة خفية بين العبد وربه، فأعظم ما يتعلم منها المرء الإخلاص لله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فأنت تصوم من أجل الله عز وجل، من أجلي، أن تنال أجر الصائمين الذين قال الله عز وجل فيهم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». فأضاف أجر الصائمين إلى نفسه، ولم يحده بعدد أو بقدر، ليدل ذلك على عظم الجزاء والثواب. فالصيام مدرسة عظيمة لأن نتعلم فيه الإخلاص لله عز وجل، فيكون هذا الإخلاص في سائر أحوالنا وفي سائر عباداتنا من صلاة وزكاة وقراءة للقرآن ونفقة في سبيل الله عز وجل. فالإخلاص، الإخلاص عباد الله، تفلحوا في الدنيا والآخرة. أكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.