الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 280، ألقاها
دارت غزوة مؤتة بين المسلمين والروم ونصارى العرب، وقتل فيها عدد كبير من الصحابة. كانت هذه الغزوة من أعظم الغزوات في تاريخ العرب.
تم تفسير أحداث غزوة مؤتة واستنباط الدروس والعبر منها، مثل جواز النعي وفضيلة بعض الصحابة. كما تم شرح الآية القرآنية المتعلقة بالقتال والتولي عن الأعداء.
تناول المقطع مسألة نعي الموتى وجواز إخبار الناس بموتهم، واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في نعي النجاشي. كما تطرق إلى مسألة شهادة الشهداء وآراء العلماء في ذلك.
أشير إلى إمكانية الرجوع إلى مصادر أخرى مثل كتاب الوفاء لابن الجوزي لمعرفة المزيد عن الفوائد المرتبطة بالغزوة. تم الاكتفاء بما تم ذكره حتى الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكرنا في الدرس الذي مضى حديث قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه في قصة جيش الأمراء وغزوة مؤتة أو وقعة مؤتة التي قتل فيها جمع من الصحابة رضي الله عنهم واستشهدوا فيها. فهذه الغزوة، كما قلنا على قول جمهور أهل السيرة، أنها في جمادى الأولى في سنة ثمان، قبل غزوة الفتح، قبل الفتح فتح مكة بأربعة أشهر. وفي هذه البعثة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الصحابة، ثلاثة آلاف رجل من الصحابة، إلى الروم. وهو ذكر بعضها العلم أن لهذه الغزوة سببا، إلا أن الأسباب التي ذكرت لم تأت بأسانيد صحيحة. ومن ذلك أنه قيل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل عبد الله بن عميرة إلى هرقل فقتله، فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك وأرسل هذا الجيش إلى الروم. فذكر بعضهم، أي بعض أهل السير، أن سبب هذه الغزوة أن ملك الروم لما سمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هم أن يغزو، قال: سنقتلهم في قعر دارهم. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجيش حتى يفاجئهم في الشام. لكن هذه، كما قلنا، ليست لها أسانيد صحيحة. ومن أهل العلم من يقول إن سبب هذه الغزوة هو أراد النبي صلى الله عليه وسلم كالمناورة، يرسلها إلى الشام، فينظر إلى أولئك أهل الشام والروم الذين أعرضوا عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مع أن هرقل كان يعلم أن هذا رسول حق. وقد ذكر الإمام البخاري تلك القصة التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنه أنهما عن أبي سفيان في إرسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسالة إلى هرقل، وما حصل منهم بعد أن بين أن هذا هو نبي وذكر صفات لأبي سفيان ما تكون إلا في نبي. ثم لما أراد أن يؤمن بذلك وحجز أهل مملكته، فلما رآهم أن حازوا عنه كحيزة الحمر وانصرفوا إلى الأبواب فرأوها مغلقة، ثم أرجعهم وقال: إنما أردت أن أختبر دينكم أو شدتكم لدينكم. فهذا الذي فعله فقد يكون أراد صحيحا أنه يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم لما رأى أن الناس عرضوه أعرض، وقدم الرئاسة والجاه على الدين. وممكن أنه فعلها حيلة، لكن ظاهر الحديث أو ظاهر هذا الكلام يدل على أنه أراد أن يؤمن، لكن لما رأى قومه أعرض فإنه لم يستطع أن يعلن إسلامه، بل فعل تلك الحيلة، ولم أيضا لأجل أن لا يخرج من ملكه ولأجل أن لا يقتله أصحابه، ففعل وعرض عن دين الله. فلهذا كانت هذه المناورة هي بعد الحديبية، كانت في الحديبية لما كان النبي صلى الله عليه وعليه وسلم قد صالح قريش، وهذا في السنة السادسة، ويقال في السنة الخامسة، والظاهر أنها كما قال بعض أهل السير أنها في آخر السنة الخامسة أو أنها في بداية السنة السادسة. ومن ثم حصلت بعد ذلك خيبر، وأرسل النبي صلى الله عليه جيش الأمراء في السنة الثامنة، وهذا بعد إعراض قيصر أو هرقل ملك الروم، فأرسل له النبي صلى الله عليه وآله هذا الجيش. لكن لكثرة الروم فقد تصدوا لهذا الجيش بجيش كبير جدا، حتى أن الصحابة رضي الله عنهم تفاجأوا من هذا الجيش الكبير. لكنهم لشدة إيمانهم وأيضا لبيعهم لأنفسهم لله عز وجل، فإنهم لم يتراجعوا وقدموا على قتال هؤلاء الروم، وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة، وقتل أناس كثير من الصحابة رضي الله عنهم. وهذه الغزوة مما يسطر في تاريخ العرب أنها من أعظم الغزوات، لأن الروم ما كان أحد يجرؤ خاصة من العرب أن يلتقي بهم. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الجيش، والصحيح من أقوال أن الذي قابل وحارب أهل الإسلام هم نصارى العرب، وكذلك معهم جيوش أرسلها هرقل، لأن بعض أهل السير يقول إنما الذين قاتلوهم هم نصارى العرب كبني تغلب وغيرهم من هؤلاء الذين كانوا تنصروا، لأنهم كانوا قرب الشام، والغساسنة أيضا أتباع النصارى، فهم الذين قاتلوا هذا الجيش. ومنهم من أهل العلم، كما جزم ابن إسحاق وغيره، على أنه أيضا أرسل هرقل جيوشا فوقهم، لأن العدد كان كبيرا، ولو كان العرب وحدهم لما كان ذلك العدد الذي قابل الصحابة رضي الله عنهم. ثم أن هذه الحادثة أيضا فيها قول الله، معنى مصداق قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾. ومن يولهم يوم إذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله. فالذي فعله خالد رضي الله عنه، خالد بن الوليد سيف الله رضي الله عنه، من انحياز أهل الإسلام عن مقابلة المشركين ليس هو من الفرار وليس هو من تولي الأدبار، وإنما هو من خبرة الحرب، وكذلك من قول الله عز وجل: ﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يوم إذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾. وهذا من التحريف للقتال، ومن الحكمة للقتال، لأن جيش المسلمين قليل وأولئك كثير، مع أن المقتل فيهم كثيرة، إلا أنهم بسبب كثرتهم قد يغلِبوا، قد ينهزم جيش الإسلام، فلهذا انحاز بهم انحيازا تكتيكيا حتى خرج من عندهم. واستغرب كثير من العلماء من أهل السير لماذا لم يتبع أو يتبع أولئك الروم المسلمين حتى يقتلوهم؟ إما أنهم لشدة الخوف والرعب الذي حصل لهم من المسلمين من كثرة ما قتل منهم، فكأنهم استراحوا من ذلك وأرادوا أن تنفصل هذه الحرب، فلم يتبعوا أهل الإسلام. وقال بعضهم: لعلهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مد بأمداد إليهم، فظنوا أنهم ما دام هذا العدد القليل من المسلمين لم يستطيعوا أن يهزموهم، فكيف إذا جاءهم مدد؟ فأيضا هذا، قالوا: إنه سبب. وهذا وهذا إنما استنباطات، ليس هناك شيء يدل على شيء من هذا. لكن الأمر غريب أنهم لم يتبعوا المسلمين، على ما حاز خالد بالجيش، فلم يتبعهم أهل الشرك وهؤلاء الروم من النصارى لم يتبعوهم. فلو كانوا هم الغالبين لاتبعوهم، لكن كما قلنا لعل الخوف زعزع قلوبهم أو لأسباب أخرى كما ذكرها بعض أهل السير. وأيضا أخذ من هذا الحديث فضيلة هؤلاء الثلاثة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم: زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، وتأميرهم له في هذه الغزوة عظيمة. وكذلك أيضا تقديم زيد، كما ذكرنا قبل، أن ذكر بعض السلف أن زيدا ما حضر غزوة أو سرية إلا أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها. وأيضا هذه الغزوة انتدب لها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وبقي من الصحابة من هو أفضل من هؤلاء، كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان وغيرهم، لم يذهبوا إلى مؤتة. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلبهم لذلك، أو أنه أخرهم لأجل شيء، وهذا لعله حكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا في هذا الحديث أخذ العلماء في جواز مسألة النعي، النعي وهو الإخبار بموت الميت. فهذه المسألة حصل فيها الخلاف بين أهل العلم، هل يجوز أن ينعى الميت، يخبر بموته، مع الناس وأهل الإسلام مثلا والمسلمين الذين سيصلون عليه، أو لا يخبر به؟ وقد ذهب جماعة من السلف إلى ذلك، ونسب ذلك إلى حذيفة في الحديث الذي خرجه أبو داود والترمذي في نعي، لما حضرت الوفاة حذيفة، فقال: «لا تخبروا عني أحدا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أو ينهى عن النعي». لكن هذا الحديث الصحيح فيه أنه منقطع، فظهر رواه شبيب أو مهدي بن شبيب عن حذيفة ولم يسمع منه، فلهذا فهو منقطع لا يصح. وأيضا جاء عن بعض السلف أيضا أنهم نهوا أن ينعى بهم. وجاء عن السلف أيضا، عن غيرهم، جواز النعي، وإنما قالوا: إنه نهي عن نعي الجاهلية، وأنه إذا كان النهي صحيح فهو نهي عن نعي الجاهلية، الذي كان عند أهل الجاهلية إذا مات الميت خرجوا بالخيل يدورون في الأسواق وغيرهم، أن فلانا قد مات ويندبونه أو ينوحون عليه. وندب معنى يذكرون محاسنه، فهذا كان عند أهل الجاهلية من النعي. فإذا صح هذا النعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو يحمل على هذا. لماذا؟ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بموت بعض الصحابة، ومن ذلك هذا الحديث، وأخبر كذلك بالنجاشي، نعى النجاشي كما جاء في الصحيحين في اليوم الذي مات فيه نعاه عليه الصلاة والسلام، أي أخبر بموته. وكذلك أخبر بموت هؤلاء الثلاثة: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة. ففيه كما قلنا جواز النعي لمن سيصلي عليهم أو سيصلي على هؤلاء الموتى، أو أنه يخبر بموتهم لأجل يترحم عليهم ويستغفر لهم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر واحدا من هؤلاء قال: «استغفر له، استغفر له». ففيه أن النعي للموتى لأجل أن يستغفر لهم أهل الإسلام، وإن هذا نفع لهم. فلهذا ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز نعي الموتى، وخاصة عند المسلمين، وليس كما يفعلها الجاهلية يدار بالأسواق ويندب وكذا، وإنما فقط يخبر بموته. وإن كان مثلا من له فضائل مثلا وذكرت شيء من فضائله لا بأس، ولكن ليس من باب النوح ومن باب اكثار الحزن ويجعل ذلك مأتما، فهذا خطأ. وهذه المسألة الآن التي هي موجودة في المساجد مثلا يخبرون عن موت الميت في المسجد، فبعض أهل العلم أجازها لهذا الخبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، تكلم بموت هؤلاء عندما مات، معناه أنه كان في المسجد. فقال: يجوز أن يخبر بموت الميت ولو كان في المسجد، لكن جعل ذلك عادة هذا الذي فيه شيء في النفس، معناه يجعل هذا عادة في كل ميت، وتجد أن إخبارهم بهذا الميت قد يكون قد أخبر الناس بذلك قد أخبر الناس بذلك للمسافة التي بين موته وبين قبره. لكن من كان مثلا سيدفن بسرعة، وقد لا يبلغ الخبر إلى من سيصلي عليه، فلا بأس أيضا أن ينعى. ومن نعى على اعتبار أنه يجوز النعي لهذا الحديث ولنعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي، فإن شاء الله وتعالى لا بأس بذلك. وقد جاء أيضا ذكر الإمام ابن عبد البر عن عروة بن الزبير أنه ذكره في التمهيد أن أبا هريرة جاء إلى المسجد مسجد المدينة، وقال وأخبر الناس أن إخوانا لهم قد ماتوا، فقوموا وصلوا عليهم. أن نعى هؤلاء الصحابة في المسجد، أو هؤلاء الذين ماتوا. أيضا من فوائد هذا الحديث أيضا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد على هؤلاء بالشهادة، شهد على هؤلاء بالشهادة. وفيه دليل للجمهور أنه لا يشهد لأحد بالشهادة إلا لمن شهد له الكتاب والسنة، فمن شهد لهما الكتاب والسنة بالشهادة يشهد لهما. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أيضا زيادة على قول الجمهور، أنه من أثنى عليه خيرا أثنى عليه المسلمون خيرا، فلا بأس أن يشهد له بالشهادة، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنتم شهداء الله في الأرض». وأيضا لا ينبغي أن يشهد لشخص مثلا يقال له شهيد، لأن الله عز وجل أعلم بمن يقاتل في سبيله. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل في سبيل الله والله أعلم بمن يقاتل في سبيله». وجاء أيضا كذلك في حديث الرجل الذي قتل نفسه وتحامل عن نفسه بعد أن قاتل مع المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو من أهل النار»، مع أنه كان يقاتل مع المسلمين. فلهذا باب عليه الإمام البخاري باب لا يقال فلان شهيد، لا يقال فلان شهيد، أي لا يعين الشهيد إلا لمن شهد له الكتاب والسنة. وهذا مما يؤيد كلام الجمهور. وأما شيخ الإسلام فقد استنبط من الحديث التي جاءت عن عمر وغيره أنه يجوز أن يشهد له بالجنة، وكذلك بالشهادة إذا كان أثنى الناس عليه خيرا. لكن كما قلنا هذا الحديث أو هذه الأحاديث ترد هذا، هو الأفضل أن يقتصر على من شهد له الكتاب والسنة. الآن تجد كلمة الشهادة أصبحت رخيصة، كل من مات قالوا: شهيد. ومنهم من يقول: شهيد الواجب، وشهيد كذا. فهم إن كانوا اصطلاحا اصطلحوا ما في شيء، أما شهيد من شهداء الله عز وجل الذين قتلوا في سبيل الله، فهذا لا يجوز أن تعطى لأي أحد، وإنما من قتل في سبيل الله أو مات في سبيل الله أو على حكم الشهيد كما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المطعون والهدم والحريق والمبطون، فهؤلاء شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أيضا بأنهم شهداء. وهذا شهادتهم شهادة حكمية، فحكمهم حكم الشهداء، لكنهم ليسوا شهداء المعرك. فكما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بالشهادة. وأيضا فيه مسألة هنا استدل بها الشيخ الألباني، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاستغفروا له». فقال الشيخ رحمه الله: يجوز للإنسان إذا ذكر ميتا ونعاه أن يقول استغفر له، يقول استغفروا له، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو سنة. وفي هذا الحديث أيضا فوائد عظيمة ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه كتاب زاد المعاد، ذكر بعض الفوائد. فإن شاء الله تعالى يرجع إليه، وكذلك في الوفاء لابن الجوزي وغيرهم من ذكر بعض الفوائد في هذه الغزوة. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.