الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 283، ألقاها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الجنازة المدعو إليها فإن أثني عليها خيرا صلى عليها وإلا لم يصل عليها، وهذا يدل على أن الثناء على الميت يؤثر في قرار الصلاة عليه.
يفرق بين من أظهر نفاقه ومن لم يظهره، فالذي لم يظهر نفاقه يصلى عليه كمسلم، بينما الذي أظهر نفاقه أو كفره لا يصلى عليه، وترك الصلاة على بعض الناس للزجر وليس لعدم جوازها.
من يذم النبي أو دين الله أو القرآن يعتبر كافرا، ومن يتعرض لذلك أو يعرض بالذم يعتبر منافقا إذا كان التعريض صريحا، بينما من كانت عليه علامات النفاق دون إظهار الكفر فلا يحكم عليه بالنفاق.
ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على بعض الموتى كان زجرا لهم وليس لعدم جواز الصلاة عليهم، وكان يسدد من بيت مال المسلمين لمن يستحق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل ابن هاد الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله، وهو إمام أهل السنة أحمد بن محمد الشيبانى رحمه الله، ألف «المسند» فيه أحد أكثر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إمام للمسلمين كما قال رحمه الله تعالى، أي كتابه. وكان حافظا كبيرا، عالما بعلم الحديث والفقه وأيام الناس وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قد فاق رحمه الله أقرانه فقها وعلما. قال حدثنا يعقوب، ويعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. ويعقوب بن إبراهيم بن سعد من أئمة المدينة ومن علماء الحديث في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخذ عنه جماعة من أهل الحديث، إلا أنه مما اختص به أنه كان يروي سيرة عن ابن إسحاق، وكذلك عن الزهري، أو رواها عن الزهري وعن ابن إسحاق. وأما روايته عن الزهري للسيرة فقد حدث بها، فقد حدث بها ابنيه يعقوب وسعد. وأما سعد فمات وهو شاب، وبقي يعقوب، فأخذ منه العلماء، فلهذا ذكر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله أنهم لما جاءوا إلى يعقوب وجدوا عنده «مغازي الزهري»، ولم تكن موجودة عند أحد، فلهذا اجتمع الناس عليه بكل مكان، آتون إلى المدينة لأجل سماع «مغازي الزهري». الإمام الزهري له مغازي، معنا الكلام في السيرة في المغازي. وكانت هذه المغازي عند إبراهيم بن سعد، وكانت عند يعقوب، فأخذها العلماء منه. قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا يعقوب، وهو يعقوب كما قلنا ابن إبراهيم بن سعد، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. قال حدثنا أبي، وهو إبراهيم بن سعد، قال عن أبيه، وهو سعد بن إبراهيم، من علماء المدينة. وسعد بن إبراهيم كان أيضا من أهل العلم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حدثني عبد الله بن أبي قتادة، وهو من ثقات وعلماء المدينة. فهذا الإسناد يعتبر إسناد مدني. قال عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خير قام فصل عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: «شأنكم بها»، ولم يصل عليها. قال حدثنا أبو النضر، وهو هاشم بن القاسم أبو النضر، هاشم بن القاسم الملقب بقيسر، أبو النضر هاشم بن القاسم البصري. قال حدثنا إبراهيم بن سعد، قال حدثني أبي عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، فذكر نحوه. قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث صحيح، والحديث أخرجه عبد بن حميد في «المنتخب». فهذا الحديث فيه هذه المسألة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه كان إذا دعي لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خير قام فصل عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: «شأنكم بها»، ولم يصل عليها. فترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة على بعض الناس، وهذا معنى ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة على بعض الناس، ليس أن الصلاة عليهم لا تجوز، وإنما فقط للزجر، لزجر غيره أن لا يقتدي بمثل هؤلاء. فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أثني على الرجل خيرا صلى عليه، وإذا أثني عليه شرا لم يصل عليه، من باب الزجر، وليس أنه لا يصلي عليه، إلا إذا كان منافقا، فقد نهى الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصلي على المنافقين. ولما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول، نزل قول الله جل وعلا: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن هؤلاء، إن أثني عليه خيرا صلى، وإن لم يثن عليه خيرا فإنه لا يصلي عليه، خشية أن يكون من المنافقين، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه الله عز وجل أنه من المنافقين. فلهذا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه، ويقول: «شأنكم به». وقد اتفق الفقهاء والعلماء على أن المنافق الذي لا يظهر نفاقه، الذي لم يظهر نفاقه، فإنه يعامل معاملة المسلمين في أمور الدنيا، وكذلك الصلاة بالنسبة للصلاة عليه، أنه يعتبر من أهل القبلة الذي لم يظهر نفاقه. فإذا ظهر نفاقه، سماه الفقهاء زنديقا، يسمونه زنديقا. وهو مرتد، إذا أظهر نفاقه. كيف يظهر نفاقه؟ يأتي يصرح بكلام كفر، إما استهزاء بالقرآن، وإما استهزاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو يتنقص الدين، يتنقص القرآن، يتنقص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو يتنقص رب العزة سبحانه وتعالى، وكل ذلك إظهار لنفاق، إظهار لنفاق. حتى التعرض لشيء من هذه الأمور، معناه من ناحية الذم لشيء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لدين الله، أو للقرآن، يعتبر أيضا زنديقا، وهذا يحصل كثيرا. وشيخنا مقبل رحمه الله كان دائما يذكر قصة الأستاذ والد الشيخ العلامة أحمد شاكر، محمد أحمد شاكر. فكان في زمن جمال عبد الناصر، أو السادات، أو غيره، فدخل هذا الحاكم لصلاة الجمعة، وكان هذا الرجل يخطب، فأثنى عليه، أثنى على هذا الحاكم حاكم مصر، فقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَلَم يَتَوَلَّ عَنْهُ﴾، قالوا: قد جاءه الأعمى وما عبس وما تولى، يعرض بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. فلما صلوا الجمعة، قام هذا الشيخ محمد شاكر، قال: يا أيها الناس أعيدوا صلاة الجمعة، فإن إمامكم قد كفر بتعريضه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا كلام صحيح، لأنه تعرض، أو عرض بالذم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا إظهار للنفاق، يسميه العلماء زنديقا. فلهذا من صرح بعيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بعيب دين الله، أو بالقرآن، فإنه يعتبر كافرا. ومن تعرض لذلك، أو عرض لذلك، وكان التعريض صريحا، فهذا يعتبر قد أظهر نفاقه. وأما إن كان لم يظهر شيء من ذلك، وإنما فقط بعض الأشياء التي قد تنتقد عليه، من مثلا عدم محبة المؤمنين، أو عدم انسجامه معهم، وأيضا قد يكون أكثر حديثه وراحته مع الكفار، فهذا لا يجعل أنه كافرا. مثل هذا لا يقال أنه منافق، لأنه ليس هذا إظهارا للكفر، لكن قد تكون علامات، قد تكون علامات، لكن لا ينبغي أن يحكم على الشخص أنه منافق، إلا إذا أظهر ذلك النفاق. فلهذا قال العلماء: أن المنافقين يعاملون معاملة المسلمين في الصلاة عليهم وغيرهم. لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أطلعه الله عز وجل على كثير من المنافقين، وكان لا يصلي عليهم. وقد يكون هذا من هذا الباب، وقد يكون أيضا كما قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يترك الصلاة عليهم زجرا، كما كان يترك كما تقدم في الحديث الذي قبل، أنه كان يترك الصلاة على بعض من كان عليه دينا. يترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على من كان عليه دينا في بداية الأمر، ثم إنه عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة، لما وسع الله عز وجل عليه، فكان يقول: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا فعلي». فأتبين من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك الصلاة على هؤلاء زجرا، لما فتح الله عز وجل عليه على أهل الإسلام، فكان يسدد من بيت مال المسلمين. فهذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.