الصحيح المسند من أسباب النزول  31

الصحيح المسند من أسباب النزول 31

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

بداية القصة: اعتزال النبي ﷺ نساءه وإشاعة الطلاق

يتناول المحور سبب نزول آية الرد إلى الرسول وأولي الأمر، مستعرضاً قصة اعتزال النبي ﷺ نساءه وانتشار إشاعة الطلاق، وتحري عمر بن الخطاب رضي الله عنه للخبر من خلال دخوله على عائشة وحفصة للنصيحة والتثبت. ويصف المقطع تفصيلاً حال مشربة النبي ﷺ ومجلسه في تلك الفترة.

زيارة عمر للنبي ﷺ: مشاهدة الزهد والتواضع

يسرد المحور دخول عمر بن الخطاب على النبي ﷺ ورؤيته للحصير الذي أثر في جنبه، وخزائنه التي لا تحوي إلا قبضة شعير وقرضاً وإهاباً، فبكى عمر لمقارنتها بنعيم كسرى وقيصر. فقال له النبي ﷺ: «ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» فاستحسن عمر ذلك ورضي.

تحري عمر المباشر ونزول آية التخيير وآية الرد

يستكمل المحور قصة تحري عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبر الطلاق مباشرة من النبي ﷺ، مما أدى إلى نزول آية التخيير وآية الرد إلى الرسول وأولي الأمر، مؤكداً موافقة عمر للحق. ويبرز النص فضيلة طلب العلم والتضحية بالدنيا، وأهمية التثبت من الأخبار وردها إلى أهل الاختصاص.

العبرة الفقهية: وجوب رد الأمور إلى العلماء عند الفتن

يختم المحور ببيان أهمية الرجوع إلى العلماء الراسخين عند نزول الفتن والشائعات بدلاً من إذاعتها، مستدلاً بالآية الكريمة وقصة عمر بن الخطاب. ويبين أن ذلك عصمة من الضلال واتباع الشيطان، مع ذكر فوائد الحديث في التثبت، وعدم المجاملة في الدين، والزهد في الدنيا، ومواساة المؤمنين، وفضل عمر رضي الله عنه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد. طيب، قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثني سهير بن حرب، قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك، عن أبي زميل -بضم الزاي- عن أبي زميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك في التخيير الذي جاء في سورة ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ سورة التحريم، فاعتزل النبي عليه الصلاة والسلام نساءه لما وقع منهن. فعائشة رضي الله تعالى عنها وحفصة في جهة، وبقية أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في جهة أخرى، وما وقع بين الضرائر ونحو ذلك. فاعتزل النبي عليه الصلاة والسلام نساءه، ولم يطلق أبداً كما سيأتي في هذا الحديث. فقال عمر: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: أي عمر، دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى. ومعنى "ينكتون" في رواية: "ينكتون بالأرض"، والمعنى متقارب، فالحصى في الأرض. ومعنى "ينكتون": أن يضربون الأرض، يضربون الأرض بأيديهم كفعل المهموم المفكر. إذ كيف نبي هذه الأمة يطلق نساء على حسب ما وصلت إليهم من شائعة؟ فأشيع أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساء، ولعل الذي أشاع ذلك هم المنافقون أعداء الله ورسوله. فدخل عمر المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى أو بالأرض، يعني يضربون الأرض أو الحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. في بعض النسخ: "بعد الراوية يؤمرون"، وهذا خطأ. هل أحد عنده ذلك: "يؤمرن بعد الراوية مباشرة"؟ صح؟ لا يوجد واو. أنا عندي في النسخة زيادة واو، ما أدري هل أحد عنده مثل هذه النسخة؟ يصوم إن شاء الله. قال: قبل أن يؤمرن بالحجاب، يعني قبل أن ينزل الأمر بالحجاب. وتعلمون أن الحجاب تأخر حكمه ونزل متأخراً. وقال هذه العبارة لأنه دخل على عائشة، وعائشة ليست محرمًا لعمر، فقدم هذا حتى لا يظن أن عمر دخل على عائشة غاضباً فوقع في هذا المحظور، وهو الدخول على النساء. وإنما دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها وذلك قبل أن يؤمر النساء بالحجاب، فلذلك قدم ذلك وقال: وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. يعني أن عمر لم يصدق ما قاله الناس، وهذا فيه التثبت عند الشائعة. إذا أشيعت شائعة أن فلان طلق، أو أن فلان فعل كذا، أو أن ولي الأمر قال كذا، أو أن الجهة الفلانية فعلت كذا، لا تصدق بمجرد سماع هذا الكلام، بل لا بد من التثبت والتأني. فعمر رضي الله تعالى عنه لما سمع ذلك من عامة الناس قال: لأعلمن ذلك اليوم، يعني لأتثبت وأتتبع هذا الأمر، أهو حق وصدق أو أنه باطل وكذب. هذا هو المعنى. قال: لأعلمن ذلك اليوم. قال عمر: فدخلت على عائشة، فما قدم أن ذلك كان قبل الحجاب، كان ذلك قبل الحجاب. قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا ابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وانتبه هنا: ما قال لها "طلقك رسول الله"، إنما المعلوم أن نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أغضبن رسول الله، هذا هو المعلوم والثابت. فهنا قدم نصيحة لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا ابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله؟ فقالت عائشة: ما لي وما لك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك. يعني قالت له: أما جئت إلا عندي؟ عليك بعيبتك. وتريد بهذا أن عمر الأولى أن يعظ ابنته حفصة، فإنها من زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكأن عائشة تقول له: عليك بوعظ ابنتك حفصة قبل أن تأتي إلي، فهي كذلك ممن أغضب النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو المراد بقولها رضي الله تعالى عنها: يا ابن الخطاب، عليك بعيبتك. لأن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهم جميعاً، فلذلك قالت ذلك لعمر. فقال عمر: فدخلت على حفصة. انصرف من عند عائشة وذهب عند ابنته حفصة. قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك؟ يعني بلغ من جرأتك أو من خبرك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لقد علمت أن رسول الله لا يحبك، ولولا أنا يعني صاحبه وأنت ابنتي لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبكت أشد البكاء تأثراً بما قال أبوها عمر رضي الله تعالى عنهم جميعاً. وهذا من نصح عمر، ومن شدة عمر رضي الله تعالى عنه ومحبته لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلم يحابِ ولم كذلك يسكت عن خطأ وقع من أقرب أرحامه وهي ابنته حفصة رضي الله تعالى عنها. ثم قال عمر: فقلت لها: يا حفصة، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هو في مشربته. في المشربة، يقال: المشربة، ويقال: المشربة بفتح الراء وكسرها وضمها. بفتح الراء وضمها: المشربة والمشربة والمشربة والمشربة. يعني الغرفة أو الموضع الذي اعتاد النبي عليه الصلاة والسلام الجلوس فيه من بناء ونحوه. قالت: هو في خزانته، يعني غرفته في المشربة. قال: فدخلت. والمشربة والمشربة قبل الغرفة، مثل ما تقول: الفناء، فناء البيت أو الساحة التي أمام البيت أو نحو ذلك. قالت: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً، يعني خادم للنبي عليه الصلاة والسلام وبوابه، قاعداً على أسكفة المشربة. هكذا ضبطها: أسكفة بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وفتح الفاء مع تشديدها. على أسكفة المشربة. والأسكفة هي عتبة الباب السفلية، يعني الخشب الذي يكون أسفل الباب، يقال له: أسكفة. يعني هو على عتبة الباب الأسفل. قال: مدلّ رجليه على نقير من خشب. يعني يدلي رجليه على نقير من خشب، يعني جذع، ولذلك هو جذع يرقى عليه، يعني يصعد عليه مثل السلم. وهذا يدل على أن هذه الغرفة كانت مرتفعة شيئاً، فيصعب عليه الصلاة والسلام بهذا الجذع. بهذا الجذع. بهذا الجذع. وإذا قال: على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر. يرقى عليه عند الدخول وينحدر عند الخروج. قال: فناديت، أي عمر: يا رباح، وهو خادم النبي عليه صلى الله عليه وسلم وبوابه، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه أدب الاستئذان، طالما أن هناك بواب، لا ما كان يدخل أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن يستأذن. فقال عمر: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدخل إليه. فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي، فلم يقل شيئاً، يعني ما رد على عمر. قال عمر: ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي، فلم يقل شيئاً المرة الثانية. ثم رفعت صوتي في الثالثة. عمر يقول: ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أظن -والظن هنا بمعنى الظن، بمعنى الشك، ليس بمعنى العلم واليقين، وإنما بمعنى الرجحان، الرجحان الظن على العلم- قال: فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، يعني من أجل أن أدافع عنها وأن أقف في صفها. دخله هذا الظن عمر رضي الله تعالى عنه. والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها. ورفع صوتي، يعني: لست مجاملاً ولا مسانداً ولا واقفاً مع ابنتي حفصة، بل أنا ضدها وأنا منكر لها فعلها، وإنما جئت لأمر آخر. وبلغت من شدة عمر ما سمعت من قوله: والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، وهي ابنته، ولا تأخذه في الله لومة لائم، رضي الله تعالى عنه. قال: فأومأ إلي، يعني رباح أومأ إليه، يعني أشار إليه أن ارقه، يعني اصعد على هذا الجذع إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أي أن النبي عليه الصلاة والسلام أذن لعمر، فإن رباح ما سيومئ إلى عمر إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عمر: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على حصير، والحصير هو ما يفرش على الأرض من سعف النخيل، من سعف النخيل، وهذا يوجد إلى الآن في بعض البوادي بل وفي بعض البيوت القديمة ونحو ذلك. قال: فجلست، قال: وهم متكئ على حصير، فجلست، ويش بعده عندهم؟ ها، فأدنى، فأدنى عليه إزاره. يعني كأن إزاره، والإزار هو ما يربط في الأسفل من موضع المئزر، ما يشد عليه، ومثل ما نقول اليوم بالفوطة ونحو ذلك. وكأن إزاره كان مكشوفاً شيئاً، فأدنى عليه هذا الإزار، يعني غطى ما ظهر مما لا يحب أن يظهر. فأدنى عليه إزاره، وليس عليه غيره، يعني ما معه إلا هذا الإزار، حتى الرداء ما معه، ما معه ما يغطي به أعلاه، إنما معه إزاره، أي ما يغطي به عورته المغلظة أو ما دون إلى ما أسفل الركبة، وليس عنده غير ذلك. قال: وإذا الحصير قد أثر في جنبه، لأنه كان متكئاً على هذا الحصير، فأثر الحصير على جنبه، صارت هناك علامات من أثر الاتكاء على هذا الحصير، لأن هذا الحصير ليس مثل هذا الفرش، وليس من حرير، وليس من قطن، وليس كذلك من يعني شيء لا يؤثر على الجسد، لا، بل من هذا الفرش، من الحصير، وعرفنا ما هو الحصير، فأثر ذلك في جنبه عليه الصلاة والسلام. قال عمر: فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الموضع الذي يجمع فيه الطعام والأكل ونحو ذلك، ويدخر فيه ما يحتاجه أهل البيت في معاشهم. فعمر نظر في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، يعني ما معه إلا شعير، وهذا الشعير قليل مثل الصاع، والصاع هو أربعة أمداد، وقدر به ثلاثة كيلو أو نحوها فقط، هذا الذي معه مدخر عليه الصلاة والسلام. ما معه جوني أربعين كيلو، ولا عشر كيلو، ولا عشرين كيلو، معه قبضة نحو الصاع، أذل نحو الصاع، ربما تكون أقل من الصاع، عليه الصلاة والسلام. قال: ومثلها قرضاً في ناحية الغرفة، وهو الشجر المعلوم الذي يدبغ به، تدبغ به الجلود. وإذا إهاب معلق، إهاب بفتح الهمزة وكسر الهاء، إهاب، وهو الجلد الذي لم يتم دباغه، لم يدبغ بعد، فلا يزال رطباً، يقال له: إهاب. فما في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبضة من شعير، ومثلها من القرض، وإهاب معلق، أي جلد لم يدبغ معلق. قال عمر: فابتدرت عيناي. ما معنى "ابتدرت"؟ يعني خرجت منها الدموع، ابتدرت الدموع، خرجت من عينه بكى رضي الله تعالى عنه للحال الذي شاهدها في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر، وقد رآه يبكي: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ لماذا تبكي؟ فقال: قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. أشفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكى على الحال التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلة ذات اليد، ومن تواضع بيته وقلة أثاثه عليه الصلاة والسلام. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وما لي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، يعني فيها شيء يسير، وذاك وذاك قيصر وذاك كسرى في الثمار والأنهار. هؤلاء كانوا ملوك ذلك الزمان، ملوك الفرس والروم، كانوا في نعيم الدنيا في ثمار وأنهار وأبها ونحو ذلك، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وهذه خزانتك. هذا الذي أثر على عمر رضي الله تعالى عنه. فماذا أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عليه الصلاة والسلام: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ ينبغي لمن يرجو الله والدار الآخرة أن تكون عبارته إذا كان قليل ذات اليد لطلبه للعلم وتفرغه لتربية نفسه ولنفع نفسه ومجتمعه، وذلك بالتفرغ لطلب العلم، أن تكون هذه عبارته إذا رأى أهل الدنيا في دنياهم وفي ملذاتهم، فيصبر ويقول لهذه النفس: أما ترضين أن تكون لك الآخرة ولهم الدنيا؟ هكذا النبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى. فإذا هذه الحالة التي اختارها ربنا عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، فليس عيب أن تفوت طالب العلم، أن تفوت طالب العلم شيء من هذه، أن يفوت طالب العلم شيء من هذه الدنيا ومن حطامها وزخرفها، ليس بعيب وليس بمذمة. فهذه كانت حالة رسول الله، وحالة الصحابة، وحالة الأئمة والعلماء، منهم من باع بيته، ومنهم من باع كتبه، ومنهم من يطوي الحجارة على بطنه ويربطها على بطنه كما جاء عن أبي هريرة، وكما قال أحد العلماء، ولعله شعبة رضي الله تعالى عنه: من طلب الحديث أفلح. الذي يتفرغ لطلب العلم لا شك أنه يفوته شيء من حطام هذه الدنيا، لعله ما يكون عنده بيت، وما يستطيع أن يأكل كل يوم من ألذ وأطيب المأكلات، إنما الذي يتيسر له فيصبر. وإذا رأى أهل الدنيا في دنياهم يتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام لابن الخطاب: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قال: قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، أي كان النبي عليه الصلاة أول ما دخل عليه عمر مغضباً. فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك، وملائكته، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال: وقل ما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول. ونزلت الآية، آية التخيير، لأن عمر شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رضي الله تعالى عنه ملهم، كما جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: إن في كل أمة محدثين، يعني ملهمين، فإن يكن في أمتي فعمر، فإن يكن في أمتي فعمر. فعمر وافق قوله الحق في مواطن، وهذا معنى قوله: وقل ما تكلمت، يعني نادر ما أن أتكلم بكلام ثم أحمد الله على هذه النعمة. قال: وأحمد الله إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي. ففي الأسرى كان قول عمر أن يقتل الأسرى، فجاء القرآن مصدقاً لقوله. وهكذا في الحجاب، جاء النساء وقال: يا رسول الله، إن الفاجر والفاسق يدخل على نسائك، فلو حجبتهن، فنزلت آية الحجاب. وهكذا في هذه الآية وفي غيرها من المواضع التي وافق عمر فيها الحق. فهذا معنى قوله: إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي. فصدق قوله في هذا، وهو قوله: فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وهذا معنى قوله: ﴿ إِن تَتَوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ إلى آخر الآية، ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ﴾، بمعنى قول عمر، وهو بمعنى قول عمر رضي الله تعالى عنه. قال: وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهراني على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: لا. النبي صلى الله ما طلق، إنما أشيع ذلك ولم يطلق عليه الصلاة والسلام. فهنا تثبت عمر من النبي عليه الصلاة والسلام، والتثبت يكون من صاحب الشأن، ممن أشيع عنه. أشيع عن من؟ هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام. فتثبت عمر من صاحبه، أو ممن أشيع عنه هذه الشائعة. وهكذا ينبغي للمسلم إذا سمع شائعة أن يتثبت ممن أشيعت عنه، أو ممن يثق بصدقه وأمانته، وعنده خبر من أشيعت عنه هذه الشائعة، فلا بأس أن يتثبت منه أيضاً. فقال عمر: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: لا. قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهم؟ فرح عمر لأن هذا فيه إغاظة للمنافقين، كون النبي عليه الصلاة والسلام لم يطلق، فيه إغاظة للمنافقين، وفيه فرحاً وسروراً للمؤمنين. فقال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهم؟ قال: نعم، إن شئت. فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، يعني زال وانكشف. أول ما دخل عليه عمر كان النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه الغضب، كما جاء في أول هذا أو في ما سبق في هذا الحديث. فلا يزال عمر يكلمه ويخاطبه حتى زال ما به من غضب عليه الصلاة والسلام. وهذا وهذا معنى قوله: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، زال وانكشف الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك. ومعنى "كشر": أي أبدى أسنانه تبسماً، ويقال: كشر أسنانه، قد يكون في الغضب، وقد يكون في الفرح، لكن يختلف ذلك في الحالين، ففي حال الفرح يكون التبسم، وفي حال الغضب يكون تغير الوجه وعبوس المنظر ونحو ذلك. قال: فضحك، وكان من أحسن الناس ثغراً عليه الصلاة والسلام، إذا تبسم كان من أحسن الناس ثغراً عليه الصلاة والسلام. قال: ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم. ونزلت... أتشبث بالجذع عندكم؟ ماذا بالجذع؟ نعم، عندي خطأ، ونزل صح بالجذع. قال: ونزلت أتشبث بالجذع، لأن قلنا هناك جذع والغرفة مرتفعة، فنزل عمر وهو يمسك حتى لا يسقط بالجذع. قال: ونزل رسول الله سلم، كأنما يمشي على الأرض، ما يمسه بيده عليه الصلاة والسلام. نزل كأنه يمشي على الأرض نزولاً طبيعياً دون أن يمس الجذع بيديه خشية السقوط أبداً، وإنما نزل كأنما يمشي على الأرض، هذا يدل على قوته عليه الصلاة والسلام. قال: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض، ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين، يعني الشهر كان تسعة وعشرين. قال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين. قال: فقمت على... أو يكون ثلاثين أيضاً، لكن حكى ما قد يكون عليه الشهر، ومما أخبره به عمر. قال: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، فرحاً بهذه البشارة. طيب لحظة، نكمل إن شاء الله. فرحاً بهذه البشارة. قال: فقمت، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء. أي أبطل هذه الشائعة. ونزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. قال عمر: فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، فهو من أولي الأمر، أي من العلماء. فأولو الأمر في هذه الآية قولاً واحداً هم العلماء، هم العلماء. قال: وأنزل الله عز وجل آية التخيير، وهي المتقدمة: ﴿ إِن تَتَوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ إلى آخر الآية، بعد الآية. إن شاء الله نأخذ الفوائد المتعلقة بهذا الحديث إن شاء الله تعالى. أولاً: كما تقدم معنا في مقدمة هذا الكتاب أن من فوائد معرفة أسباب النزول فهم الآية وتفسيرها. فقوله في هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾، يعني إذا نزل أمر، لا، نزلت شائعة، نزلت فتنة تتعلق بولي الأمر أو بسياسته أو ببلده أو بمصالح الناس، أو كذلك مصلحة البلاد، ما ينبغي، ما ينبغي للمؤمن أن يذيع هذه الشائعة. فالله عز وجل أنكر على من فعل ذلك في هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾، أشاعوه. ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. فعند نزول هذه الفتن وهذه الشائعات التي تتعلق بأمن البلاد أو خوفها، أو بأمن الناس أو خوفهم، أو بدماء الناس أو أعراض الناس أو أموال الناس، فما ينبغي البلبل في ذلك وإشاعة هذا الأمر، بل الواجب أن يرد هذا الأمر إلى الرسول في حياته، إلى شخصه وذاته عليه الصلاة والسلام، كما فعل عمر، وبعد مماته إلى سنته وإلى أهل الاستنباط الذين يفهمون سنته، وهم العلماء. وهذا أصل عظيم ينبغي لأهل الإسلام أن يعتنوا به، حكاماً ومحكومين. وهو عند نزول أي مُدْلَهِمَّة أو أي فتنة يجب عليهم الرجوع إلى العلماء الراسخين، لأن الله أمر بذلك أن يرجع الجميع إلى أهل الاستنباط، ممن أفنوا أعمارهم وأفنوا حياتهم في العلم والتعليم، وفي الفتوى والتضلع من العلم النافع، ممن شابت لحاهم في السنة والتوحيد والعلم، فيرجعون إليهم، كما قال الله: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. لأن هذه الفتن حادثة، ربما لا يستطيع أي أحد أن يستدل لها من الكتاب والسنة، فتن حادثة كما هو مشاهد اليوم، فتن بين الدول، فتن بين الأحزاب، فتن في سياسات الدول، فتن في المنهج والسلوك والطريق، فتن في المناهج، مناهج الدعوات. فمن الذي يميز، يميز الحق فيها من الباطل؟ مش أي واحد طالب علم مبتدئ، ربما ما يستطيع أن يميز، يميز. لكن من الذي يميز؟ هم العلماء، أولو الأمر. ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. لو لم ترجعوا إلى هذا الأصل الأصيل لتخطفكم الشيطان. وهذا هو حال من عزف عن العلماء، من تلك الفرق الضالة، أو من تلك الحكومات البعيدة عن العلماء، تتخطفهم الشياطين كل يوم، وهم في مصيبة، وهم في فتنة، لأنهم لم يرجعوا إلى العلماء الربانيين. ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان. فضل الله عليكم ورحمته بماذا؟ بوجود العلماء بين أظهركم، وبأمر الله عز وجل لكم بالرجوع إليهم، هذا فضل من الله. ولولا وجود هؤلاء العلماء لظل الناس، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم، أو يبقى عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. إذن الرجوع إلى العلماء عصمة من الزيغ والضلال والانحراف والوقوع في هذه الفتن. هذا هو معنى الآية. والحديث فيه فوائد كثيرة، قد نبهنا على بعضها أثناء شرحنا لمعاني هذا الحديث. ومن أهمها كما تقدم: التثبت عند الشائعات. ومن فوائد كذلك هذا الحديث: أن المؤمن لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يجامل ولا يحابي في دين الله، ولو كان المخطئ أقرب الناس إليه. فهذا عمر أنكر على ابنته حفصة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وهكذا من فوائد هذا الحديث: الحالة التي اختارها ربنا عز وجل لنبيه، وهو سيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لا يملك إلا إزاراً، ولا يملك من الفرش إلا حصيراً يتكئ عليه، فيؤثر ذلك الحصير في جنبه عليه الصلاة والسلام. فالعبرة، وكذلك السعادة، ليست في الرفاهية في هذه الدنيا، لا بكثرة الأموال، ولا بكذلك القصور والدور، ولا بالسيارات، ولا بالأموال، وإنما بالتقوى والعلم والدين. وهكذا من فوائد هذا الحديث: مواساة المؤمنين بعضهم لبعض، لا سيما عند الشدائد والهموم والغموم. فانظر عمر دخل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وفي وجهه الغضب، فلا يزال يحدث النبي عليه الصلاة والسلام ويؤانس النبي عليه الصلاة والسلام حتى زال ما به من غضب، رضي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فضحك عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخوك إذا وقع في هم وغم وغضب، فواسه وكن بجانبه حتى تكون سبباً في زوال همه وغمه. وهكذا من فوائد هذا الحديث: فضل عمر، شدته في الحق، وتصديق الله عز وجل لقوله كما في هذه الآية. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن المؤمن يفرح ببراءة أخيه المسلم مما يشينه، ومما كذلك، ومما كذلك يفرح أعداءه. فعمر فرح لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يطلق نساء. وهكذا المؤمنون. أما المنافق فإنه يفرح بزلل وخطأ إخوانه، أو خطأ المؤمنين، يفرح بخطأ المؤمنين وبزلل المؤمنين ويكبرها ويعظمها. أما المؤمن فإنه يحزن إذا نيل أخوه المسلم في عرضه أو في شيء يضره. فهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، لا يتتبع عثرات أخيه، ولا يفرح بها، بل إذا سمع عن أخيه سوءاً يحزن ويبادر بالنصيحة، وإذا سمع شائعة يتثبت ويتمنى أن تكون كذباً، أن تكون كذباً. وهذا فيه فضل أيضاً لعمر، أنه من أهل الاستنباط، فلذلك قال: فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، كنت أنا استنبطت ذلك الأمر. طيب، نكتب بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم. الساعة كم تصلون؟