الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 577

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 577

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 577، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تراجم علماء الحديث وتأثيرهم

يتحدث هذا الفصل عن ترجمة بعض علماء الحديث مثل إبراهيم بن سعد الزهري ومحمد بن إسحاق بن يسار المدني وهشام بن عروة بن الزبير، ويذكر آراءهم وأقوال العلماء فيهم وفي رواياتهم للحديث النبوي. كما يشير إلى أهمية هؤلاء العلماء في نقل الحديث النبوي.

آراء العلماء في هشام بن عروة وروايته

ناقش هذا الفصل آراء العلماء حول هشام بن عروة وروايته للحديث، حيث ذكر رأي مالك وأحمد بن حنبل في مسألة إسناد هشام للأحاديث في الكوفة. كما أوضح أن كثرة طلبة العلم في الكوفة أدت إلى نشاط هشام في إسناد الأحاديث.

فضل خديجة بنت خويلد ومكانتها

يبرز هذا الفصل فضل خديجة بنت خويلد ومكانتها في الإسلام، حيث كانت أول امرأة أسلمت وأيدت النبي في دعوته، وبشرها النبي ببيت في الجنة خالي من التعب والصخب. كما يشير إلى دورها الكبير في حياة النبي كأم لأولاده عدا إبراهيم.

  • 15 جمادى الآخرة 1445هـ - 27/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا يعقوب، وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قال: حدثنا أبي، وهو إبراهيم بن سعد المدني الزهري، كما ذكرنا من أولاد عبد الرحمن بن عوف إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وكان عالمًا من علماء المدينة، وفقيهًا من فقهاء أهل المدينة. ونقل عنه أنه كان يجيز السماع والغناء، والظاهر أنه يجيزه بدون آلات موسيقى، وبعضهم يذكر أنه كان يجيز بعض الآلات. وهذا إن صح عنه -كما ذكره كثير من أهل العلم- فهو خطأ وزلة عالم، لأن الأحاديث، وكذلك تفسير الآيات، دل على عدم جواز الغناء وأنه حرام. والمراد بالغناء الذي تصحبه الموسيقى، أو يكون غناء فيه كلام باطل فاحش. وأما الغناء الذي يكون فيه كلام صحيح، كلام أيضًا جميل، فأكثر العلماء على أنه جائز إذا كان ليس مصحوبًا بآلات الموسيقى. قال: فحدثني هشام بن عروة بن الزبير، قال: عن ابن إسحاق. وابن إسحاق، ومحمد بن إسحاق بن يسار المدني، صاحب السيرة، وكان موسوعة عظيمة من موسوعات العلم، وكان الحجة في السيرة والمغازي والملاحم والتاريخ، كما ذكر الإمام الذهبي -رحمه الله- أنه هو المقدم في هذا الباب. ولهذا يقول بعض العلماء: إذا جاء الحديث، أو إذا حدث ابن إسحاق في السيرة بأسانيد صحيحة، تقبل منه. وأما إذا كان في غيرها، لا تقبل. لكن الذي مشى عليه أكثر المتأخرين أن ابن إسحاق مدلس، وإذا صرح بالتحديث قبل منه، وإذا لم يصرح لا يقبل منه؛ لأنه كثيرًا ما يدلس ويدلس عن الضعفاء. قال: عن ابن إسحاق، قال: فحدثني هشام -هشام بن عروة بن الزبير-، وهشام كان حافظًا من حفاظ الإسلام، حتى قال الإمام الذهبي: إنه شيخ الإسلام. لما تكلم فيه ابن القطان الفاسي -ابن القطان الفاسي، ابن قطال ليس ابن سعيد، ابن قطال هذا متأخر- تكلم في حفظ هشام. وهشام بن عروة أيضًا موسوعة من موسوعات الحديث، لما كان في المدينة يأتيه الناس ويحدثهم، وخاصة عن عروة، عن النبي -عليه الصلاة والسلام- عن عائشة. فكان أحيانًا يرسل بعض الأحاديث كأنه يشك فيها، أو أنه لا يريد أن يسندها، فيرسلها، إما أن يقول: عن عروة، عن النبي -عليه الصلاة والسلام- دون أن يذكر عائشة، أو يقول: عن النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة. ثم لما ذهب إلى الكوفة أسند كثيرًا منها، أسند كثيرًا من هذه الأحاديث التي كان يرسلها في المدينة. فبعض العلماء قالوا: هذا يدل على أنه كان يهم، فوهم في الكوفة، فحدثهم بأحاديث أرسلها في المدينة. وهذا كان رأي مالك، حتى إن مالك غضب لما رأى، أو لما سمع من بعض أهل الكوفة حديثًا أسنده هشام، فقال: كيف أسندها عندكم، ولم يسندها عندنا؟! أنا هنا في المدينة لم يسند هذه الأحاديث، كيف أسندها في الكوفة؟! ولما سئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن ذلك، فقال: هذا من النشاط. قال: هذا من النشاط، معنى نشط: حَمِيَ في الكوفة فأسند. ومعنى نشط: أن تنشط لكثرة طلبة العلم. كما قلنا: إن المصرين -الكوفة والبصرة- اشتهر فيهما العلم وانتشر كثيرًا، وكثر فيهما طلبة العلم. فتجد العالم لما يأتي ويرى كثرة طلبة العلم، يشتد وينشط. فهذا معنى كلام الإمام أحمد: هذا من النشاط، لما جاء إلى الكوفة وجد طلبة العلم كثيرًا جدًا، فجعل يسند لهم الأحاديث وتأكد منها، فأسند لهم. ولهذا يقال: إن أثبت الناس في هشام هو أبو أسامة محمد بن أسامة، أثبت من أهل الكوفة هشام من أهل المدينة. يعني: سيكون أثبت الناس فيه أهل المدينة. لكن ذكر أحمد وغيره أن أثبت الناس فيه هشام هو أبو أسامة حماد بن أسامة؛ لأنه لازم هشام لما جاء إلى الكوفة. فلهذا -كما قلنا- إنه نشط فأسندها، فليس هناك ما يدل على أن هشام تغير حفظه، أو ما يدل على أنه وهم في كثير من الحديث، كما ظنه ابن القطان. فلهذا أنكر الإمام الذهبي على ابن القطان -رحمه الله- عندما تكلم في هشام، أو في حفظ هشام، وقال: هشام شيخ الإسلام. لكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان. قال: فحدثني هشام بن عروة بن الزبير، عن عروة، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. أن عروة بن الزبير يروي عن عبد الله بن جعفر. وكما ذكرنا أن عبد الله بن جعفر صحابي وابن صحابي -رضي الله تعالى عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب». قال: هذا حديث حسن. فهذا الحديث فيه فضيلة لأم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله تعالى عنها-، وهي أول زوجة لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهي التي أيدت النبي -عليه الصلاة والسلام- في الوحي، وآزرته، وأيضًا شدت من أزره، وقالت: والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقرئ الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فذكرت له الصفات العظيمة فيه -صلوات الله وسلامه عليه- قبل النبوة، فاستدلت بهذه الصفات أن الله -عز وجل- لا يخزيه. ويدل هذا على أن المسلم، وأن أهل الرجل الصالح إذا كان فيه من هذه الصفات العظيمة، فربنا -جل وعلا- لا يخزله، بل يؤيده -جل وعلا- في مواقفه. فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء. فلهذا خديجة -رضي الله تعالى عنها- استدلت بهذه الأمور على أن الله -عز وجل- أراد بنبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خيرًا. وكانت هي التي أيدته وساعدته، وكانت من السابقين في الإسلام. فباتفاق أهل العلم أن أول امرأة أسلمت هي خديجة -رضي الله تعالى عنها-. بل بعض العلماء ذكر الإجماع على أنها أول من أسلم. لكن قد نقض هذا الإجماع بإجماع آخر على أن أبا بكر أول من أسلم. ومنهم من قال: علي. لكن الذي استقر عليه كلام أهل العلم أن خديجة هي أول من أسلم من النساء، وأن أبا بكر هو أول من أسلم من الرجال، وأن عليًا هو أول من أسلم من الصغار؛ لأنه أسلم وهو ابن عشر سنوات. وأن أول من أسلم من الموالي هو زيد بن حارثة، وأن أول من أسلم من العبيد هو بلال -وقيل غيره-. فخديجة -رضي الله عنها- هي التي سبقت إلى الإسلام مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. والذي اشتهر أن النبي -عليه الصلاة والسلام- تزوجها وهو ابن خمس وعشرين، وهي قد بلغت الأربعين. هذا الذي اشتهر في السيرة. وبعض أهل السير يقول: إن هذا ليس صحيحًا، وإنما تزوجها وهي لم تبلغ الثلاثين من عمرها. وأيضًا كذلك كانت هي أم أولاده، أن كل أولاد النبي -عليه الصلاة والسلام- من خديجة إلا إبراهيم. إلا إبراهيم، وهذا أيضًا من فضل هذه المرأة. وقد بشرها النبي -عليه الصلاة والسلام- بتباشير عظيمة، من سلام الله -عز وجل- لها، وسلام جبريل. وكذلك هذه البشرى أنه بشرها ببيت من قصب، أي من فضة وذهب، لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنه بيت من بيوت الجنة. فإن الجنة لا صخب فيها ولا لغط وأصوات وإزعاج، فإن هذا ليس في الجنة، بل فيها الأمن، فهم فيها آمنون. وأيضًا ليس فيها نصب، أي من التعب والمرض وغيرها من هذه الأشياء. فإذا أدخل الله -عز وجل- الناس الجنة، فإنهم لا يبأسون أبدًا، أي لا يرون شيئًا من البؤس، ومن الباء، ومن النصب، ومن غيرها مما يزعجهم، بل هم في النعيم المقيم خالدين فيها. وهذا النعيم بمعنى هذه الكلمة، بكل ما تحتويه من معاني. ومن ذلك أنه لا إزعاج له، بل يعيش هذا العبد في جنة الله -عز وجل- في نعيم عظيم، بل هي فوق ذلك. حتى إنه قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أعددت للعباد الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». فجعل هذا النعيم العظيم لأهل الجنة، وجعل النصب والتعب والحزن والهم والغم والكدر وغيرها من هذه المعاني في هذه الحياة. فمن فاز ونجح ودخل الجنة، فإنه تكون هذه الأشياء كفارات له، هذه الأحزان وهذه الغموم والهموم وغيرها مما يكون في الدنيا، تكون كفارات لما اقترفه من سيئات. ومن لم يصبر في هذه الحياة، وكفر بالله -عز وجل- وأشرك، فإنه يتضاعف عليه هذا العذاب، وهذه الهموم والغموم والنصب والتعب وغيره مما ذكره الله -عز وجل- لأهل النار. فخلاصة هذا الحديث أن فيه بشارة عظيمة، وفيه أيضًا فضيلة لهذه المرأة الصالحة والصحابية الجليلة، زوجة النبي -عليه الصلاة والسلام- خديجة بنت خويلد الأسدية، بنت خويلد بن أسد الأسدية. فهذا -إن شاء الله تعالى- ما يذكره الله تعالى.