الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع سبب نزول آية المحاربة في سورة المائدة آية 33 في قصة العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي إبل الصدقة واستاقوا الإبل، فأمر النبي ﷺ بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. ويستخلص من القصة جواز التداوي بأبوال الإبل وألبانها، ومشروعية القصاص والمثلة بالمحاربين جزاء وفاقاً، وحق الإمام في تنظيم أموال الزكاة.
يبيّن المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾، حيث حرّف اليهود حد الزنا في التوراة من الرجم إلى التحميم والجلد، فلما استحلف النبي ﷺ عالمهم أقرّ بالحكم، فأمر برجم اليهودي المحمّم وأقام حد الله. ونزلت الآيات محذرة من اتباع أهواء المحرّفين ومؤكدة وجوب الحكم بما أنزل الله.
يفصل المقطع في تحريف اليهود لحد الزنا واستبدالهم الرجم بالتحميم والجلد مجاملة للأشراف، ويوضح تفصيل أهل السنة في تكفير من يحكم بغير ما أنزل الله بين كفر أكبر وكفر دون كفر. ويستدل بحديث المرأة المخزومية على وجوب إقامة الحدود على الشريف والوضيع دون محاباة، منتقداً استبدال الأحكام الشرعية بقوانين وضعية.
يقرر الشيخ ضعف حديث ابن عباس الوارد في سبب نزول آيات الحكم بين بني قريظة وبني النضير، معللاً ذلك باضطراب رواية سماك عن عكرمة ونكارة رواية داود بن الحصين عنه، فيكون الحديث معلولاً لا يثبت به سبب النزول. ويؤكد أن صحة الإسناد الظاهري لا تستلزم صحة المتن إذا خالف الثقات أو شذ.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]. قال رحمه الله تعالى: قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، قال: أخبرنا حاء... وأم... قال: ماذا عندكم بعد حاء؟ نا أه... وأخبرنا قال حاء، وأخبرنا عمر... وأخبرنا عمر: ماذا عندكم عمر؟ عثمان بن عثمان... هذه النسخة فيها أخطاء كثيرة. قال: أخبرنا عمر بن عثمان، قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - عن أبي قلابة عن أنس بن مالك بهذا الحديث، يعني حديث العرنيين أو العرنيين. قال فيه: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافلة، فأتى بهم، أو فأتي بهم، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. قال: الحديث رجال رجال الصحيح، وأصله في صحيح البخاري من حديث قتادة، قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم. ولما لم يذكر شيخنا رواية البخاري؟ فإنما ذكر رواية أبي داود لأن رواية البخاري إنما هي بلاغ، والبلاغ ليس على شرط البخاري، بل هي من بلاغاته التي ليست على شرطه، فهي ليست متصلة، ليست متصلة، فلذلك لم يذكره شيخنا رحمه الله تعالى في أصل هذا الكتاب، إنما أشار إليه. وورد هذا الحديث في البخاري ومسلم لكن بدون ذكر سبب النزول، بدون ذكر سبب النزول، وإنما سبب النزول ذكر في حديث أنس عند أبي داود كما ذكر ذلك شيخنا رحمه الله. قال: وفيه تصريح الوليد بن مسلم بالتحديث، لأن الوليد بن مسلم مدلس، وفي رواية أبي داود التي ذكرها شيخنا رواها بالعنعنة: الوليد عن الأوزاعي، فهذا السند ضعيف، لكن الحديث له شواهد كما ذكر ذلك شيخنا في التعليق، فقال: ولكن هناك طرق كثيرة، ذكره ابن جرير في سبب النزول، تصلح للاحتجاج بها، تصلح للاحتجاج بها، فالخلاصة أن هذا الحديث ثابت لورود طرق كثيرة، وإن كان في بعضها ضعف، فوجود هذه الطرق يشد بعضها بعضاً. قال: وهذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة كما في تفسير ابن كثير. ومعنى الحديث: قول شيخنا هنا: "عن أنس بن مالك بهذا الحديث يعني حديث العرنيين"، هذا اختصار في الحديث، والحديث بتمامه عند أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن أناساً من عرينة - ولذلك جاءنا العرينيين نسبة إليهم - أن أناساً من عرينة قدموا المدينة، قدموا المدينة فاجتووها، يعني لم يناسبهم جوها، فأصيبوا بمرض، أي مرضوا، مرضوا في المدينة. قال: فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، والمرض كان في بطونهم، كان في بطونهم، فأمرهم أن يذهبوا إلى إبل الصدقة، وإبل الصدقة يعني التي تصدق بها على المسلمين، فتوضع في مكان، ويعين لها راعٍ يرعاها ويقوم بشؤونها، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى الراعي، راعي هذه الإبل، فيشربوا من الألبان وأبوال الإبل. وهذا فيه شيء من الطب النبوي، وهذا فيه شيء من الطب النبوي، وهذا ما اكتشف في هذه العلوم المعاصرة: أن ألبان وأبوال الإبل علاج لكثير من أمراض البطن وأوجاعها، هذا أمر مجرب، بل أخبرنا أن بعض الأدوية الكيماوية من الأقراص وغيرها تتكون من بعض الألبان أو أبوال الإبل، وأهل البادية هذا الأمر عندهم مشهور، وهو العلاج بألبان وأبوال الإبل، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وفيه كذلك طب من الطب النبوي، من الطب النبوي. فأمرهم أن يذهبوا إلى إبل الصدقة وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصحوا بإذن الله عز وجل، يعني ذهب ما بهم من مرض. قال: فارتدوا عن الإسلام، وفي رواية أنهم لم يأتوا مسلمين، إنما أظهروا ذلك، أظهروا ذلك، ولم يريدوا الإسلام، وهذه الرواية فيها أنهم أسلموا في أول الأمر ثم ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، ذهبوا وشربوا من هذه الألبان، ثم بعد ذلك قتلوا الراعي وأخذوا إبل الصدقة، أي سرقوها وأخذوها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم. وفي رواية أنهم قطعوا أيدي وأرجل هذا الراعي، وسملوا أعينه، ومعنى سملوا أعينه: يعني ضربوها بالحديدة حتى قلعت وأخرجت من مكانها، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم في آثارهم، يعني لما علم بذلك أرسل من يتتبع آثارهم حتى جيء بهم، فجيء بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسُمّرت أعينهم، بمعنى سُمّل، وألقاهم في الحرة، يعني في المكان الذي فيه صخور سوداء يقال لها الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يقدم الأرض بفيه، يعني يطأ الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا، ونزلت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. وهذه الآية تسمى بآية المحاربة، يعني من يحارب المسلمين بقطع الطريق وأخذ الأموال وترويع الآمنين ونحو ذلك، فحكمه في الإسلام حكم ما جاء في هذه الآية، حكم ما جاء في هذه الآية، وحملها كثير من العلماء على القُطّاع المحاربين الذين يفعلون ذلك بالمسلمين، وحملوها كذلك على أهل الردة، وبعض أهل العلم قال: إن الآية عامة، فللإمام أن يجري هذا الحكم على من أفسد في الأرض وقطع الطريق وأخاف الآمنين، ولو كان مسلماً، ولو كان مسلماً، من باب التعزير والتنكيل، نعم، وحتى لا يتساهل في هذا الأمر، حتى لا يتساهل في هذا الأمر. وهذا الحديث فيه فوائد، فمن فوائد هذا الحديث كما تقدم: فيه شيء من الطب النبوي، وقد يشكل على البعض: كيف النبي عليه الصلاة والسلام سمل أعينهم؟ وهذا ربما يكون فيه شيء من المثلة، فالجواب: أن هؤلاء لما فعلوا ذلك، فُعل بهم بمثل صنيعهم، وفعل بهم بمثل صنيعهم، والجزاء من جنس العمل، والجزاء من جنس العمل، فلذلك أجرى كثير من العلماء هذا الحكم، هذا الحكم، ولو بعد نزول النهي عن المثلة، لأن الله عز وجل قد أمر بالقصاص، فهو بمعنى ذلك، فهو بمعنى ذلك، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن ولي الأمر له أن يجعل مكاناً لجمع الصدقات والزكوات، بل ويعين من يقوم بشؤونها، ولو أن ينفق عليه من بيت مال المسلمين، بأنه يتفرغ لذلك، يتفرغ لذلك، ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الراعي على هذه الإبل، على هذه الإبل. وفي هذا الحديث أيضاً: هذا الحكم لمن فعل ذلك بالمسلمين، وحارب المسلمين بقطع الطريق والإفساد في الأرض ونحو ذلك. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 41]. قال شيخنا رحمه الله: قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي معاوية، قال يحيى: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عائشة، قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي مُحمم مجنود، فدعاهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: "أهكذا... أو فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟" قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ﴾، يقول: ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]. الحديث أخرجه أبو داود، فيه: بيهودي مُحمم مجلود عليه الوصيفة، والإمام أحمد، والبيهقي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. معنى الحديث: كما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة كان من سكان المدينة اليهود، كان من سكان المدينة اليهود، وهم قلة بالنسبة للأوس والخزرج، وكانوا أهل كتاب، لكنهم كما وصفهم ربنا عز وجل: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فهم لا يعملون بالكتاب المنزل إليهم إلا فيما وافق أهواءهم، إلا فيما وافق أهواءهم، وبعض الأمور والشرائع التي نزلت في التوراة والتي تخالف أهواءهم لا يعملون بها. ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه بيهودي مُحمم، ومعنى مُحمم: يعني بمسود وجهه بالفحم، بالفحم، يعني يجعلون عليه هذا الفحم حتى يعلم أنه زاني، وحتى يهان أمام الناس، وحتى يهان أمام الناس، فيجعلون فيه هذا السواد الأسود على وجهه ويجلدونه، مُحمم مجنود. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى منهم ذلك، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ أنتم أهل كتاب، أنتم أهل كتاب، هل في كتابكم المنزل عليكم هذا الحكم الذي أنتم الآن تفعلون؟" فقالوا: نعم. وهذا كذب منهم لأنهم أهل كذب. هذا الحديث اجتمل على عدة أوصاف من أوصاف اليهود، فمن تلك الأوصاف: التحريف، تحريف التوراة، ومن تلك الأوصاف: الكذب، الكذب. فقالوا: نعم، وهم كاذبون في ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك منهم. قال: فدعا، أي النبي عليه الصلاة والسلام، رجلاً من علمائهم، من أحبار اليهود، من علماء اليهود، وقال له: "أنشدك بالله"، يعني استحلفه بالله، "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى"، وهذا فيه تذكيره، تذكير هذا العالم بالكتاب الذي يدين الله به ويزعم أنه يتعبد لله به، وهو التوراة. فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابه؟" هذا هو حد الزاني في التوراة: أنه يُحمم إذا زنى ويجلد فقط، ولا يقتل، ولا يقتل. فقال: لا، ليس هذا صدق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده الله، فقال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، طالما أنك نشدتني صدقتك، لكن لو لم تنشدني ما سأصدقك، حتى علماؤهم اتصفوا بهذا الوصف، وهو الكذب، وهو الكذب. فقال: "لولا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك"، قال: "نجده الرجم، الذي في كتاب التوراة إنما هو الرجم، وليس هذا الحكم". قال العلماء: وفي هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن حكم الزاني عندهم في التوراة الرجم، ولذلك لم يصدق عامتهم في قولهم: نعم، فاستدعى، أو دعا، عالماً من علمائهم، من علمائهم، فصدقه هذا الحبر من أحبارهم، فقال: نجده الرجم. ثم بيّن له لماذا حرّفوا هذا الحكم، لماذا حرّفوا هذا الحكم من الرجم إلى التحميم والجلد، فقال: "ولكنه كثر في أشرافنا"، أي الزنا، "فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد"، وهذه صفة أخرى من صفات اليهود: إذا عمل الشريف منكراً يستوجب الحد في كتابهم لم يقيم عليه الحد، كما جاء في حديث نعم عائشة: كانت بنو إسرائيل إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، هكذا كان أهل الكتاب، وهذا الحديث يؤيد هذا المعنى. فهذا الحبر قال: "ولكنه كثر في أشرافنا"، أي الزنا، "فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، الكل يجتمع فيه، ويكون دون القتل، ويكون دون ماذا؟ دون القتل". قال: "فجعلنا، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم". انظروا إلى التحريف، انظروا إلى الهوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوا"، فأمر به فرجم، أو فأمر به فرجم. طيب، قد يقول قائل: هذا ليس بمسلم، يهودي، فكيف النبي عليه الصلاة والسلام أقام عليه الحد؟ قال العلماء: لأن اليهود أقاموا في المدينة بعهود ومواثيق، فكل كافر، كل كافر يسكن في بلاد المسلمين، يسكن في بلاد المسلمين، سواء كان بعهد أو ذمة أو مصالحة أو بدفع جزية أو نحو ذلك، فتلزمه، تلزمه الحدود الشرعية، فلا يجوز له في بلاد المسلمين أن يتظاهر بشرب الخمور أو بالزنا، ولو مع كافرة، لا يجوز له ذلك، لأنه في بلاد المسلمين، ودخل ليس محارباً، وإنما بعهد وذم، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقام على هذا اليهودي الحد، الحد الشرعي، وهو الرجم، وهو الرجم. فقال: "اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوا"، فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾، وهم اليهود، الآية نزلت فيهم، ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾، فالإيمان بما يزعمون الإيمان به من التوراة لا يكون إيماناً صادقاً إلا بالعمل به، بالعمل بهذا الكتاب، فهم يقولون بأفواههم: نحن نؤمن بهذا الكتاب، ولم تؤمن قلوبهم لأنهم لم يعملوا به، واضح، لأن معنى الإيمان: التصديق، هذا في اللغة، وأما في الشرع فهو عمل القلب والجوارح، عمل القلب والجوارح، فهو نطق باللسان، اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، فالذي يقول: أنا مؤمن بالقرآن، وهو لم يعمل به ولم يقف عند حدوده، فهذا قوله بفيه، يقول ذلك بفيه، ولم يؤمن بالقرآن لأنه لم يعمل به، وهكذا اليهود: قالوا آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾، وضع في التوراة حد الزاني الرجم، وهؤلاء جعلوه التحميم والجلد، هذا تحريف الكلمة من بعد مواضعه. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾، جاء في هذا الحديث قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ﴾، يقول: ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، لأنه يوافق ماذا؟ أهواءهم، لأنه يوافق أهواءهم، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾، يعني فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، لأن أشرافهم سيشملهم هذا الحكم، وهم لا يريدون ذلك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، حكموا هنا بغير ما أنزل الله فكفروا. وهل كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ المسألة فيها تفصيل كما هو مقرر عند أهل السنة، كما هو حال حكام المسلمين اليوم، فإنه في أحكام من أحكام هذا الشرع لا يحكم بها في قوانينهم، وفي كذلك دستورهم، فهل يكفرون؟ قلنا: في المسألة تفصيل، فإن كان هذا الذي يحكم بغير ما أنزل الله يعتقد أن هذا الحكم، وهو حكم غير الله، أفضل من حكم الله، أو مساوياً لحكم الله، فهذا كافر، فهذا كافر. أما إن حكم بغير ما أنزل الله لدنيا وشهوة ونحو ذلك، بقي على كرسي أو على منبر أو نحو ذلك، وهو يعتقد أن حكم الله هو الأفضل وهو الأقوى، لكن غلبت عليه الشهوة والدنيا والجاه والرئاسة، فهنا لا يكفر، وإنما يفسق، وهذا ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه حيث قال: "إنه ليس الكفر الذي تعنون"، يعني الكفر الأكبر، "إنما هو كفر دون كفر"، ذكر ذلك ابن كثير وغير واحد من المفسرين، وهو أثر صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وهذا فيه رد على التكفيريين الذين يطلقون عموم هذه الآية على كل من لم يحكم بغير ما أنزل الله، ويجعلون هذا الكفر كفراً أكبر، وهذا خطأ واضح، فبسبب الانحراف في هذه المسألة: كفر حكام المسلمين جملة وتفصيلاً، وخرجوا عليهم، وأثاروا الفتن والشغب في بلاد المسلمين، ولو رجعوا إلى ما كان عليه السلف الصالح، وما كان عليه العلماء الناصحون الربانيون الراسخون، لما اعتقدوا هذه المناهج المخالفة لمنهج السلف الصالح. وهذا الحديث فيه فوائد عدة، فمن فوائد هذا الحديث: ذكر أوصاف عدة لليهود، فمنها كما تقدم: التحريف والكذب، وهكذا: خفاء الحق، ومنها أنهم أتباع الأهواء، ومنها أنهم يقيمون الحدود على الضعفاء ولا يقيمونها على الشرفاء. وللأسف الشديد أن بعض المسلمين يتصف بمثل هذه الصفات، فإذا ثبت حد على شريف ورفيع في المجتمع جاءت الشفاعات، وهكذا الوساطات، حتى يعفى من هذا الحد، وهذا من صنيع اليهود. وفي هذا: أن الإسلام ما فيه مداهنة ولا مجاملة، لما لما سرقت تلك المرأة المخزومية، وكانت من شرفاء القوم، من بني مخزوم، وما هو حد السرقة؟ قطع اليد، فقال القوم: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما وجدوا إلا أسامة بن زيد، حب، حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجاء أسامة بن زيد يكلم النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، أي أن لا يقام الحد على هذه المرأة، فقال عليه الصلاة والسلام بعدما خطب خطبة، ثم قال فيها: "كانت بنو إسرائيل، أو قال: أولاً لأسامة: أتشفع في حد من حدود الله؟ أتشفع في حد من حدود الله؟ كانت بنو إسرائيل إذا سرق فيهم الشريف... إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، فاطمة ابنته، لو ثبت، وحاشاها، عليها حد لأقامه النبي عليه الصلاة، بنت الرسول، نعم، بنت الرسول، هكذا الإسلام ما فيه محاباة في الحق، وما فيه مداهنة في الحق، فالشرع يكون على الجميع، يكون على الجميع، الشريف والوضيع، أما أن يقام على الضعيف ويترك على الشريف، فهذا من صفات اليهود، كما سمعت في هذا الحديث، كما سمعت في هذا الحديث. وفي هذا الحديث أيضاً: رد على الذين يقولون من العلمانيين وأذنابهم: إن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان، لا تصلح لهذا الزمان، هكذا يزعم بعضهم، وهذا كفر والعياذ بالله، فهم يقولون: كيف نقتل القاتل؟ أو كيف نقص يد السارق؟ نقطع يد السارق؟ أو كيف نرجم الزاني؟ هذا في زمان غير هذا الزمان، يعنون زمان النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يغيرون في الأحكام الشرعية، فيجعلون حكماً آخر للسرقة الآن، كم سرقات تحدث في بلاد المسلمين، سواء كان في اليمن أو في غيرها، هل نسمع أن يد هذا السارق قطعت؟ نادر ما نسمع ذلك، صح، لكن استبدلوا هذا الحكم بأحكام أخرى، بأحكام أخرى، إما سجن وإما غرامة، وهذا صنيع مثل صنيع ما فعله اليهود، بدل القتل جعلوا التحميم والرجم، وهذا من صفات اليهود، وهو تحريف الشرع وتبديل الأحكام، وتبديل الأحكام. ثم قال شيخنا: سبب آخر في نزول الآيات، قال: وهذا السبب ضعفه شيخنا، لكن ذكره هنا لأنه في أول الأمر كان يحتج به، ثم ثم تبين له وظهر له ضعفه، فرأى من الفائدة أن يبقى هذا السبب، هل عندكم هذا السبب في النسخ الجديدة؟ هذا من باب الفائدة، وإلا ليس على شرط الكتاب لأنه ضعيف، كما سيبين رحمه الله. قال: سبب آخر في نزول الآيات، أخرج أبو داود بسند رجال رجال الصحيح، وقوله: "رجال رجال الصحيح"، هذا لا يعد تصحيحاً للحديث، لماذا؟ لأن "رجال رجال الصحيح" هذا فيه ماذا؟ فيه بعض شروط الحديث الصحيح، وهو الضبط والعدالة، صح، شروط الحديث الصحيح خمسة: اتصال السند، ها، والضبط والعدالة، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، صح، هذه خمسة شروط من شروط الحديث الصحيح، فلما يقول: "رجال رجال الصحيح"، هذا أقصى ما نستفيد منه: العدل والضبط، صح، العدل والضبط، بقي ماذا؟ اتصال السند، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، واضح، فانتبهوا لهذا، قوله: "بسند رجال رجال الصحيح"، لا يستفاد منه صحة الحديث، ولذلك سيبين سبب ضعف هذا الحديث، وأنه بسبب الاضطراب، بسبب الاضطراب، هذه علة، الاضطراب تعد من العلة، وكذلك النكارة تعد كذلك من العلة، فلم ينتفي هذا الحديث من العلة، فلذلك ضعفه شيخنا. قال هنا: أخرج أبو داود بسند رجال رجال الصحيح عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير قبيلتين لليهود في المدينة، وكان النضير أشراف من قريظة، يعني قبيلة أرفع وأعلى في الشرف من بني قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، لأن هذا القاتل من قبيلة شريفة، وهي قبيلة ماذا؟ النضير، قريظة قبيلة، نعم النضير، فهو شريف، كان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، لأن المقتول من بني النضير، فالقاتل من بني قريظة يقتل به، لأن بني قريظة شرفاء، كيف تقتل شريفاً ولا يقتل هذا الوضيع؟ فكانوا يقتلون. وإذا قتل رجل من النضير... قال: فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير يعني رجلاً من قريظة، نوذي بمئة وسق من التمر. جاء الآن رجل من بني النضير، وهم شرفاء، طيب، فقتل رجلاً من بني قريظة، هل يقتل هذا الرجل من بني النضير؟ لا ما يقتل، لأنه شريف، لكن جعلوا حلاً آخر، وهو ماذا؟ يعطى مئة وسق من التمر، والمسق والوسق كم صاع؟ ستون صاع، يعني اضرب ستون صاع في مئة، يكون كم؟ ستمائة صاع من التمر، هذا مقابل أنه قتل رجلاً من بني قريظة، من بني قريظة. قال: فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، يعني الشريف قتل الوضيع، الشريف قتل ماذا؟ الوضيع، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، يعني بني قريظة قالوا لبني النضير: ادفعوا إلينا القاتل نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأتوه، فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42]، والقسط: النفس بالنفس، النفس بالنفس. قال: ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]. قال: الحديث أخرجه أيضاً أبو داود، والنسائي، وابن حبان، وابن الجارود، والدارقطني، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن إسحاق، وفي أثر ابن إسحاق بالتحديث، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وسكت عليه الذهبي، وقلنا: صحة الإسناد لا تستلزم صحة الحديث. قال: وابن كثير رحمه الله: وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. قال شيخنا: وأقول: ثم ظهر أن حديث ابن عباس ضعيف، يعني هذا الحديث، لأنه من رواية سماك عن عكرمة، وهي مضطربة، يعني الحديث فيه اضطراب، ومن رواية، ومن رواية داود بن الحصين عن عكرمة، وهي منكرة، كما في الميزان، عن ابن معين وأبي داود، فإذن هذا حديث معل، فهو لا يثبت، ولا يثبت هذا السبب في هذه الآيات، والله تعالى أعلم. نكتب بهذا، وإلى هنا والحمد لله.