الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 192، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع سند حديث البخاري في رؤية النبي لربه مبيناً حال رواته، ثم يعرض حديث مسروق مع عائشة التي أنكرت بشدة رؤية النبي لربه مستدلة بالقرآن، وأثبتت رؤيته لجبريل في صورته الحقيقية مرتين فقط.
توضح عائشة أن من زعم رؤية النبي لربه فقد كذب مستندة للنصوص، ويرى العلماء أن قول ابن عباس يحمل على الرؤية القلبية لا البصرية موافقاً لنفي عائشة، ويثبت أن النبي رأى جبريل في صورته الأصلية مرتين.
تستدل عائشة بآيات قرآنية على أن الأبصار لا تدرك الله في الدنيا مستشهدة بكلام الله لموسى وحجاب النور، وتنفي علم النبي بالغيب كله أو كتمانه شيئاً من الوحي مستندة لآيات مفاتح الغيب وأمانة التبليغ.
يوضح المقطع أن الله عز وجل أقر النبي محمداً على تبليغ الرسالة، وأن الصحابة أقرّوه كذلك، فقد أدى الأمانة ونصح الأمة كما ورد وصفه في التوراة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن موسى الحافظ، وهو كوفي. وهناك يحيى كثر من روى عنهم البخاري، ومن أشهرهم يحيى بن آدم صاحب كتاب الخراج، أيضا كوفي، لكن الظاهر أن يحيى بن آدم في طبقة وكيع. وكذلك أيضا يحيى بن أبي زكريا بن أبي زائدة، أيضا روى عنه البخاري، ويحيى أيضا بن معين أبو زكريا الإمام رحمه الله، وغيرهم. ويعرف كما خاصة خاصة الاسم المهمل، هذا يعتبر من المهمل، فهو ذكر يحيى ولم يذكر يحيى بن من، لم يذكر نسبته ولم يذكر أباه، فالعلماء يعرفونه إما أنه يأتي مصرحا به في رواية أخرى في نفس الصحيح، أو يرويه أحد غير البخاري كمسلم وغيره فيصرح باسمه، أو يأتي تصريحه في بعض المستخرجات أو بعض كتب الصحاح فيعرفه العلماء بذلك، أو كذلك إذا لم يعرف أو إذا لم يوجد في شيء من الكتب يعرف بالتلميذ وكذلك بالشيخ، إذا كان مثلا البخاري قد روى عن جماعة من اسمه يحيى، ولهذا قد لا يستطاع من طريق البخاري، لكن ينظر إلى شيخه من هو الذي يروي عن وكيع، فلهذا جزم الحافظ أنه يحيى بن موسى لأنه يروي عن وكيع. قال عن إسماعيل بن أبي خالد، وهو أيضا كوفي، وكان إسماعيل عنده حفظ شديد حتى قال الإمام أحمد: ابن أبي خالد يشرب العلم شربا، لما له من كثرة حفظه وقوته. قال عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر، وإسماعيل بن أبي خالد يعتبر من أفضل ومن أحفظ أصحاب عامر الشعبي، بل لما محمد فضله عليهم كلهم. عامر الشعبي له أصحاب وحفاظ يروون عنه دائما، منهم زكريا بن أبي زائدة وإسماعيل بن أبي خالد وأبو فراس وغيرهم من الكوفيين، ولكن أفضلهم هو إسماعيل بن أبي خالد. قال عن عامر وهو الشعبي: كان حافظا من حفاظ الكوفة، قال: ما كتبت سوداء على بيضاء، على أنه كان يحفظ. قال عن مسروق، وهو بن الأجدع أبو عائشة الوادعي الهمداني، وهو مولى لعائشة، قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمته، هل رأى محمد صلى الله عليه وعلى سلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، إني هذا الكلام ما كنت ظنه أن تقوله. قالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث؟ من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وعلى وسلم رأى ربه فقد كذب. ثم قرأت: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾، ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ﴾. قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿ ما تدري نفس ماذا تكسب غدا ﴾. قالت: من حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾. قالت: ولكن رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين. فهذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها يدل على فقهها وأيضا معرفتها بكتاب الله جل وعلا، فقالت لمسروق: أين أنت من ثلاث؟ من حدثكهن فقد كذب، من ادعى إحدى هذه الثلاث فهو كاذب. فذكرت أولا: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. وذكرنا هذا فيما تقدم، وذكرنا أن عائشة رضي الله عنها كانت تنكر بشدة على من يقول أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه. بل جاء في بدء الخلق في حديث القاسم بن محمد عنها أنها كانت تقول: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية، فقد أعظم على الله الفرية، كما في رواية مسلم. وبعض العلماء يقول: الذين يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، قالوا: ليس في حديث عائشة أنها رأت أو أنها نفت الرؤية من كتاب الله أو من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أخذته استنباطا، أخذته استنباطا من كتاب الله عز وجل، وأن الله عز وجل لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأبصار. وأيضا الله عز وجل نفى رؤيته في الدنيا، وقال لموسى: ﴿ لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: « تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا »، فالإنسان لا يستطيع أن يرى ربه جل وعلا. وما يدل على ذلك وما ذكرنا حديث أبي ذر في صحيح مسلم، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: « رأيت ربك يا رسول الله؟ قال: نورا أنى أراه »، وقال في رواية: « رأيت نورا »، فدل على صحة ما قالته عائشة. لكن كلام ابن عباس أنه رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، يحمل كما قال شيخ الإسلام وغيره: أن ابن عباس لم يقصد الرؤية البصرية، وعائشة رضي الله عنها نفت الرؤية البصرية، فيتفق كلام ابن عباس وغيره من السلف مع كلام عائشة رضي الله عنها، وأنهم أرادوا الرؤية القلبية، أنه تشبع برؤية الله بقلبه، وأما ببصره فلم ير، فلهذا فنفي عائشة على هذا، وإثبات ابن عباس الرؤية القلبية لا البصرية، فلهذا تتفق كلمة العلماء أو الصحابة على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه بعينه، لأن هذا قد منعه الله عز وجل عن موسى، وبين أيضا أنه لا يرى كما جاء في الحديث: لا يرى في الدنيا وإنما بعد الموت. فقالت رضي الله عنها: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب. وفيه كما قلنا رواية القاسم: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم، في رواية مسلم: فقد أعظم على الله الفرية. ثم قالت في آخر الحديث: إنما رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين، رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين، والمراد بالمرتين: مرة في الدنيا ومرة في السماء، مرة في الأرض ومرة عند العرش أو عند سدرة المنتهى، ولقد رآه نزلة أخرى، أي مرة أخرى عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ورأى جبريل، وليس المراد أنه رأى الله، إنما رآه مرة أخرى، فلهذا فهو جبريل، لأنه لم ير الله عز وجل قبل ذلك، وإنما رأى جبريل في الأرض كما جاء في حديث جابر وغيره، لما جاء من غار حراء وهو راجع إلى بيته رأى ملكا في السماء، قال: فنظرت فإذا هو الملك الذي جاءني في حراء، قال: وإذا هو على صورته قد سد الأفق، له ستمائة جناح، له ستمائة جناح قد سد الأفق. معنى جاءه بصورته التي هي صورته الأصلية أو الحقيقية، كما نقول الحقيقية، فأراه الله عز وجل جبريل، ولهذا خاف وفزع، وقال: « دثروني، دثروني »، إني غثيت من كثرة فزعه عليه الصلاة والسلام مما رأى من هذه الصورة المهولة التي لم ير مثلها في هذه الحياة، ولم ير أحد جبريل على شكله الحقيقي إلا ما جاء في أن النبي عليه الصلاة والسلام رآه في الأرض ورآه مرة أخرى عند سدرة المنتهى، وإلا في غار حراء جاءه على شكل رجل، وكذلك أيضا في المواضع الأخرى يأتي على أشكال مختلفة، أحيانا لا يرى وأحيانا يراه، حتى بعض من كان عنده، وقد رآه ابن عباس ورآه ابن مسعود ورآته عائشة وغيرهم من الصحابة، لكنه يأتي على صورة دحية الكلبي، أنه كان صورة جبريل تشبه دحية الكلبي، ودحية صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وجهه جميل، فكان جبريل يأتي على صورته، حتى أن بعضهم كان يظن لما يكلم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ويرون صورته يظنونه أنه دحية الكلبي. ثم قالت رضي الله عنها: ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾. وهذا استدلال عائشة رضي الله عنها بهذه الآية: لا تدركه الأبصار، لأن الإدراك قد يراد به النظر والإحاطة، أن لا تدركه الأبصار أي بنظرها، سواء كان بالبصر أو بالرؤية أو بالإحاطة، وكل ذلك لا يستطاع من الإنسان. ﴿ وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾. واستدلت بقول الله عز وجل: ﴿ ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ﴾، أي أنه لا يراه مباشرة، لا يراه ويكلمه مباشرة، حتى موسى، فإن الله عز وجل كلمه مباشرة لكنه لم يره، لكنه لم يره، ولهذا طلب رؤية الله عز وجل، لما كلمه الله فتطلع أن يرى الله كما أنه كلمه مباشرة. لهذا اصطفى الله عز وجل موسى بكلامه جل وعلا، أي أنه كلمه مباشرة، قد كلم أيضا نبينا عليه الصلاة والسلام في المعراج، فقال الله عز وجل: ﴿ يا موسى إني صفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين ﴾. ففضل الله عز وجل موسى بأن صار كليمه، حتى وصف بأنه كليم الله، أي أن الله عز وجل كلمه مباشرة، وإلا فالله عز وجل يقول: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ﴾، والوحي هو الكلام الخفيف أو المخافة، يعني يسمع صوتا ولا يدري من أين، يسمع صوتا خفيا، أو من وراء حجاب يكلمه لا يراه، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. فهنا استدلت به عائشة رضي الله عنها على قول الله عز وجل: أو من وراء حجاب، أنا قد يكلمه مباشرة لكنه لا يراه، إنما هناك حجب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: « رأيت نورا »، وجاء في الحديث الآخر في الصحيحين: « حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ». ثم قال: ومن حدثك أنه يعلم في غد فقد كذب، عن الذي يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب فهو كاذب، لأن الله عز وجل غيب بعض الغيب عن خلقه، ﴿ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ﴾، ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ﴾، ﴿ فإنه يسلك بين يديه ومن خلفه رصدا ﴾، فالله عز وجل قد يطلع بعض رسله على شيء من الغيب، لكن ليس كل الغيب، ﴿ مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله ﴾، ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ﴾. قال: ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، أي هناك ما لم يبلغه فهو أيضا كاذب، لأن الله عز وجل قد شهد له بالتبليغ: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، لما قال: ألا هل بلغت؟ وكان يرفع إصبعه وينكت بها على الصحابة، قال: « ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد ». فتبين أن الله عز وجل أقره على التبليغ، وأقره الصحابة كذلك، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة عليه الصلاة والسلام، كما هو وصفه في التوراة. طيب، إن شاء الله تعالى نكتبه هذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر