الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 50، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض هذا المحور جملة من الفوائد المستنبطة من قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه، متناولاً أحكام النفير العام، وآداب المعصية والتوبة، وجواز هجر المذنب تأديباً، والحكم بالظاهر، واستحباب البكاء ندمًا. كما يؤكد على المبادرة بالطاعات وعدم التسويف، وجواز التورية والحلف للتأكيد عند المصلحة.
يبين المقطع مشروعية هجر المبتدعة لحفظ الدين والعقيدة مستدلاً بهجر النبي ﷺ لأزواجه وسلف الأمة، محذراً من مجالسة أهل الأهواء. كما يوضح خطر إغراء الأعداء بالدنيا لإخراج المسلم من دينه مستشهداً بقصة كعب مع ملك غسان، مؤكداً ثبات المؤمن الصادق على الحق.
يستعرض هذا المحور فوائد عقدية وفقهية وتربوية دقيقة من قصة كعب بن مالك، منها خطر الحزبيات والمال كفتنة، وفضل الصدق وعاقبة الكذب، والعمل بمفهوم المخالفة، وسقوط رد السلام على المهجور. ويتناول أيضاً أحكام مسارقة النظر في الصلاة، وإيثار طاعة الرسول، ومشروعية سجود الشكر وآداب البشارة.
يوضح المقطع جواز القيام والمصافحة للقادم بقصد التهنئة أو الترحيب كالمسافر والعريس، مبيناً أن النهي عن القيام يختص بالتعظيم بلا مناسبة شرعية. كما يستحب التصدق عند التوبة اقتداءً بكعب بن مالك، مع توجيه النبوي بالاقتصار على بعض المال لا كله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما ذكرنا بارك الله فيكم أن هذه القصة، قصة توبة الثلاثة، فيها فوائد وعبر كثيرة، فأحببنا تتميم الفائدة أن نذكر بعض هذه الفوائد والعبر. فأولاً: في هذه القصة جواز التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتضِ المصلحة ستره، وهذا يؤخذ من قول كعب بن مالك رضي الله عنه: «كان ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، إلا هذه الغزوة صرح فيها لوجود المصلحة، لوجود المصلحة». وفي هذا الحديث أو هذه القصة أيضاً: أن إمام المسلمين إذا استنفر الجيش عموماً لزمهم النفير، ولحق اللوم بكل فرد تخلف ولم يكن له عذر، ولم يكن له عذر، فلذلك عاقب عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا من غير عذر. وفي هذه القصة أيضاً: أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه، لا لوم عليه، وهذا لقول كعب رضي الله تعالى عنه: «وطفت فيهم، وأحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء». فمن عجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه. وفي هذه القصة أيضاً: عظم أمر المعصية. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: جواز إخبار المرء عن تقصيره وتفريطه، وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره تحذيراً ونصيحة لغيره، فإن كعب بن مالك بيّن سبب تخلفه، وأنه بسبب التفريط والتقصير والتسويف، وأنه بسبب ذلك هجر وعوقب بهذه العقوبة. لماذا حدث بهذا كعب رضي الله عنه؟ نصيحة لغيره حتى لا يقع غيره من المؤمنين في ذلك. وفي هذا الحديث أو هذه القصة كذلك: جواز مدح المرء بما فيه من الخير إذا أمنت الفتنة، إذا أمنت الفتنة، فإن معاذ رضي الله عنه مدح كعباً وأثنى عليه خيراً، وقال: «ما علمنا عليه إلا خيراً». وهكذا كعب بن مالك مدح الرجلين اللذين معه: هلالاً، مرار بن الربيع، وهلال بن أمية، فقال فيهما: «فإذا بهما، أو نعم، فذكروا لي رجلين صالحين». هذا فيه مدح، أليس كذلك؟ وفيه ثناء على هذين الرجلين، فلا بأس أحياناً بالمدح لكن بشرط أمن الفتنة، بشرط أمن الفتنة. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: فيه فضل أهل بدر والعقبة، لأن كعباً ذكرهما، وبيّن عظمة منزلتي هاتين أو هذين الوقعتين العظيمتين: وهما بدر والعقبة، فقال: «ولقد شهدت مع رسول الله ليلة العقبة»، ثم قال: «وما أحب أن لي بها مشهد بدر»، فدل ذلك على عظيم وفضل أهل بدر وأهل العقبة. وفي هذا الحديث أيضاً مسألة فقهية تمر بنا كثيراً، وهو: الحلف للتأكيد من غير استحلاف، أن تبدأ أنت بالحلف قبل أن يطلب منك، هذا لا بأس به لتوكيد الأمر، وهذا نجده في قول كعب بن مالك رضي الله عنه: «بل إني والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر»، فهنا حلف، وما طلب منه النبي عليه الصلاة والسلام الحلف، فدل ذلك على جوازه. وفي هذا الحديث أيضاً: التورية عند المقصد، لا سيما عند خشية المفسدة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يوري إذا أراد الغزو، ولا يعين الجهة إلا بهذه الغزوة للمصلحة كما تقدم، والتورية تعني: عدم التصريح والتمويه. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: رد الغيبة، وأن المسلم لا يرضى بأن يؤكل لحم أخيه ميتاً، بل يرد الغيبة، ويدافع عن إخوانه، فإن امتنع المغتاب عن الاستمرار بالغيبة جلس معهم، وإلا ترك هذا المجلس لأنه مجلس سوء، لأنه مجلس سوء. وفي هذا الحديث أو هذه القصة أيضاً من الفوائد: العقوبة بترك وطء الزوجة، هذه من العقوبات، ومما يؤلم المعاقب، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر هؤلاء الثلاثة باعتزال أزواجهم، وهذا يدل على جواز منع وطء الزوجة مدة، يجوز هذا لا سيما إذا كانت عقوبة أو تأديباً أو نحو ذلك. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد والعبر: أن المرء إذا لاحت له فرصة، يعني سنحت له فرصة في الطاعة، فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف، فإن التسويف سبب لحرمان الطاعة والخير، كما سمعت في سبب تخلف كعب، فلاحظ له هذه الفرصة، فرصة الخروج للجهاد في سبيل الله، وطاعة عظيمة، بل جهاد ذروة سنام الإسلام، فسنحت له هذه الفرصة، فلما سَوَّف حرم هذه الطاعة وفاتته. فإذا عزمت على حج أو عمرة أو طلب علم أو جهاد في سبيل الله، لا تسوف ولا تكتسل، بل سارع وبادر في القيام بهذه الطاعة وتلك العبادة. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه جواز تمني ما فات من الخير، هذا يجوز، «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً»، وقال كعب هنا: «وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت»، تمنى أنه فعل هذا الخير الذي فاته، الذي فاته، فهذا فيه جواز تمني ما فات من الخير. وفي هذا الحديث أيضاً: الحكم بالظاهر، وترك ما في قلوب العباد لرب العباد الذي يعلم السر وأخفى، أنت لا تنقب عن قلوب الخلق، تحكم بما ظهر لك من أقوالهم وأفعالهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما حلف له هؤلاء المنافقون، واعتذروا له بمعاذير كاذبة، قبل منهم علانية، ووكل سرائرهم إلى الله، فما لنا من الخلق إلا ما ظهر لنا منهم. وفي هذا الحديث وهذه القصة أيضاً: استحباب بكاء العاصي أسفاً وحزناً على ما فاته من الخير، على ما فاته من الخير، فهذا هلال بن أمية، تقول عنه زوجته لما أمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تحتزله، ذكرت من حال زوجها، فقالت: «إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، يبكي أسفاً وحزناً على ما فاته من هذا الخير وذاك الجهاد». وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، يستشعر حرقة المعصية وألم المعصية، يدفعه ذلك إلى البكاء والتضرع إلى الله والندم والإقلاع، حتى يستوفي شروط التوبة، حتى يستوفي شروط التوبة. وفي هذا الحديث وهذه القصة أيضاً من الفوائد: جواز هجر المذنب أكثر من ثلاث، النبي صلى الله عليه وسلم كم هجرهم؟ خمسين ليلة، هجر هؤلاء الثلاثة خمسين ليلة، فهذا يدل على جواز الهجر أكثر من ثلاث. وأما ما ورد من نهي عن هجر المسلم لأخيه المسلم أكثر من ثلاث، فهذا محمول على من لم يكن هجره شرعياً، وإنما لحظوظ النفس والدنيا، أما من هجر لله، ولنصرة دين الله، ولردع المذنب، أو ردع المبتدع وصاحب الهوى، فهذا من منهج أهل السنة والجماعة، لأن الهجر فيه فائدتان جليلتان: الفائدة الأولى: ردع هذا المهجور، ردع هذا المهجور حتى يرجع إلى صوابه ورشده. والفائدة الثانية: في هذا الهجر، في هذا الهجر منفعة ومصلحة للهاجر، حتى لا يختلط بهذا المبتدع أو ذاك المفسد، فيعلق شيء من الفساد أو من الشبه في قلب ذلك الهاجر أو ذلك المخالط له، فشرع لكم الوقاية من شر كل ذي شر من أهل البدع والأهواء. وهذا فيه رد على من ينكر على أهل السنة هجرهم لبعض المبتدعة وبعض الفرق الضالة، وعدم سماع خطبهم ومواعظهم، وعدم سماع خطبهم ومواعظهم ودروسهم، حتى يرتدع هؤلاء، وحتى يتقي صاحب الحق شبه هؤلاء القوم. فالذين ينفون الهجر، يقال لهم: قد هجر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أصله، وهكذا هجر النبي عليه الصلاة والسلام أزواجه، هجر النبي عليه الصلاة والسلام أزواجه شهراً، ولا يزال ذلك فعل السلف الصالح، الذي كان يضرب القرآن بعضه ببعض، نفاه عمر وأمر بهجره، وهكذا سلفنا الصالح قد تواردت وتكاثرت عنهم الآثار لهجر المبتدعة، مثل ما جاء عن أيوب: «لأن يمتلي بيتي قردة وخنازير أحب إلي من أن أجلس مع صاحب بدعة»، وهكذا غير ذلك مما جاء عن سلفنا الصالح. وهذا أمر مشاهد، تجد البعض يتساهل في أمر السماع لأهل البدع والجلوس معهم، وهو يعرف الحق، ولكن عنده عاطفة وتساهل في هذا الباب، فيجالسهم، فإذا به يأخذ من ضلالهم وانحرافهم، وتعلق الشبه في قلبه، لأن هؤلاء أهل شبه وتلبيس وتدليس، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، فالحذر الحذر من مجالسة أهل البدع، ومن حذر منهم علماء السنة: هذه الجماعات اليوم، احذروا منها: جماعة الإخوان المسلمين، جماعة القاعدة، الدواعش، جماعة السرورية، جماعات الجمعيات التي تدعي الخيرية وهي مغلفة بالمناهج المنحرفة، قد حذر العلماء من هؤلاء، فهؤلاء يهجرون، ولا يجلس لهم، ولا يؤخذ العلم عنهم، بل يؤخذ عن أهل السنة المعروفين بصحة العقيدة وسلامة المنهج واستقامة السلوك والأخلاق ونحو ذلك. فأهل السنة يستدلون بهذا الحديث على جواز هذا الأمر، ولا يخلط أهل السنة، ما يخلط بين الهجر الشرعي والهجر الذي هو لحظ النفس، ولا يكون هجره لكل أحد، بل لمن أمر العلماء بهجره وعدم السماع له، فهي حلقة مضبوطة، ولا يكون الهجر بين أهل المنهج الواحد إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم تهاجروا، لا، أنت سلفي وأخوك سلفي، اختلف معك في شيء، فعليك أن تناصح وأن تصبر عليه، وأن ترفع أمره إلى من هو أعلم منك ومنه، ولا تلجأ إلى هذا إلا في آخر الأمر إذا حذر العلماء منه. وكما يقال: الهجر مثل الكي، لا يلجأ إليه إلا عند... يعني إغلاق جميع الأبواب، إنسان مريض ذهب عند الطبيب، وذهب عند ذاك الراقي، وذاك العارف، ونحو ذلك، فما استفادوا، قالوا له: ما معك إلا الكي، آخر العلاج، الكي، فما حيلته إلا أن يكتوي. نعم، وهكذا في الهجر: أولاً يعالج بالحكمة والموعظة الحسنة، الذي ينحرف يعالج، يناصح، يدل على الخير، يقال له: اذهب عند العلامة، اعرض ما عندك من شبه، أو من تأويلات، أو من منهج، أو من قاعدة، أو من سلوك، أو من طريقة، ويصبر ويصبر عليه وينصح، فإذا أبى وأصر وعاند واستكبر، فما حيلة المضطر إلا ركوبها، فما حيلة المضطر إلا ركوبها، فلا يتوسع في هذا الأمر، خصوصاً بين أهل المنهج الواحد، وإنما يتأنى فيه. وهكذا بارك الله فيكم، من فوائد وعبر هذا الحديث وهذه القصة: أن التبسم قد يكون عن غضب، كما أنه قد يكون عن فرح وسرور، أو كذلك عن عجب، فقال كعب بن مالك: «لما هجره النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلم عليه، فكان يتبسم، تبسم المغضب، تبسم المغضب»، وهذا أمر يعرف من حال المتبسم. وفي هذا الحديث أيضاً: خطورة الميل إلى الدنيا، وأن أعداء الإسلام يستميلون أهل الحق بإغرائهم بهذه الدنيا الفانية، فينقسم من تعرض له هذه الدنيا إلى قسمين: إلى ثابت على دينه، فلا تضره، فلا تضره هذه الفتنة، فتنة الدنيا، وإلى ضعيف في دينه، فيبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. من أين نأخذ هذه الفائدة؟ بينما المسلمون قد هجروا كعب بن مالك، إذ جاءته رسالة من... من... من ملك غسان، ففتحها كعب بن مالك، ماذا في هذه الرسالة؟ «أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، يعني هجرك، وإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا، ماذا نواسيك؟ تعال عندنا نعطيك». ما هو مقابل هذا العطاء؟ ما هو مقابل هذا العطاء؟ أن يترك دينه، وأن يترك الحق الذي عليه. هذه الآن الدعوات التي استخدمها الأعداء قديماً وكذلك حديثاً، فانظروا إلى أهل التنصير، النصارى، أي وسيلة يستخدمونها في الدعوة إلى دينهم؟ النصرانية: البذل والعطاء، عبر تلك الهيئات التنصيرية والتنظيمات التنصيرية، يركزون على المجتمعات الفقيرة، مسلمون لكن ما عندهم مال، عندهم فاقة وفقر شديد، يذهبون إليهم ويعطونهم من الأموال والعلاج والتدريس ونحو ذلك، مقابل ماذا؟ أن يعلمونهم النصرانية، صح؟ هذا هو الواقع اليوم. وهكذا كل مبطل، تجده يدعو إلى منهجه الباطل، بكسب الناس إلى باطله بالمال، فمن والاهم وأيدهم على باطلهم ومنهجهم، أعطوه وأغدقوا عليه، ومن أبى واستمسك بالحق الذي علمه، قطعوه ومنعوه، مثل الصوفية اليوم، أصحاب الجمعيات والحزبيات، ما يعطون إلا من هو على طريقتهم، أنت معنا نعطيك، أنت لست معنا ما نعطيك، إلا إذا تنازلت عما كنت عليه وجئت إلينا وانتهجت نهجنا، وخذ ما شئت، «الحق بنا نواسيك»، يعني نواسيك ونعطيك. وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليلاً، يبيع دينه، يبيع الحق الذي علمه بعرض من الدنيا، شيء من المال». بل بعضهم يصرح، لما تنصحه: يا أخي، هذا منهج الصوفية، منهج شركي، ومنهج بدعي، فيه من الخرافات والضلالات، لماذا أنت معهم وتؤيدهم؟ قال: نعرف الحق، لكن لو تركت ما هم عليه، سأفقد مصالحي، ما سيأتي كيس الرز في رمضان، ولا البر، ولا الدقيق، ولا التمر، ولا كذا، ولا هذا، هو واقع كثير من هؤلاء، ما يهمهم إلا بطونهم وشهوات بطونهم فقط. أما صاحب الحق، لو أعطي ملك هذه الدنيا على أن يتنازل عن شيء من دينه ومن الحق الذي علم، لا يرضى أبداً، ويثبت. هذا ملك من ملوك زمانه يعرض عليه هذه المواساة، ملك، رئيس، يدعوه، لكنه رضي الله تعالى عنه، قد رسخ الإيمان في قلبه، وعلم أن هذه الدنيا زائلة، وأنه لا غنى له عن الإسلام، فأبى ومزق وأحرق هذه الرسالة، فجعلها في التنور. فهكذا ينبغي أن يكون صاحب الحق، لا تغيره هذه الدنيا في هواتها. وكذلك أنظر أصحاب الحزبيات والجمعيات، بعض هؤلاء كانوا من طلاب العلم، بل من المشايخ الذين يرجى أن ينفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأن يحققوا كتب أهل العلم، وأن يفتحوا المراكز، فجاءهم أصحاب هذه الحزبيات، فأغدقوا عليهم بالأموال، ففتنوهم، فأصبحوا ممن أنكر ما كان يعرف، أنكر ما كان يعرف، كان يعرف السنة ويعرف أهلها وعلماءها، فإذا به يتنكر للسنة ولعلماء السنة، ويطعن فيهم، وما ذاك إلا لهذه اللعاعة، من لعاعة الدنيا التي أعطيت، فتنة عظيمة. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال»، وفتنة أمتي المال، ويقول عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»، اتقوا الدنيا لجميع فتنها، ومن ذلك المال. فهذه سياسة كفرية من قديم الزمان، إذا أرادوا أن يفتنوا أحداً عن حق علمه، دخلوا له من هذا الباب، باب الدنيا، ولكن أهل الحق لا يبالون بهذه الدنيا ويرفضون. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: فيه فائدة الصدق، وشؤم معاقبة الكذب، فانظروا كيف لما صدق كعب بن مالك نجاه الله، ورفع قدره ومنزلته، وانظر إلى المنافقين الذين هم بضعة وثمانون رجلاً، لما كذبوا، فضحهم الله وتوعدهم بالعذاب الأليم، فهكذا من صدق نجا، ومن كذب هلك وافتضح، والكذب حبله قصير، سرعان ما ينفضح صاحبه. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: فيها العمل بالمفهوم، وذلك إذا حفته قرائن، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أما هذا فقد صدق»، هذا منطوق، هذا القول، ما هو مفهومه؟ ما يسمى بمفهوم المخالفة، يعني: غيره فقد كذب، أما غيره فقد كذب، يعني المنافقين، وفيه العمل بالمفهوم. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: فيها تبريد حر المصيبة بالتأسي بالنظير، كعب بن مالك آلمته هذه المصيبة، لكن لما ذكروا له رجلين من خيرة الرجال، تأسى بهما، وماذا قال؟ قال رضي الله عنه: «فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدراً، لي فيهما أسوة، لي فيهما أسوة»، يعني: أتأسى بهما، فمضيت حين ذكروه، فلم أمضِ ولم أرجع لأكذب، فأنت تتأسى بمن هو مثلك أو أفضل منك، مثلاً: على سبيل المثال، فقدت حبيباً لك، فقيل لك: وفلان وفلان وفلان فقدوا أحبابهم وأصدقاءهم، فهذا يعطيك شيئاً من التأسي والصبر، إذ أن أولئك صبروا، فأنا أحق بالصبر والتأسي بهم، والتأسي بهم. أو مثلاً: قدمت... قدمت في عمرة، أو في حج، أو في طاعة من الطاعات، فلم تتوفق، ورد جوازك، فسمعت أن فلاناً وفلاناً وفلاناً من إخوانك، مثلك كذلك، ردت جوازاتهم، ولم يوفقوا إلى ذلك، تقول: الحمد لله، معي في هذا الطريق أمثالي، وهكذا تتأسى عند المصيبة، حتى تبرد بالتأسي بالنظير، بالتأسي بالنظير. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: فيها سقوط رد السلام على المهجور، عمن سلم عليه، لأن كعب سلم على قريبه، فلم يرد عليه السلام، نعم، فلم يرد عليه السلام، حتى النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أدري أحرّك شفتيه أم لا»، وأما أبو قتادة، وكان غريباً له، سلم عليه، فلم يرد عليه السلام، استدل العلماء على هذه المسألة: سقوط رد السلام على المهجور، حتى يعلم بعظم معصيته وذنب. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: فيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطح بصحتها، فإن كعب كان يسارق النظر، فينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا نظر إليه أقبل على صلاته، ونظر إليه صلى الله عليه وسلم، يريد أن ينظر، فيعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام، دل ذلك على جواز ذلك، وإن كان بعض أهل العلم يرى أن هذا الفعل ينقص من الصلاة، ينقص من الصلاة. وفي هذه القصة أيضاً: إيثار طاعة الرسول على مودة القريب، فأبو قتادة قريب، قريب لكعب، قريب لكعب، ومع هذا، لما سلم عليه كعب، ما رد عليه السلام، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بهجره، وأثر ذلك في كعب رضي الله عنه، فهذا الأمر فيه دلالة واضحة على إيثار... على إيثار أبي قتادة لطاعة الرسول على مودة هذا القريب. وفي هذه القصة أيضاً من الفوائد: الاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، فإن كعب رضي الله عنه لم يبق زوجته عنده، بل أمرها أن تذهب إلى أهلها، ولم يرضَ أن يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويستأذنه، كما استأذنت زوجة هلال لهلال، بل خشي أن يقع، أو علل ذلك أنه شاب، وليس كهلال ومرارة، رضي الله عنهم أجمعين. وفي هذا الحديث أيضاً: جواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة، فإن كعب أحرق كتاب ملك غسان، وهذا الكتاب فيه اسم الله، لأن ماذا في هذا الكتاب؟ «أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد قلاك أو جفاك، وأن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، وأن الله...» إذن هذا الكتاب فيه اسم الله، صح؟ فكعب أحرق هذا الكتاب، وفيه اسم الله، فهذا يجوز، حتى القرآن الذي لا ينتفع منه، قد تمزق، فبعض أهل العلم أجاز أن يحرق، حتى لا يهان هذا القرآن، ولا كذلك يقع في أيدي بعض الأطفال، أو المجانين، أو البهائم، أو نحو ذلك، فيهان، فلا بأس من حرقه، استدلوا بمثل هذا الحديث، وبغيرها من الأحاديث. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: مشروعية سجود الشكر، فإن كعب رضي الله تعالى عنه سجد لما جاءه المبشر وسمع الصوت، سجد رضي الله تعالى عنه وأرضى، قال هنا: «سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، يصيح بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر»، قال: «فخررت ساجداً»، فلا بأس إذا تجددت لك نعمة أن تسجد، وهي سجدة... سجدة التلاوة، تسجدها شكراً لله، تسجدها شكراً لله على ما منّ به عليك من هذه النعمة. وفي هذا الحديث أيضاً أو القصة: الاستباق إلى البشارة بالخير، أما بالشر، فلا، لا يستبشر بذلك، لكن بالخير، نعم، مثلاً: زاد فلان مولود، فذهبت مباشرة واستبقت لتوصل إليه الخبر، هذا أمر محمود، أو فلان نجح في اختبار، أو في مرحلة دراسية، أو في كذلك قبول في جامعة، أو في مركز علم، أو نحو ذلك، فتبشره، تبشره بذلك، أو حتى في أمور الدنيا، حتى في أمور الدنيا، فلا بأس أن تستبق لبشارته. وفي هذا أيضاً: إكرام البشير، إذا بشرك أحد بما تحب وتفرح به، أكرمه، ماذا فعل كعب؟ خلع ملابسه، وما يملك إلا هي، وأعطاها لهذا البشير، أنت لا أقول لك: اخلع ثيابك، مثلاً: بشرك، ومعك ألف ريال، أو ألف ريال، تعطي شيئاً من هذا، هذا يعني: أجرة البشارة، فهذا من الفرح. وهكذا من فوائد هذا الحديث: تهنئة من تجددت له نعمة، تهنئه، فإن الصحابة هنأوا كعب بن مالك، فإذا زاد أخاك مولود، تهنئه، أو تزوج، تهنئه، أو عوفي من مرض، تهنئه، فهذا لا بأس به، بل من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفيه جواز القيام، القيام في مثل هذا الموضع عند التهنئة، إذا أقبل هذا المبشر، وليس هذا داخل في النهي، وهو القيام للقادم أو الداخل، لا، لأن هذا فيه تهنئة، ومثله المسافر، مثلاً: أنت الآن جالس، جاء عزيز عليك، كان مسافراً، لا بأس تقوم وتحاضنه، أو جاء وقد تزوج، أو زاد مولود، لا بأس تقوم وتهنئه، فلا يدخل هذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار»، لا، ما يدخل في هذا، «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار»، ما يدخل في هذا، وإنما هذا النهي لمن يفعله من غير مناسبة، إنما يدل على التعظيم، كقيام الطالب للمدرس إذا دخل، أو قيام الجندي للضابط، أو نحو ذلك، هذا الذي ينهى عنه، لأن فيه شيئاً من التعظيم، أما إن قمت لضيف قدم إليك، أو ل... كذلك أب، لا بأس، النبي صلى الله عليه وسلم لما قدمت ابنته فاطمة، قام لها، قال: «مرحباً بابنتي»، فلا بأس، أما غير ذلك، فلا. وفي هذه القصة أيضاً: مصافحة القادم والقيام له، كما تقدم. وفي هذا الحديث أيضاً: استحباب الصدقة عند التوبة، فإن كعب بن مالك قال: قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله»، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن أرشده إلى أن يتصدق ببعض ماله، وليس بكل المال. هذه الفوائد أكثر، أو أكثر هذه الفوائد ذكرها الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث، وبعض الفوائد من غيره. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة، للمشاهدة، للمشاهدة، للمشاهدة.