الصحيح المسند من أسباب النزول  78

الصحيح المسند من أسباب النزول 78

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 78، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية ضرب ابن مريم مثلا وآداب التعليم النبوي

يوضح المقطع سبب نزول قوله تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ حيث احتج المشركون بعيسى عليه السلام للرد على النبي ﷺ، مبيناً براءة عيسى من عبادتهم. كما يستعرض المنهج التربوي لابن عباس في التشويق للعلم ويؤكد اشتراط الإتقان والتلقي عن الشيوخ قبل الإذن بالتدريس.

أسباب نزول سورة الدخان: القحط والدخان والبطشة الكبرى

يفسر المقطع أوائل سورة الدخان بأنها نزلت في أحداث دنيوية أصابت كفار قريش، حيث دعا النبي ﷺ عليهم بالقحط حتى أكلوا العظام ورأوا الدخان من شدة الجوع، ثم استسقى لهم فسقوا فعادوا للكفر، فنزلت آية البطشة الكبرى المفسرة بيوم بدر. ويؤكد أن الدخان المذكور ليس من أشراط الساعة بل واقعة حسية وقعت في الدنيا.

تحذير ابن مسعود من التفسير بالرأي ووجوب قول الله أعلم

ينقل المقطع إنكار ابن مسعود الشديد على من يفسر القرآن برأيه دون علم، مبيناً أن من فقه العالم التوقف وقول "الله أعلم" فيما لا يحيط به علماً. ويضرب الأمثلة بأئمة الفتوى كمالك وابن باز في الورع عن القول على الله بغير علم، مختتماً بتأكيد نزول آيات الدخان في أحداث قريش الدنيوية لا في أشراط الساعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، أخذنا: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض". أخذنا أعظنا. قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة الزخرف: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا شيبان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، قال: قال ابن عباس: لقد علمت آية من القرآن - ويصح: "علمت آية من القرآن" - ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها؟ ثم طفق يحدثنا. قال: فلما قام تلاومنا: ألا نكون سألناه عنها؟ فقلت: أنا لها إذا راح غداً. فلما راح الغد، قلت: يا ابن عباس، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها، وعن التي قرأت قبلها. قال: نعم. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير". وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما تقول في محمد؟ فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً؟ فلئن كنت صادقاً فإن آلهتهم لكما تقولون. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: قلت: ما يصدون؟ قال: يضجون. ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾. قال: هو خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة. طيب، معنى هذا الأثر، وفيه فوائد كثيرة لطالب العلم، خصوصاً: أولاً: معنى هذا الأثر. ابن عباس دعا له النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، يعني تأويل وتفسير القرآن، فكان حبر هذه الأمة، فيرجع إليه في تفسير القرآن وفي حديث الرسول عليه الصلاة والسلام. فذات مرة وهو يدرس أصحابه وطلابه، قال: "لقد علمت آية" أو "علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط". وهذا فيه أسلوب من أساليب التشويق إلى العلم، أو التشويق للعلم، وهو عرض العالم المسألة على شكل سؤال، أو على شكل كذلك عدم سؤاله عنها حتى يسأل عنها فيجيب، فتكون هذه الفائدة أوقع وأحفظ. وهذا أسلوب من أساليب التعليم كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام والعلماء، وهي طريقة نافعة. كان شيخنا الوادعي رحمه الله يكثر من سؤال طلابه قبل أن يبدأ في الدرس، يسأل، يقول: "اليوم نراجع في المصطلح، أو نراجع في القطر، أو نراجع في العقيدة"، ويسأل أسئلة للطلاب، ويختار بعض الطلاب، فيستفيد جميع الطلاب من الجواب. فكم من علم حصله طالب العلم وكان عن طريق السؤال، فرسخ في الذهن واستقر في القلب، لأن هذه الطريقة طريقة نافعة. فابن عباس يقول: "ما سألني عنها رجل قط"، ما أحد سألني عن هذه الآية. وهذا فيه دليل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يسألون كذلك الصحابة من العلماء. وهذا وقع كثير، وقع كثير في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، سواء أكان الطالب هو الذي يسأل، أو الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يسأل. وقد جمع في هذا كتاب "المسائل التي سئل عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". فقال: "فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها"، يعني هم في معرفة بهذه المسألة، أم لم يفطنوا لها؟ وهذا فيه أن بعض المسائل تحتاج إلى سؤال، لكن ما يتفطن لها طلاب العلم، ما يتفطن لها، قال: "فيسأل عنها". ثم طفق يحدثنا، يعني يحدثهم حديثاً آخر غير هذه المسألة التي ذكرها. فلما قام تلاومنا: ألا نكون سألناها؟ يعني قام ابن عباس وما سأله الصحابة عن هذه المسألة، وقالوا له: ما هي هذه المسألة التي لم تسأل عنها؟ وهذا فيه حسرة الطالب إذا فاتته الفائدة، فلام بعضهم بعضاً، كل واحد يقول للآخر: لماذا لم تسأل؟ ويقول: لماذا لم تسأل؟ نستفيد علماً ونستفيد فقهاً، فكل واحد يلوم الآخر. وهذا من حرصهم على الفائدة وعلى العلم. فلما قام تلاومنا: ألا نكون سألناها؟ فقلت: أنا لها إذا راح غداً، يعني سأسأله إذا جاء غداً، اليوم الثاني، اليوم الذي بعد يومك يسمى غداً. فلما راح الغد، يعني جاء، قلت: يا ابن عباس، ذكرت أمس، وأمس هو اليوم الذي قبل يومك، أمس اليوم الذي قبل يومك، وغداً اليوم الذي بعد يومك، واضح. قال: فلما كان، قال: يا ابن عباس، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس ولم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها. يعني يقول هذا أبو يحيى مولى بن عقيل: يقول لي ابن عباس: أخبرني عن هذه الآية، وعن التي قرأت قبلها. قال: نعم، يعني سأخبرك. وهذا فيه أن العالم لا يشح بالعلم على طلابه، لا يشح بالعلم ولا يمسك العلم، فإن من بركة العلم ومن الزيادة في العلم أن تبذل هذا العلم، أن تبذل هذا العلم فهو زكاة، كما أن المال إذا أخرجته يزداد بالإنفاق، فكذلك العلم إذا أنفقت منه يزداد بالإنفاق. ماذا قال الإلبيري في لاميته؟ "يزيد بكثرة الإنفاق منه *** وينقص إن به كفا شددتا" العلم يكثر بماذا؟ بكثرة الإنفاق. فتح الله عليك في القرآن، فتح الله عليك في الحديث، فتح الله عليك في اللغة، علم إخوانك، افتح لهم الدروس، فهذا يكون أنفع لك وأبرك لعلمك. والتعليم تعليم العلم يعين على البحث والمطالعة وتثبيت المعلومة وتثبيت المعلومات، فهذا هو سبب زيادة العلم بكثرة الإنفاق. "يزيد بكثرة الإنفاق منه *** وينقص إن به كفا شددتا" إذا كنت شديداً وما يعني تعلم غيرك ولا تبذل العلم لغيرك، فهذا ما تشعر إلا وينقص علمك شيئاً فشيئاً. ولذلك شيخنا الوادعي رحمه الله كان يحث طلابه على تعليم إخوانهم، على تعليم إخوانهم، وهكذا قامت مراكز السنة. لا يكفي أن الشيخ هو الذي يدرس ويدرسك في أوقات، لكن بقية الطلاب، كل على حسب علمه وعلى حسب قدرته، يدرس من يستطيع تدريسهم ممن هم في مستوى يستطيع يدرسهم، فهذا مما يحث عليه ويرغب فيه: التعليم وبذل العلم. وليس معنى هذا أن تتكلف ما لا تطيق، ليس معناه أن تفتح درساً لم تدرسه ولم تتقنه، ولم كذلك تضبط مسائله، لا. وإنما تدرس العلم الذي درسته. ولذلك كنا نأتي عند شيخنا عبد الله بن المرعي يحفظه الله، ونقول له: فلان يريد أن يدرس كتاب كذا، يقول: هل درسه؟ هل درس هذا الكتاب؟ فإذا قيل له: نعم، قال: يضيب. إذا هو درسه وأتقنه وعلم ما فيه فلا بأس. وإذا لم يدرسه لا يأذن، لا يأذن أن يفتح هذا الدرس، خصوصاً في الكتب التي لا بد فيها من الدراسة ككتب العقيدة ومسائل الفقه، وهكذا كتب اللغة والمصطلح والحديث، هذه تحتاج إلى تعليم، لا بد أن تدرسها لأنك ما ستفهمها وحدك، وما س كذلك تتقن مسائلها تون شيخ ولا مدرس. فلا إفراط ولا تفريط. بعض الطلاب عنده خير، تأتي تقول له: يا أخي علم إخواني، فيقول: أنا ما عندي شيء. ما نقول لك: درس بلوغ المرام، أو درس ألفية السيوطي، أو ألفية ابن مالك، لا. درس الكتاب الذي تتقنه، والذي درسته، والذي درسته، فهذا من بذل العلم. فانظر إلى ابن عباس يعرض العلم على طلابه، أنه آية يعلم فيها علماً ما سأله أحد، فقال: لعل عدم السؤال لأن الناس يعلمون هذه الآية، وهم ما يعلمونها. فلما سألوه ما أخفاها عنهم، ما أخفاها عنهم، بل قال: نعم، يعني سأخبركم بهذه الآية وبتفسيرها ومعناها. فقال ابن عباس: نعم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش، يعني في العهد المكي، كفار قريش: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير". فظاهر قول النبي عليه الصلاة والسلام هذا التعميم: "ليس أحد يعبد"، يعني يتوجه إليه بالعبادة من الدعاء والخوف والرجاء والنذر والذبح ونحو ذلك، إلا وليس فيه خير، هذا المعبود من دون الله ليس فيه خير. وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، يعني قريش مجاورة لبعض النصارى ممن يأتي للتجارة أو نحو ذلك، ممن كان على شيء من التي عيسى عليه السلام ثم حرف وغير، فعبدوا عيسى، فكانت قريش تعلم هذا، أن النصارى كانوا يعبدون عيسى ابن مريم. وهذا قد ذكر في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، قال: سبحانك، الآية. سبح الله، قدسه عن أن يكون له شريك. فنعم، بعض النصارى عبد عيسى، لكن من غير رضا منه عليه الصلاة والسلام، بل دعاهم إلى التوحيد ونهاهم عن الشرك. فعلمت قريش أن النصارى تعبد عيسى، وما تقول في محمد؟ ذكر شيخنا أن في "مجمع الزوائد": "وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما يقول محمد"، وما يقول محمد، وهذا هو الأقرب إلى المعنى، فيكون قولهم: "وما يقول محمد"، يعني بأن عيسى عبد الله ورسوله، أن عيسى عبد الله ورسوله، هذا الذي يقوله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أيش الآية؟ وما التي فيها كانا يأكلان الطعام؟ في سورة ماذا؟ ﴿وَمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. وهكذا في حديث عباد بن الصامت: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه"، الحديث في الصحيحين. فهذا كان الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام: أن عيسى عبد الله ورسوله. فهم يعلمون أن النصارى كانوا يعبدون عيسى، وأن عيسى يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام أنه عبد ورسول، أنه عبد ورسول، وهو يقول: أنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير. فكيف يقول عيسى يعني عبد الله ورسوله؟ فهنا استغل المشركون هذا الأمر، وجعلوها كالشبهة، جعلوها كالشبهة كي يردوا ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً؟ فلئن كنت صادقاً فإن آلهتهم لكما تقولون، يعني أن عيسى ليس فيه خير، هكذا يريدون، وهو من الجدل. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. والرد على ذلك: أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير"، أي ممن هو راضٍ عن عبادته، ممن هو راضٍ عن عبادته. ولذلك لما عرف العلماء الطاغوت بقولهم: هو كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع، فأخرجوا من عبد وهو غير راضٍ، فلا يقال له طاغوت. وهكذا في هذا الحديث: عيسى عبد من قبل النصارى، وهو غير راضٍ عن هذا، بل أنكر عليهم وحذرهم من عبادته ومن الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهكذا يحمل قول النبي عليه الصلاة والسلام. هذا وجه، ووجه آخر: أن الخطاب هنا لكفار قريش، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام واقعهم الذي هم فيه، فهم ما كانوا يعبدون نبياً، وإنما كانوا يعبدون الأصنام، يعبدون الجن، يعبدون كذلك الأحجار، ونحو ذلك، ونحو ذلك. هذا أمر أو رد آخر. فإذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، يعني لما قيل أن عيسى بن مريم إنما هو عبد ورسول، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير"، جاء هؤلاء المشركون يجادلون، يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال: "قلت: ما يصدون؟" يعني هذا السائل ابن عباس، وهو أبو يحيى مولى بن عقيل، قال لابن عباس: ما يصدون؟ يعني ما معنى قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾؟ قال: يضجون، يضجون من الضجيج والمجادلة والجدل والصخب ونحو ذلك. وهذا فيه أن الجدل الذي لا يجدي ولا ينفع ليس بمحمود، وإنما المحمود المجادلة بالتي هي أحسن لمن عرف أنه أراد الحق وأراد الهدى. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. أما من جاء يجادل من أجل الخصومة والضجيج، وهكذا العناد ورد الحق، فهذا الجدل مذموم، سواء كان بين المسلمين أو بين المسلمين وغيرهم. ولذلك جاء في حديث أبي أمامة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل". فاحذر أن تجادل لتمتصر، لا لتأخذ الحق وتتعرف على الحق وتبغي الحق، وإنما من أجل الانتصار لقول أو لمذهب أو لشيخ أو لطريقة أو نحو ذلك، فهذا هو المذموم، وهذا ليس من صفات أهل الإيمان. قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾. قال: هو خروج عيسى ابن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة. وهذه من علامات الساعة الكبرى، نزول عيسى عليه السلام، وكذلك تحكيمه بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام. إذن عرفنا سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، يعني يضجون ويجادلون بالباطل ويخاصمون. وفي هذا الحديث أيضاً أن أهل الباطل عندهم شبه، وعندهم كذلك جدل، وعندهم جدل، فاحذر من ذلك، فإن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، ولذلك حذر العلماء من مجالسة أهل الباطل، من أهل البدع والأهواء. قال: الحديث أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"، والحديث قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه أحمد، والطبراني بنحوه، إلا أنه قال: "فإن كنت صادقاً فإنها لك لك لك آلهتهم"، يعني أن عيسى كآلهتهم، أنه ليس فيه خير، وهذا كذلك من جدلهم. قالوا: فيه عاصم البهدلة، والثقه أحمد وغيره، وهو سيء الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال السيوطي في "لباب النقول": إن سنده صحيح. وأقول: الذي قرره الإمام الذهبي في "الميزان" أن حديث عاصم حسن. تنبيه: في المسند وتفسير ابن كثير: "وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما تقول في محمد"، هذا الذي جاء في الرواية التي ذكرها الشيخ. وفي "مجمع الزوائد": "وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما يقول محمد". فلينظر أي اللفظين أصح. قال شيخنا حفظه الله: لعله ما في "مجمع الزوائد" لوضوح معناه، يعني: "وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما يقول محمد"، يعني ما يقول محمد في عيسى من أنه عبد الله ورسوله. وهذه تدلك على دقة تحر أهل الحديث في الألفاظ، فأحياناً يأتي في الحديث لفظان، أحياناً يأتي في الحديث لفظان فيهما شيء من الاختلاف، فيرجح بعض العلماء أحياناً على حسب السند من قوته وثقات رواته، وأحياناً يرجحون اللفظ الذي هو أقرب إلى صحة المعنى، مثل هذا الحديث لوضوح معناه. وأما قوله فيما جاء في رواية ابن كثير: "وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد"، "ما تقول في محمد" يعني من "ما تقول في محمد"، يعني في شيء من عدم الوضوح، والله أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله: سورة الدخان: سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، يعني خمس آيات: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُّؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله بن مسعود: إنما كان هذا لأن قريشاً لما استعصوا على النبي صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسن يوسف. يعني لما استعصوا، يعني دعاهم إلى الله فعصوه، ولم يلينوا له، ولم يؤمنوا به، فاستعصوا عليه، يعني من العصيان، فتقول: استعصت الدابة على صاحبها إذا أبت المشي، أبت المشي. واستعصت قريش على النبي عليه الصلاة والسلام، يعني لم يستجيبوا له، ولم يقبلوا دعوته عليه الصلاة والسلام. دعا عليهم بسنين كسن يوسف، يعني أن يصابوا بسنوات قحط. وهذا في قول الله عز وجل: ﴿وَسَبْعٌ﴾، وقال الملك: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾، سبع عجاف، يعني سبع سنوات شديدة فيها من القحط والشدة، وعدم نزول المطر، ونبت الزرع، وشدة في الأرزاق، ونحو ذلك. فدعا عليهم بسنين كسن يوسف، يعني سنوات شديدة، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام. فهذا فيه استجابة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وأن دعواته مستجابة، ولذلك كان المشركون يخافون من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، يخافون، يعلمون أن دعوته مستجابة. فاستجاب الله عز وجل لدعائه، فجاءت هذه السنين العجاف الشديدة، حتى أكلوا العظام، ما عندهم طعام، فجاءوا إلى العظام وفتوها وأكلوها من شدة الجوع. قال: فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. تعرفون الإنسان إذا هو جائع، ربما حتى نظره يصيبه شيء من الغشاوة، فمن شدة الجوع والجهد، ينظر أحدهم إلى السماء، يرى كأن في السماء دخان، وليس هناك بدخان، لا يوجد هناك دخان، لكن من شدة الجهد، شدة الجوع، من شدة الجوع. فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، يعني هذا ليس في يوم القيامة، ربما إذا ما عرفت هذا السبب في نزول هذه الآية، تبادر إلى ذهنك أن هذا متى يكون؟ يوم القيامة، صح. لكن له، هذه الآية نزلت في كفار قريش: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: وسيأتي بيان هذا في الرواية الأخرى، سيأتي بيان ذلك في الرواية الأخرى. قال: فأتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني جاء بعضهم، اشتكي إلى النبي صلى الله عليه، ما نال الناس من شدة، فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت من شدة ما هم فيه من الجهد والجوع والشدة. قال: "لمضر، إنك لجريء"، يعني عندك جراءة تسألني هذا الأمر. فاستسقى، فدعا النبي عليه صلى الله وآله، فسقوا. وهذا أيضاً فيه أن النبي عليه صلى الله وآله استجاب الدعوة، دعا لهم بسنين كسن يوسف، فاستجاب الله دعوته، ثم طلبوا منه السقيا، فدعا فسقاهم الله سبحانه وتعالى. قال: فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، صابتكم الشدة، هل رجعتم إلى الله؟ هل تبتم وآمنتم؟ فلو زالت عنكم هذه الشدة، إنكم لعائدون، عائدون إلى ما كنتم عليه من الشرك والكفر والعصيان. هذا معنى هذه الآية. قال: فلما أصابتهم الرفاهية، الرفاهية يعني تحسن حالهم، وذهبت الشدة عنهم، ونبت زرعهم، وسمنت مواشيهم، ونحو ذلك، أصابتهم رفاهية، في رغد من العيش، في رغد من العيش، عادوا إلى حالهم، حين أصابتهم الرفاهية عادوا إلى ما هم عليه، عادوا إلى ما هم عليه. فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾. قال: يعني يوم بدر. هذا أيضاً قد يفهمها البعض أنه يوم القيامة: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾، إنما البطشة الكبرى ما وقع لصناديد الكفر في غزوة بدر، فقد قتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون، ودفنوا في قليب واحد، وخاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه هي البطشة الكبرى. قال: الحديث أخرجه مسلم. وفيه، يعني في رواية مسلم: جاء إلى عبد الله، يعني ابن مسعود، رجل، قال: وفيه: جاء إلى عبد الله رجل، فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان. انظر، فسر هذه الآية بأنها تكون ماذا؟ يوم القيامة، على ظاهر الآية، وما رجع إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه التحذير من تفسير القرآن بالرأي دون الرجوع إلى السنة وإلى أقوال المفسرين، فالسنة موضحة ومفسرة للقرآن، ومفسرة للقرآن، فمن انفرد في فهم القرآن برأيه لا بد أن يزل، وأن يفسر بعض الآيات تفسيراً خاطئاً، ليس هو المراد، بمعنى ليس هو المراد بهذه الآية. فانظر إلى هذا الرجل، فسر هذه الآية بقوله: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فيأخذ بأنفاسهم، حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام. فأنكر ابن مسعود على هذا الذي يفسر القرآن برأيه، فقال رضي الله تعالى عنه: "من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم". إنما كان هذا، فذكره، وهو في البخاري أيضاً، يعني ذكر الحديث المتقدم، وأن معنى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي ما أصاب المشركين لما دعا عليهم النبي عليه صلاة السلام، فكانوا من شدة الجهد يرون أن ما بينهم وبين السماء كهيئة الدخان، كهيئة الدخان، فهذا في الدنيا، وليس في يوم القيامة، وليس في يوم القيامة. وقول ابن مسعود هذا يدل على أن طالب العلم يحذر من أن يقول شيئاً في دين الله عز وجل بغير علم، ولا تثبت، ولا كذلك معرفة بالمعنى الصحيح لهذا الشيء الذي يتكلم فيه. فإذا سئلت عن شيء وأنت تعلمه فقل به، وأما الشيء الذي لا تعلمه، أو تعلمه ولكن على سبيل الظن والتخمين، وليس على سبيل العلم واليقين، فهذا لا يجوز لك أن تتكلم فيه، وأن تقول به، وإنما تقول: الله أعلم. كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: "من علم علماً فليقل به"، تعلمت علماً، قل بهذا العلم، سئلت في مسألة تعلمها، قل بها، "ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم"، ومن قال: الله أعلم، فقد أفتى، والله أعلم نصف العلم. لما تقول: الله أعلم، فأنت ترد العلم إلى الله عز وجل، ولا بأس أن تبحث عن المسألة، وتتأكد من هذه المسألة، وجه الحق فيها، ثم تقول بما علمت، تقول بما علمت. فليس من العيب أن يقول طالب العلم، بل العالم: الله أعلم، لشيء لا يعلم. وهكذا كان الأئمة، يؤتى إليهم بمسائل عدة، فلا يجيبون إلا على بعض هذه المسائل، كما وقع لمن، من الأئمة، الإمام مالك، سئل عن عدة مسائل، فلم يفتي إلا في ثلاث أو اثنتين، فقال له السائل: يا إمام، جئت من بلدي كذا وكذا، والناس يحتاجون إلى هذه المسائل، وأنت تقول: الله أعلم. قال له: اذهب، فقل لهم: إن أبا عبد الله لا يعلم هذه المسائل، الله أعلم، لا يعلم. قل: لا أسألكم عليه من أجر، وما أنا من المتكلفين. لا تتكلف شيئاً لا تعلم، فتأتي بالعجائب، وتأتي بكذلك الكلام الذي يخالف المعنى الصحيح. فهذا أمر مهم جداً. الشيخ ابن باز عليه رحمة الله، مع سعة علمه، وشهادة العلماء له بالرسوخ في العلم، إلا أنه في بعض المسائل يقول: الله أعلم، المسألة تحتاج إلى بحث، المسألة تحتاج إلى نظر، في "نور على الدرب"، "نور على الدرب" يسمعه ربما آلاف المسلمين، يبث دول العالم، فيسأل عن مسألة، يقول: الله أعلم، هذه المسألة تحتاج إلى بحث، تحتاج إلى نظر. الشيخ ابن باز عليه رحمة الله. لكن الآن طالب علم ما عنده شيء، الله أعلم، أي مسألة ما شاء الله يدخل فيها، والله المستعان. فابن مسعود يقول: "فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم". إنما كان هذا، وذكر الحديث السابق، وذكر الحديث السابق. إذن الخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، هذا ما وقع لكفار قريش، لما دعا عليهم صلى الله سلم بسنين كسن يوسف. وقوله كذلك: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، أي أن النبي صلى الله وصلى سلم دعا أن يسقيهم الله عز وجل، فسقاهم، فعادوا إلى ما هم عليه، ولم يتعظوا، ولم يعتبروا بما وقع لهم من شدة. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾، هذا نزلت في يوم بدر، أي أن الله عز وجل بطش بصناديد الكفر، فقتل منهم جمع كثير في غزوة بدر. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر