الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع صفات المرأة الصالحة بأنها مطيعة لزوجها وحافظة لحدود الله في غيبته، ويناقش أقوال العلماء في وجوب خدمة الزوجة لزوجها مرجحاً رجوع ذلك إلى العرف السائد. كما يحدد مفهوم النشوز بأنه امتناع الزوجة عن طاعة زوجها في حقوقه الشرعية، ويبين أن طاعته مشروطة بعدم معصية الله وعدم التعدي على حقوقها المالية.
يشرح المقطع أن آية النساء (34) لم ترتب الوعظ والهجر والضرب ترتيبا وجوبيا، بل هي أدوات علاجية يختار الزوج الأنسب منها حسب الموقف، مستدلا بأفعال النبي ﷺ التي بدأ فيها بالهجر أو الضرب الخفيف قبل الوعظ عند اقتضاء الحال. ويؤكد أن الأصل التدرج من الأسهل إلى الأصعب، لكن الشدة قد تُقدم على اللين إن كان النشوز عظيما خشية تفاقمه.
يشرح المقطع آية النساء (34) مبينًا أن الوعظ والهجر في المضجع والضرب غير المبرح مراتب لتأديب الزوجة الناشز فقط، أما الزوجة الصالحة القانتة فتنتفع بالذكر وتستحق الإحسان لا العقوبة. ويحذر النص الزوج من ظلم الزوجة الطائعة أو إهانتها، مذكرًا بأن الله أعلى وأقدر على الزوج، وأن حسن العشرة واجب ما دامت الزوجة مطيعة.
من أحسن إلى زوجته نال خيراً من الله، ومن ظلمها أو أهانها عاقبه الله، وهذا يُعد من باب المجازاة والعقاب الإلهي في معاملة الزوجة. ويؤكد المقطع أن حسن العشرة واجب ما دامت الزوجة مطيعة، وأن الله أعلى وأقدر على الزوج.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فنازلنا في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. أخذنا إلى هنا، وأخذنا من مراد كما ذكر المؤلف: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي المطيعات لأزواجهن، الحافظات حدود الله جل وعلا، ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. واستدل بعض أهل العلم بهذه الآية على وجوب خدمة المرأة لزوجها؛ خدمة المرأة لزوجها بمعنى تصلح له الطعام، وأيضًا تهيئ له البيت، وتربي أولاده، وتطيعه في حقوقه؛ إذا أمرها امتثلت بذلك. وقالوا: إن هذا من باب طاعة الزوج أنها تخدم. وذكر بعض أهل العلم أن هذه الآية ليس فيها صراحة في هذا الباب، ولهذا قال كثير منهم: إن خدمة المرأة لزوجها هو من باب الاستحباب وليس من باب الوجوب؛ أنها من باب الإحسان لأنه أحسن إليها فهي تحسن إليه. وذهب شيخ الإسلام وغيره، وهو القول الصحيح في هذه المسألة: أن هذا راجع إلى العرف، راجع إلى عرف الناس. فإن كان في عرف الناس أن المرأة تخدم زوجها، فهذا العرف يعتبر كالواجب وكالشرط، وكما يقول أهل العلم: "المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا". فإذا عُرف عند الناس أن المرأة إذا تزوجها زوجها فإنها تخدم، من تلك الخدمة أنها تصلح له الطعام وغير ذلك مما يكون في البيت، فهذا يكون عليها واجبًا كأنه شرط؛ لأن هذا أصبح عرفًا عند الناس. وأما مثلًا بقية الأشياء من القيام بمصالح أهله، وخدمة أهله من أبويه وغيرهم، فهذا أيضًا يعتبر الصحيح أنه من الفضل ومن الإحسان، ورد الجميل من المرأة لزوجها؛ كما أنه يحسن إليها، فلذلك فهي ترد هذا الجميل بالإحسان إلى أهله. لكن لا ينبغي أن تكلف نفسها ما لا تستطيع؛ فإنه قد يضرها ذلك. فالمهم أن مثل هذه الأشياء تحتاج إلى معرفة من المؤمن؛ حتى لا يظلم المرأة في شيء ليس عليها واجب، ولا أيضًا كذلك تفرط في شيء هو عليها واجب. ثم ذكر ربنا جل وعلا بعد هذا فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال المؤلف: أي ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل، فإنه يؤدبها بالأسهل فالأ الأسهل. ف هنا النشوز: النشوز أصلًا في اللغة هو الارتفاع والعلو؛ نشز أي ارتفع وظهر. فنشوز المرأة هو علوها على زوجها وارتفاعها عن طاعته؛ أنها لا تطيع، يأمرها فلا تطيع. فلذلك سُميت امرأة ناشز، امرأة ناشز. وهذه المرأة الناشز هي التي تخرج عن طاعة زوجها، فلا تأتمر بأوامره ولا تنتهي بنواهيه، أي مما يكون فيه حقه. أما الأشياء التي هي حق الله عز وجل فلا دخل له فيها، والأشياء التي هي حقها لا دخل له فيها، لا على الصحيح من أقوال أهل العلم. وقال الجمهور: إنه لا يجوز أن يأمرها بأخذ مالها؛ معنى مثلًا عندها مال، يقول: أعطيني من مالك، لا يجوز له هذا الأمر؛ لأن هذا حق لها وحق مختص بها، فهو لا يدخل في هذا. معنى: هل هنا تجب طاعة الزوج أنه تعطيه من مالها؟ لا. أيضًا كذلك في حقوق الله عز وجل: في حقوق الله ما لم يكن هذا معارضًا لأمر حقه. إذا كان خاصة من الأمور المستحبة، إذا كان من الأمور المستحبة. أما الأمور الواجبة، مثلًا يأمرها أن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، أو يأمرها مثلًا أنها لا تقوم صلاة الفجر حتى تقارب طلوع الشمس لأجل قيامه هو، فهذا لا يجوز لها أن تطيعه. أو يأمرها مثلًا بشيء من المعاصي، مثلًا بكشف شيء من وجهها، أو بفعل النمص، أو بفعل شيء من هذه الأمور المحرمة، فهنا أيضًا لا يجوز له، لا يجوز لها أن تطيعه، وهو أيضًا لا يجوز له أن يأمرها بشيء من هذا. فلذلك هذه: إذا كان في... فما دام في حقه أشياء في حقه، فهنا إذا أمرها به فواجب أن تطيعه. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي ارتفاعهن على أزواجهن. إذا كانت المرأة ما تطيع زوجها، تريد هو الذي يطيعها وأوامرها هي التي تنفذ، وأما هو فلا تنفذ أوامره ولا تنتهي بنواهيه، فهذا ليست فيه قوامة للرجل؛ هذه القوامة ذهبت. إذا كانت المرأة هي التي تأمر وتنهى، والرجل يأتمر بأمرها، ولو كان يحبها يأتمر بأمرها وهي لا تأتمر بأمره. لو كان الأمر مثلًا أنه من الجانبين من باب الإحسان من الزوج لزوجته لا بأس، لكن أنها هي التي ينفذ أمرها وهي لا تنفذ أمر زوجها، فهذا خطأ، وهذا أيضًا سلب القوامة. فلذلك الله عز وجل جعل القوامة للرجال كما قد ذكرنا في أول الآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي بما اختص الله عز وجل الرجال بأمور مما تجعلهم لهم القوامة، وهي لا تكون غالبًا في النساء، وكذلك ﴿بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ هن اللاتي يعرفن هذه الحقوق، ولهذا حث الشرع على اختيار المرأة الصالحة؛ لأنها هي التي تعرف هذه الأمور. وسياتي معنا أيضًا: إذا نشزت المرأة، المرأة عندها ضلع أعوج كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، أحيانًا حتى ولو كانت امرأة صالحة تجد فيها عوجات، فتريد أن تقيمه، أحيانًا ما تستطيع. فذكر الله عز وجل هناك علاج لهذا النشوز: إذا كانت هذه المرأة لا تطيع زوجها، لا تسمع لكلام زوجها، هناك أشياء ينبغي أن يفعلها الزوج. أولًا: قال الله عز وجل: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. وهذا الواو هنا ليس الواو للترتيب، ليس الواو هنا للترتيب؛ بمعنى: أولًا يعظها، ثم بعد ذلك يهجرها، ثم يضربها. لا، هذه الواو فقط لذكر العلاج؛ معنا: العلاج يكون بهذه الثلاثة الأشياء: إما بالوعظ، وإما بالهجر، وإما كذلك بالضرب. لكن الأولى هو أنه كما ذكر الله عز وجل يتخذ الأسهل فالأ الأسهل: أولًا الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب. لكن ليس هذا ترتيبًا ممكنًا أنه يقدم شيء من هذه الأمور على الآخر. فمثلًا على سبيل المثال: ما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء أراد أن يدخل إلى بيته، فرأى قرامًا فيه التصاوير، فغضب وهتكه، ودخل البيت ولم يسلم عليها، وهي كانت معتادة أنه يسلم عليها، فخافت، فقالت عائشة: "أتوب إلى الله، ماذا فعلت يا رسول الله؟" فقال: "إن هؤلاء الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم". فهنا النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالهجر؛ لم يسلم عليها، لم يسلم عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وغضب، فلم يعظها في هذا الأمر، فاستخدم الهجر قبل الوعظ، استخدم الهجر قبل الوعظ. أيضًا كذلك مثال آخر في صحيح مسلم أيضًا: حديث عائشة لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى المقبرة في الليل. خرج النبي صلى الله عليه وسلم في الليل إلى البقيع، جاءه جبريل وأمره أن الله عز وجل يأمره أن يخرج إلى البقيع. فالنبي عليه الصلاة والسلام اضطجع، وضعنا عليه تحته، وبرده تحته، واضطجع في فراشه. فوجد عائشة اضطجعت، لما اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم اضطجعت حتى ظن أنها قد نامت، ظن أنها قد نامت وهي لم تنم. فقام وأخذ رداءه رويدًا، وأخذ نعليه رويدًا، معنى: قليلًا قليلًا حتى لا يوقظها، وفتح الباب أيضًا رويدًا، وخرج وأغلقه رويدًا. هكذا قالت عائشة رضي الله عنها. ثم خرج، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "فاختمرت بخماري، وتجلببت جلبابي، وخرجت خلفه"، أنا تريد أين يذهب النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الساعة، أو قد تكون خافت عليه، أو غارت كما جاء في الحديث: "أجاءك شيطانك؟". فالنبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى البقيع ودعا لهم، وكانت خلفهم. فلما انصرف انصرف، أراد أن يرجع، انصرفت فيها، فمشى ومشت، فأسرع وأسرعت، وهرول وهرولت، معنى: كأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يسبق من هذا الذي أمامه، كان في الليل. قالت: "فدخلت البيت واضطجعت في فراش، كأنها لم تخرج". فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم سمع معنى: الإنسان لما يجريه كذا يلهث ويتلهذ كما نقول. فقال: "يا عائشة، ما لأراك حشية رابية؟ حشية رابية في شيء حصل حتى حتشيتي، والآن تلهفين؟". فذكرت له ما حصل. فقال: "إذن أنت السواد الذي كان أمامي؟" قالت: نعم. قالت: "فلهزني لحزة في صدري حتى أوجعتني". قالت: قال: "أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟". أن يضربها في صدرها، فهذا يعتبر من الضرب. معنى: أنها ما أراد منها أن تفعل ذلك الفعل، فاستخدم الضرب قبل الوعظ. وكذا هذا الضرب معنى لطيف، أحيانًا يستخدمه الإنسان لأجل ردع الزوجة. ليس معنى ضرب: ضرب غضب، يأتي بعصا ويأتي بكذا، ليس المراد هذا، إنما فقط ضرب يبين لها أن هذا الذي فعلته خطأ، لا ينبغي أن تفعل مثل هذا. مثل ما نغز أبو بكر عائشة رضي الله عنها في بطنها. فلذلك قال: فقالت: "فلهزني لحزة في صدري حتى أجعتني". فقال: "أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟". فلذلك فهنا كما قلنا: ليس المراد الترتيب، لكن الذي ينبغي على الزوج أنه يتخذ الأسهل فالأ الأسهل، الأسهل فالأ الأسهل. لكن أحيانًا يحتاج إلى الشدة، يحتاج إلى الشدة في بداية الأمر، ما يحتاج إلى اللين، وكذا الأسهل. لكن هذا في غالب الأمور، لكن أحيانًا يحتاج إلى شدة أكثر منه إلى... إذا كان الأمر عظيم، ما يحتاج إلى لين. مثلًا قد تكون مثلًا هذه المرأة تفعل أشياء كبيرة، مثلًا تراسل رجال، تفعل كذا، معنا: مثل هذه الأمور العظيمة لا تحتاج إلى وعظ لين، تحتاج صحيح إلى وعظ، لكن أيضًا تحتاج إلى شدة حتى تعلم أن هذا الأمر ليس هينًا، وليس الأمر بالسهل. فإذا تساهل الزوج في مثل هذه الأمور تتفاقم بعد ذلك وتكبر، وتكون أشياء أخرى. فلذلك الله عز وجل قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَاعِظُوهُنَّ﴾. أولًا يعظها ويكلمها ويذكرها بالله. ولهذا كما قلنا: حث الشرع على اختيار المرأة الصالحة، لماذا؟ لأنه إذا جاء وعظها ستتعظ، تذكرها بالله ستتذكر، خوفها بالله ستخاف. أما المرأة التي لا تبالي أصلًا، مقصرة في صلاتها، مقصرة في طاعة زوجها، مقصرة في كذا، سواء كان وعظها أو لم يعظها. لكن المرأة التي تخاف الله، فإنه إذا ذكرها بالله خافت، تذكرت خوفها بالله: أن هذا ما يجوز، أنك تعصين، أنك تفعلين كذا، هذا ما يجوز، هذا يخالف الشرع. تتعظ بمثل هذه الأمور لأنها امرأة صالحة تخاف الله، وهمها هو رضا الله جل وعلا. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَاعِظُوهُنَّ﴾. فالمرأة صالحة تنتفع بالذكر وتنتفع بالوعظ. إذا لم تنتفع بالوعظ، مثلًا استخدم أساليب أخرى معها. فقال: ﴿فَاعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. الهجر يكون في المضجع. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قال بعض أهل العلم: أن يقلب ظهره، يعطيها ظهرها. وقيل: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أي لا تضاجعوا عندها، لا تناموا عندها. وهل يخرج من البيت؟ هذه مسألة في خلاف. لأنه جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن حق المرأة على زوجها، قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه، ولا تهجر إلا في البيت". لا تقول: قبح الله وجهك، ولا تهجر إلا في البيت؛ يعني لا تهجر لا تخرج خارج البيت. لكن قال بعض أهل العلم: يجوز أحيانًا أن الرجل يخرج خارج البيت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هجر أزواجه، جعل له مشربة وحدها، معنى: جعل له مشربة، معنى: مكان، غرفة فوق شجرة، وكذا مكان مرتفع. ففعله وترك أزواجه شهرًا على أزواجه شهرًا عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أنه يجوز أحيانًا أن يخرج الرجل من بيته في الهجر. لكن الأصل أنه لا يهجر إلا في البيت، يبقى في بيته لكن لا يأتي غرفة النوم، أو يكون في غرفة النوم لكن لا يأتيها، فهذا يعتبر من الهجر. معنى: يرى المصلحة في هذا. وقد يكون أيضًا الهجر للتأديب بعدم الكلام، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أحيانًا. ومن ذلك أيضًا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من هجر أزواجه، فهذا يجوز أحيانًا أن يفعل ذلك الرجل لأجل التأديب. قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. الضرب كما قلنا: قال هنا: "فيهجرها الزوج في المضجع بأن لا يضاجعها ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح، غير شديد، ضرب مما يكون فيه تذكرة فقط لها، وأن هذا الفعل الذي فعلته خطأ". مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة، قالت: "لهزني لحزة في صدري". قال: "فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلًا". يعني: إذا كانت المرأة طائعة، لا ينبغي الإنسان أن يفعل شيء من هذه الأمور، مثلًا يعنفها، أو يهجر مضجعها، أو كذلك يضربها. فإن هذا من الظلم. ومن لا يهينها كذلك، ولا يقبح وجهها، ولا يسبها، وغيرها من هذه الأمور التي تفعل بدون ذنب، فلا ينبغي للإنسان أن يعاقب زوجته وهي لم تذنب، بل هي طائعة له. أحيانًا بعض الأزواج عندما يرى المرأة طائعة له، يزيد في إهانتها، وهذا خطأ وظلم. معنى: ما ينبغي له أن يزيد في إهانتها وهي طائعة له. معنى: لما يجدها عندها سكينة وعندها طاعة، يقوم يهينها، يهينها بكلامه، ويرفع صوته كذا. فالواجب الذي ينبغي أن يكون مدامة: أن المرأة طائعة له وخاضعة له، أنه يحسن إليها ويزيد في إحسانه إليها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". فليس معنى أنه إذا رأى المرأة طائعة يزيد في إهانتها، وكأنه يراها خادمًا عنده. فلذلك قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. أي: أعلى منك أيها الزوج. إذا أهنت زوجتك وهي بدون سبب، إما تضربها، وإما أنك تهجرها، وإما أنك تهينها بدون سبب، فالله عز وجل أعلى منك وسيعاقبك. فلذلك قال المؤلف هنا عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾: أي له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. الكبير الذي لا أكبر منه، ولا أجل، ولا أعظم. كبير الذات والصفات. ومناسبة كما ذكر بعض أهل التفسير: مناسبة ذكر هذين الاسمين في هذا المكان: أنه إذا كان الزوج له العلو على زوجته، فأيضًا لا ينسى أن الله عز وجل أقدر عليه من هذه المرأة، فلا يظلمها. فلذلك هذه الآية جمعت إحسانًا وحقوقًا عظيمة، وهذا من وسطية هذا الدين العظيم. الله عز وجل أمر الأزواج أنه تكون لهم القوامة، تكون لهم الطاعة، والمرأة تكون مطيعة لزوجها، لكن لا يظلمها، ويهينها، وأيضًا كذلك يعاملها كأنها خادمة عنده وليست زوجة له، فيكون غبنًا. فما دامت أنها طاعة، فهو يحسن إليها أكثر من إحسانه من قبل. كلما كانت الطاعة، كلما كان أحسن إليها، وأيضًا يعاملها معاملة طيبة؛ لأنه يرى الطاعة منها، وليس العكس. فلذلك إذا ظلمها، وأيضًا كذلك لم يحسن إليها، فإن الله عز وجل أقدر عليه وأعلى منه سبحانه وتعالى، وله العلو المطلق جل وعلا، فهو سيعاقبه بظلمه لهذه المرأة. فهذا من باب المجازاة، وكذلك من باب العقاب. فإذا أحسن إلى زوجته كان له الخير من الله جل وعلا والإحسان، وإذا ظلمها وأهانها فإن الله عز وجل يعاقبه. طيب، هذا ما يذكر في هذا المقام. الله تعالى أعلم.