الصحيح المسند من أسباب النزول  95

الصحيح المسند من أسباب النزول 95

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 95، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الإيثار وقصة الأنصاري مع ضيف النبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع معنى الإيثار بتقديم حاجة الغير على النفس مع الخصاصة، ويسوق حديث الأنصاري الذي آثر ضيف النبي بطعام صبيانه وأطفأ السراج ليوهمه الأكل، فنزلت آية ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾.

قصة الأنصاري وزوجته في إيثار الضيف ونزول آية الإيثار

يروي المقطع قصة الصحابي الأنصاري وزوجته اللذين آثرا ضيف رسول الله ﷺ بطعامهما الوحيد وأطفآ السراج وأوهموا الضيف بالأكل بينما هما طاويان، فنزلت آية الإيثار. ويبين الفرق بين الإيثار وإطعام الطعام على حبه، وأن أفضل الصدقة جهد المقل.

الإيثار: فضله وصوره وآداب الضيافة

الإيثار مقام أرفع من الإطعام على حبه، وتجلى في موقف صحابة اليرموك الذين آثروا إخوانهم بالماء حتى ماتوا عطشاً، وهو من أسباب الفلاح. كما تضمن الحديث آداب الضيافة كأكل المضيف مع ضيفه وتقريب الطعام إليه، مع التنبيه على أن علم النبي بالغيب بوحي وضرورة عدم انشغال الدنيا عن الدين.

ختام الدرس والاكتفاء بما تيسر

يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما تم تناوله، مشيراً إلى أن الحال لم يمنع من إكرام الضيف أو التقرب إلى الله. ويختم بقوله: والله تعالى أعلم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. الإيثار هو أن يقدم المسلم حاجة غيره من المسلمين على حاجة نفسه، فيبدأ بالناس قبل نفسه وهو محتاج لهذا الشيء الذي أخرجه وأنفقه. مثاله: أنت بحاجة إلى فرش تنام عليه، فوجدت هذا الفرش واشتريته أو ملكته، فرأيت أن أخاك المسلم ما عنده فرش، فأعطيته هذا الفرش وأنت بقيت من غير فرش. هذا يسمى إيثاراً، وهو خلق رفيع حث عليه الإسلام ومدح أهله كما سيأتي معنا في هذا الحديث. فهو كذلك مثال لمعنى الإيثار. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يَضُمُّ - أو يُضِيفُ - هَذَا؟» أو «مَن يُضِيفُ هَذَا؟» فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته، فقال: «أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: «هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً». فهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا. ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ - أَوْ عَجِبَ - مِنْ فِعَالِكُمَا». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. الحديث ذكره أيضاً في كتاب التفسير، وأخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي، وابن جرير، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. كذا قال، وأنت ترى أنهما قد أخرجاه. وهذا من أوهام الحاكم، فمن أوهامه أن يأتي إلى حديث في الصحيحين فيقول: لم يخرجاه، وهما قد أخرجاه. فالحديث في الصحيحين. وهذا الحديث فيه تفسير لمعنى الإيثار. فجاء رجل، وجاء في بعض الروايات أنه ضيف وجائع، فنزل عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كضيف. فبعث النبي عليه الصلاة والسلام إلى نسائه: «عِنْدِي ضَيْفٌ، هَيِّئُوا لَهُ طَعَامًا، هَيِّئُوا لَهُ طَعَامًا». فكان الجواب من بيوت النبي عليه الصلاة والسلام: ما معنا إلا الماء. سبحان الله! تسع أبيات، لا أحد عندها طعام، ما عندهم إلا الماء فقط. انظروا إلى الحال الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا صابرين ومحتسبين. وقد جاء عن عائشة أنها قالت: «إِنَّهُ لَيَمُرُّ الْهِلَالُ تِلْوَ الْهِلَالِ تِلْوَ الْهِلَالِ، لَا يُوقَدُ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ». فَقِيلَ لَهَا: وَمَا طَعَامُكُمْ حِينَئِذٍ؟ مَاذَا تَأْكُلُونَ إِذَنْ؟ فَقَالَتْ: «الْأَسْوَدَانِ طَعَامُنَا: التَّمْرُ وَالْمَاءُ». التمر والماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يَضُمُّ - يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ؟» يعني: من يأخذ هذا الضيف، يَضُمُّ يعني: يأخذه ويؤويه ويكرمه ويضيفه. فقال رجل من الأنصار: أنا. وما يدري ما معه في بيته. قال: «أَنَا». وما يدري ما معه في بيته. فانطلق به، ذهب بهذا الضيف إلى امرأته، فقال: «أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ». ضيف رسول الله، ضيفنا، وإكرامه إكرام لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال لزوجته: «أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. انظروا ما عندها، ما تكرم وتضيف به هذا الضيف إلا طعام الصبيان، حتى طعام زوجها وطعامها ليس بموجود، إنما هو طعام الصبيان فقط. فقال لها: «هِيَ طَعَامُكِ». قرب هذا الطعام، وجهزه. «وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ» يعني: أصبحي سراجك، يعني: اجعلي هذا السراج يضيء، يضيء. وفي رواية: «ثُمَّ قُومِي إِلَيْهِ كَأَنَّكِ تُصْلِحِينَهُ، ثُمَّ أَطْفِئِيهِ». أمرها أن تطفئ هذا السراج حتى لا يرى الضيف قلة الطعام وعدم أكل أهل البيت من هذا الطعام. «وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ». نومي الصبيان دون عشاء. قالت: «ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا...». قال: «وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً». عشاء بفتح العين: هو الطعام الذي يؤكل في الليل، يقال له عشاء. وأما العشاء بالكسر فيطلق على الصلاة، صلاة العشاء، صلاة العشاء. قال: «فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا» يعني: ولعت سراج. «وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا» كما أمرها زوجها. ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، يعني: أشعرت الضيف أن السراج انطفأ ليس عمداً وإنما لخلل فيه، كَأَنَّهَا تُصْلِحُ فَأَطْفَأَتْهُ. فَجَعَلَ - يعني الأنصاري وزوجته - يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ. هُوَ مَا يَرَى شَيْئاً، لَكِنْ يُمَثِّلَانِ لَهُ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، إِمَّا بِالْحَرَكَةِ وَإِمَّا بِسَمَاعِ شَيْءٍ مِنْ تَحَرُّكِ الْفَمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهُمَا لَا يَأْكُلَانِ شَيْئاً. انظروا إلى الكرم وإلى الإيثار! هما جائعان، وصبيانهم جائعون، وآثرا هذا الطعام لضيفهما، لضيفهما، ضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذن قال: «فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ». طاويين: البطن من الجوع. فأعلم الله عز وجل نبيه بخبر الأنصاري وزوجته مع ضيفه، أطلع الله عز وجل هذا الأمر نبيه عليه الصلاة والسلام. فلما أصبح هذا الأنصاري، غدا إلى رسول الله، ذهب كعادته إلى مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا». وهذا فيه شك من الراوي، وعلى كل فكل الصفتين قد وردت بهما الأدلة، وأنهما صفتان ثابتتان لله عز وجل: الضحك والعجب. ففي القرآن: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ على قراءة، وفي أحاديث أخرى ورد فيها إثبات هذه الصفة لله، وكذلك الضحك ورد في أحاديث أخرى ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث على إحدى اللفظتين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. والخصاصة هي الحاجة، والخصاصة هي الحاجة، يعني: ولو كان بهم حاجة إلى هذا الشيء، إلى هذا الطعام، إلا أنهم آخروا به غيرهم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: يدل على هذه الصفة كذلك، وعلى فضلها والحث عليها، ما جاء عند النسائي، وهو حديث صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ». أفضل الصدقة جهد المقل، يعني: إنسان ما عنده مال، عنده الشيء اليسير القليل، ومع هذا يتصدق. تجد ربما ما يدري هل سيجد قوت يومه أو لا، وعنده مال يسير، يتصدق بهذا المال. هذا أفضل الصدقة لأنه لا يخشى الفقر ويأمل الغنى، وهو بحاجة إلى هذا المال، ومع هذا فإنه يتصدق به. فهذا فيه معنى هذا الخلق، وهو الإيثار. وذكر العلماء أيضاً أن الإيثار، وأن هذا المقام أعلى من حال الذي وصف الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾. الإيثار أرفع من هذا الوصف. لماذا قال العلماء؟ لأن الإيثار معناه: إعطاء الغير شيئاً أنت بحاجة إليه، أنت بحاجة إليه، فقدمت غيرك عليك. أما هذه الآية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، فلا يلزم منه أنهم بحاجة إلى هذا المال، وإنما هم يحبونه، فمع حبهم له أنفقوه وتصدقوا به. فمثلاً: إنسان عنده عشرة ملابس، عشرة قمص مثلاً، فقال: سأتصدق بأحد هذه القمص، فتصدق بواحد من هذه القمص، ولربما هذا القميص من أفضل القمص عنده، فتصدق به. هذا لا يسمى إيثاراً، لماذا؟ لأنه ليس بحاجة أصلاً إلى هذا القميص، معه غيره. لكن الإيثار: تصدق بشيء وما معه غيره، معه قميص واحد، تصدق به، هذا يسمى إيثاراً. لكن معه عشرة، معه خمسة، تصدق بواحد، هذا يطعم الطعام وهو يحبه. مثلاً: عندك على سبيل المثال طعام، عندك اثنان كيلو مثلاً من العنب، فقلت: سأتصدق بكيلو، وأنت تحب هذا الطعام أن تأكله في يوم أو يومين، محبتك له، تصدقت ببعضه. هذا يسمى إطعام على حبك بهذا المال، ولا يسمى إيثاراً، لأنك أبقيت لنفسك، أبقيت لنفسك. فقالوا: الإيثار أعلى من معنى هذه الآية ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، وكذلك من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ في سورة البقرة. فالإيثار مقام أرفع، مقام أرفع. وذكر أهل التاريخ قصة عجيبة في معنى الإيثار، ذكرها الحافظ ابن كثير بمواضع من تاريخه، وكذلك في تفسيره لهذه الآية، وهو ما وقع يوم اليرموك في هذه الغزوة. فإن بعض الصحابة، مثل عكرمة وبعض أصحابه، جرحوا في هذه الغزوة، فصار كل واحد منهم بحاجة إلى شيء من الماء، وكلهم جريح، أحوج ما يحتاج إلى هذا الماء، وكان معهم قليل من الماء. فعندهم من المسلمين من يناول أحدهم هذا الماء، يناول أحدهم هذا الماء، فكل منهم يأمر بدفع هذا الماء إلى صاحبه، يأمر بدفع هذا الماء إلى صاحبه، يقول له، يشير عليه: أن أعطِ صاحبك. فيذهب به عند الثاني، والثاني يقول: أعطِه ذاك، الثالث. فدار عليهم هذا الماء، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشرب أحد منهم هذا الماء. ذكروا هذا في هذه الغزوة. فهذا أيضاً من معنى الإيثار، كل واحد آثر أخاه على نفسه، آثر أخاه على نفسه. ينبغي أن نجاهد أنفسنا على العمل بهذا الخلق: في بيتك، كذلك مسجدك، في المركز الذي تدرس فيه، حاول، ولو أن تعمل بهذا الخلق مرة واحدة. أنت بحاجة إلى شيء، وأخوك بحاجة إليه، فاضبط نفسك وهذب نفسك بأن تعطي هذا الشيء الذي أنت أحوج ما تحتاج إليه لأخيك. ولو أنت تعمل به مرة واحدة، خصوصاً طلاب العلم، فإنهم بحاجة إلى أن يكون هذا الخلق فيما بينهم. ولما كنا في دماج عند شيخنا الوادعي، ترى هذا الخلق بين كثير من طلاب العلم، لقلة ذات اليد، ولي كذلك حاجة كثير من الطلاب إلى أشياء كثيرة في حياتهم اليومية، فذاك يعطي أخاه الفرش، وذاك يؤثره بملابس أو بالمنظفات أو نحو ذلك. وما قامت مراكز العلم إلا بالتعاون والإيثار، الإيثار. إذن قال الله عز وجل في آخر هذه الآية: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومن يوق شح نفسه، أولئك... ومن يفلحون. من وقى نفسه البخل، شح نفسه يعني: بخل النفس، فأنفق وجاد وآثر غيره، فأولئك هم المفلحون. هذا من أسباب الفلاح: أن تؤثر غيرك عليك، وأن تقدمه على نفسك. هذا من أسباب الفلاح: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة، من هذه الفوائد: بعض آداب الطعام. فمن آداب الطعام: الأكل مع الضيف حتى يأنس، وحتى يأكل ويشبع. لكن لو تركت الضيف وحده لاستحى، وربما ظن أن الطعام لا يكفي، فلذلك أعطي له الطعام وحده. فمن إكرام الضيف أن تأكل معه. بل ذكر بعض أهل العلم أن من إكرام الضيف أن لا تقوم قبله حتى لا يستحي ويقوم، بل تداريه وتجاريه، فلا تقم حتى يشبع وينتهي من الطعام. ومن آداب الطعام أيضاً: أن يقرب الطعام إلى الضيف، ولا يقال: «قُمْ وَكُلْ»، وإنما يقرب إليه. قال الله عز وجل: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾. فمن إكرام الضيف أن يقرب إليه الطعام، وأن يؤكل معه. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه. فقوله: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا»، هذا بإخبار من الله عز وجل، ولذلك نسب ذلك إلى الله: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا». ومن فوائد هذا الحديث: الحال الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، الحال الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من الشدة وقلة ذات اليد، فما منعهم ذلك من القيام بدين الله، والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وكذلك التقرب إلى الله. فلا تكن الدنيا والانشغال بها سبباً في ابتعادنا عن ديننا، وعن عبادة ربنا سبحانه وتعالى. لأن هذه الدنيا إذا وجد فيها الإنسان قوت يومه فليحمد الله، فليحمد الله عز وجل إن وجد فيها قوت يومه، لأنها زائلة فانية لا تستحق الاهتمام والحرص، وكذلك الانهماد فيها والانشغال بها أبداً. فما تيسر منها يرضى المسلم به. فما منعهم هذا الحال على أن يكرموا ضيفهم، ولا أن يتقربوا إلى ربهم أبداً. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر