تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 34

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 34

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم نكاح زوجات الآباء والأجداد بمجرد العقد

يبيّن المقطع أن تحريم نكاح ما نكح الآباء يشمل الأبوين والجدين من الجهتين، ويثبت بمجرد عقد النكاح دون حاجة للدخول، مع التمييز بين الجد والعم أو الخال اللذين لا تدخل زوجاتهما في هذا التحريم.

حكمة تقديم زوجة الأب في آية المحرمات وحكمها في الجاهلية والإسلام

يوضح المقطع أن الله قدم ذكر زوجة الأب في آية المحرمات لأن نكاحها كان معمولاً به في الجاهلية، بخلاف الأم والبنت، ويستشهد بحديث البراء بن عازب في قتل من تزوج امرأة أبيه في الإسلام، مؤكداً أن التحريم يثبت بمجرد العقد وتكون حرمة مؤبدة.

حكم من تزوج امرأة أبيه جاهلاً والفرق بين الفسخ والطلاق

يفسر المقطع استثناء ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ مبيناً أن من تزوجها جاهلاً يجب عليه فسخ العقد لا الطلاق لبطلان العقد، ويصف هذا الفعل بالفاحشة العظيمة والمقت من الله والناس، مع الإشارة إلى فرع فقهي متعلق بزنى العبد بامرأة الأب.

حكم زواج الابن من امرأة زنى بها أبوه وخلاف العلماء

يعرض المقطع خلاف العلماء في جواز زواج الابن من امرأة زنى بها أبوه، حيث ذهب بعضهم للمنع احتياطاً، ورأى الجمهور الجواز لأن الزنى لا يثبت حرمة مصاهرة، وإنما تثبت الحرمة بالعقد الشرعي فقط.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾، قال: "أي لا تتزوجوا من النساء ما تزوجه آباؤكم"، أي الأبوان، فهذه الآيات هي آيات المحارم، ما يحرم على الرجل من النساء، وبدأ بزوجة الأب، ويدخل في ذلك أيضًا زوجة الجد، وسواء كانت جده من أبيه أو من أمه، فإن زوجة جده من أبيه تدخل في هذه الآية، وزوجة جده من أمه أيضًا تدخل في هذه الآية. لا يجوز للابن أن يتزوج زوجة جده، وليست زوجة جده أي عمه أو خاله كما يفهم بعض الناس، أو عم أمه أو عم أبيه، فهذا ليس جده، وإن كان يسمونه هنا في مناطق كثيرة جده، لكن ليس هو جده، وإنما هو عم أو خال، عم الأم وعم الأب يعتبر عمًا، وكذلك خال الأم وخال الأب يعتبر خالًا للشخص، فهؤلاء زوجاتهم تحل، بمعنى لو مات عمه وأراد أن يتزوج زوجة عمه الذي قد توفي أو طلقها وانتهت عدتها فيجوز، وكذلك خاله إذا مات خاله أو طلق زوجته فأراد ابن أخته أن يتزوجها فيجوز. لكن التي تحرم هي زوجة الجد، جد هو جد، بمعنى أب الأب أو أب الأم، وما إلى ذلك. فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، أي امرأة يتزوجها الأب أو الجد بمجرد أن يعقد عليها، وإن لم يدخل عليها، فتحرم على ابنه، وعلى من جاء من نسله، أبناء أبنائهم وأبناء بناتهم، فلا يجوز له أن يتزوج امرأة أبيه أو امرأة جده بمجرد أن يعقد عليها. إذا عقد الأب على امرأة فهي تحرم على أبنائه، تحرم على أبنائه بمجرد العقد. وهنا قوله: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا ﴾، المراد به النكاح هنا العقد فقط دون الوطء، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الربيبة أنه لابد أن يدخل على أمها، لكن زوجة الأب تحرم بمجرد العقد. إذا عقد على امرأة فيحرم على الابن أن يتزوجها، أن لو قال مثلًا إنسان يريد أن يتزوج امرأة وهو أب لأولاد، فرأى مثلًا أن هذه البنت صغيرة، فعقد عليها، ثم لما رآها رآها صغيرة، قال: أزوجها أحد أبنائي، فهذا لا يجوز، فبمجرد العقد تحرم، بمعنى حرمة مؤبدة، أنه خلاص ما يجوز له أن يتزوج، تكون محرمة له. والله عز وجل ذكر بعض المفسرين: لماذا أن الله عز وجل بدأ بزوجة الأب؟ ولا شك أن نكاح الأم أعظم وأوقع في النفوس من ناحية الإثم والعظم، والبنات كذلك، لماذا قدم زوجة الأب؟ قال أكثر من أجاب على هذا: قالوا لأن هذا كان جائزًا عند أهل الجاهلية، أن أهل الجاهلية ما كانوا يجوزون للرجل أن ينكح أمه أو ينكح ابنته أو أخته، لكن كانوا يجوزون أن ينكح الرجل زوجة أبيه. قد ثبت عن جماعة من الصحابة قبل أو في الجاهلية أنهم تزوجوا زوجة أبيهم، بل جاء في حديث السنن حديث البراء أنه قال: رأيت لواء معقودًا مع أبي بردة بن نيار وهو خاله، فقال: فقلت له: إلى أين؟ قال: أرسلني النبي عليه الصلاة والسلام إلى رجل تزوج بامرأة أبيه، أن أقتله. فهذا كان موجودًا عندهم في الجاهلية أن يتزوج الرجل زوجة أبيه، لهذا بدأ الله عز وجل، معنى هذا جوابهم على هذا، أنه بدأ الله عز وجل بهذا لأنه كان موجودًا عند أهل الجاهلية. ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾، قال: "إلا ما قد سلف"، المراد لكن ﴿ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ أي ما قد حصل منكم، فهذا معفو عنه، لكن من كان معه زوجة أبيه يطلقها، من كان معه زوجة أبيه فإنه يجب عليه أن يطلقها، لكن من فعل ذلك قبل أن يعرف التحريم فإنه يفسخ العقد، حتى لو كان الآن مثلًا لو كان إنسان مثلًا لا يدري، أو يعيش مثلًا في مكان بعيد عن العلم، أو في الدول الكافرة مثلًا، فتزوج زوجة أبيه وهو لا يعلم أنه حرام، فهنا يقال له: لابد أن يفسخ العقد، ليس الطلاق، ما يعتبر هنا الطلاق، وإنما يعتبر فسخ، يفسخ العقد لأنه تزوج بامرأة لا تحل له، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾، إلا هنا بمعنى لكن، ﴿ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾. ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ أي أمرًا قبيحًا يفحش ويعظم قبحه، ﴿ وَمَقْتًا ﴾ أي مقتًا من الله لكم ومن الخلق، بل يمقت بسبب ذلك الابن أباه والأب ابنه مع الأمر ببره، معنى كيف يتزوج أمه وهو أخوه مثلًا، كيف يتزوج أمه سيكون هذا في شيء بينه، معنى أخوه يتزوج أمه، إلا إذا، أقصد إذا كان أخوه مثلًا، معنى ما سيكون أخاه إلا من أبيه إذا كانت أمه أخرى، إلا مثلًا إذا كان رضاعًا فهذه مثلًا اختلف فيها وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها، وأما إذا كان أخوه لنسب فهذا لا يجوز، لا يجوز له أن يتزوج هذه زوجة أبيه. ﴿ وَمَقْتًا ﴾ أي من الله ومن الخلق، معنى من إخوانه، ﴿ وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ أي بئس الطريق طريقًا لمن سلك، لأن هذا من عوائد الجاهلية التي جاء الإسلام بالتنزه عنها والبراء منها، لهذا فهي طريقة غير صحيحة، طريقة سيئة أن يتزوج الرجل امرأة أبيه. وإذا مثلًا ذكر العلماء فرع في هذه المسألة: إذا زنى العبد بامرأة فهل يحل للابن أن يتزوجها؟ معنى إذا زنى بامرأة دخل عليها، معنى من باب الحرام، فهل يجوز للابن أن يتزوجها؟ فقال بعض العلماء: لا، من باب الاحتياط، لكن قول الجمهور أنه جائز، لأن الزنى ليس له حرمة، الزنى ليس له حرمة، وأيضًا لأن الآية هنا فيها العقد، فإذا عقد عليها فإنه لا يجوز له أن يتزوجها أبدًا، لكن إن لم يعقد عليها فيدل على جواز أنه يتزوجها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر