الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 82، ألقاها
يتناول هذا الفصل الأدلة على جواز كتابة الحديث النبوي من خلال أحاديث وآثار صحيحة تشير إلى أن الصحابة كانوا يكتبون ما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين أن النبي أجاز لهم ذلك في بعض الأحيان.
يبرز هذا الفصل أهمية تدوين العلم والحث عليه من خلال أقوال السلف والأحاديث النبوية، حيث كانوا يحثون على كتابة العلم ليحفظ من الضياع. كما يورد العديد من الآثار التي تبين حرصهم على تدوين ما سمعوه.
يتناول هذا الفصل آثار السلف الصالح في كتابة التفسير والحديث، حيث كانوا يكتبون ما يسمعونه من العلماء في صحف أو أوراق. يشير إلى أن بعض العلماء كانوا يرخصون في الكتابة بينما البعض الآخر يكتب دون إذن صريح.
يؤكد هذا الفصل على أهمية تعلم العلم وحفظه أو كتابته من خلال أثر عن الحسن بن علي الذي أوصى بنيه وبني أخيه بذلك، مشددا على قيمة العلم في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين. في الماضي ذكره بامر كره كتابة العلم، وذكرنا الخلاف الذي حصل بين أهل العلم في هذه المسألة، وعلمنا أن أكثر أهل العلم على جواز كتابة الحديث، وأن هذا النهي أو هذا الخلاف قد رفع، وأن النهي عن كتابة العلم والحديث كان في أول الأمر خشية اختلاط القرآن بغيره، فلما أمن ذلك أجاز النبي صلى الله عليه وسلم كتابة الحديث. في هذا الباب سيذكر رحمه الله بعض الأحاديث والآثار في جواز كتابة الحديث. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن أحمد، قال حدثنا سفيان، عن عمر، عن وهب بن المنبه، عن أخيه، أنه سمع أبا هريرة يقول: ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وهذا الأثر صحيح، وهو في الصحيح. فأخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن عبد الله بن عمر كان يكتب أي ما يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث، وأبو هريرة رضي الله عنه كان يعتمد على حفظه. قال رحمه الله: أخبرنا مسدد، قال حدثنا يحيى، عن عبيد الله بن الأخنس، قال حدثني الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمر، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: أكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق. وهذا الحديث خرج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه. والنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أجاز لعبد الله بن عمر أن يكتب عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يسمعه في حال الغضب والرضا، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتكلم إلا بحق. والشاهد قوله: «أكتب»، وهذا فيه دليل على جواز كتابة الحديث. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن الصالح، قال حدثني الليث، قال حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبد الواحد بن قيس، قال أخبرني مخبر عن عبد الله بن عمر، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أروي من حديثك، فأردت أن أستعين بكتاب يدي مع قلبي، إن رأيت ذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان قاله عي حديثي، ثم استعين بيدك مع قلبك». هذا الحديث فيه غف عبد الله بن الصالح، كاتب الليث، فيه مقال، وفيه رجل مبهم. قال رحمه الله: أخبرنا عثمان بن محمد، قال حدثنا يحيى بن إسحاق، قال حدثنا يحيى بن أيوب، عن أبي قبيل، قال سمعت عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولا، قسطنطينية أو رومية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا بل مدينة هرقل أولا». وهذا الحديث صحيح، والشاهد قول عبد الله بن عمر: «ونحن حول رسول الله نكتب»، وفيه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالكتابة، مما يدل على جواز ذلك، وأن ما ورد من النهي عن كتابة الحديث فهو منسوخ. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، عن أبي غمرة، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، أن اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحديث عمرة، فإني قد خشيت دروس العلم وذهابه. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن حسان، قال حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة أن ينظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله. الأثر صحيح. ففي هذا الأثر أن عمر رضي الله عنه، عمر بن عبد العزيز رحمه الله، كتب إلى أهل المدينة أن يكتبوا حديث النبي عليه الصلاة والسلام ليحفظ ويؤمن من نسيانه وذهابه. قال رحمه الله: أخبرنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي المليح، قال: يعيبون علينا الكتاب، وقد قال الله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾. وهذا الأثر صحيح. قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال حدثنا سوادة بن حيان، قال سمعت معاوية بن قرة أبا إياس يقول: كان يقال: من لم يكتب علمه لم يعد علمه علما. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا عبد الله بن المثنى، قال حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسا كان يقول لبنيه: يا بني، قيدوا هذا العلم. وهذا الأثر حسن. قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال حدثنا ابن إدريس، عن مهدي بن ميمون، عن سلم العلوي، وسلم العلوي هذا ضعيف، قال: رأيت أبانا يكتب عند أنس في سبورة. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن عيسى، قال حدثنا بن وهب، عن معاوية، عن الحسن بن جابر، أنه سأل أبا أمامة الباهلي عن كتاب العلم، فقال: لا بأس بذلك. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا مخلد بن مالك، قال حدثنا معاذ، قال حدثنا عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، قال: كنت أكتب ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابه، فقرأته عليه، وقلت له: هذا ما سمعت منك، قال: نعم. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن سعيد، قال أخبرنا شريك، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، قال: كنت أسمع من ابن عمر وابن عباس حديثا بالليل، فأكتبه في واسطة الرحل. وشريك وهو القاضي ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن سعيد، قال أخبرنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهد، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الوهد فأرض تصدق بها عمر بن العاص كان يقوم عليها. وهذا الأثر فيه ضعف، فشريك القاضي ضعيف، وليث بن أبي سليم مختلط. قال رحمه الله: أخبرنا أبو عاصم، قال أخبرني ابن جريج، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان، عن عمه عمر بن أبي سفيان، أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «قيد العلم بالكتاب». وهذا الأثر فيه عنعنة ابن جريج، فعبد الملك ابن جريج ثقة إلا أنه مدلس وقد عنعن. قال رحمه الله: أخبرنا مخلد بن مالك، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا ابن جريج، قال أخبرني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي، عن ابن عمر، أنه قال: «قيد هذا العلم بالكتاب». وهذا الأثر أيضا ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا أبو النعمان، قال حدثنا عبد الواحد، قال حدثنا عثمان بن حكيم، قال سمعت سعيد بن جبير يقول: كنت أسير مع ابن عباس في طريق مكة ليلا، وكان يحدثني بالحديث، فأكتبه في واسطة الرحل حتى أصبح. هذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال عن عقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفة، وأكتب فيما علي. وهذا الأثر ظاهره الصحة. قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا مندل بن علي العنزي، قال حدثني جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كنت أجلس إلى ابن عباس، فأكتب في الصحيفة حتى تمتلئ، ثم أقلبها، فأكتب في ظهورها. قال رحمه الله: أخبرنا عمر بن عون، قال أخبرنا فضيل، عن عبيد المكتب، قال: رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن سعيد، قال أخبرنا أبو وكيع، عن عبد الله بن حنش، قال: رأيتهم يكتبون عند البراء بأطراف القصب على أكفهم. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، عن ابن إدريس، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: حدثني ابن عباس بحديث، فقلت: أكتبه عنك؟ قال: فرخص لي ولم يكد. قال رحمه الله: أخبرنا الوليد بن شجاع، قال حدثني محمد بن شعيب بن شابور، أخبرنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن رجاء بن حيوة، أنه حدثه، قال: كتب هشام بن عبد الملك إلى عامله أن يسألني عن حديث، قال: فكنت قد نسيته، لولا أنه كان عندي مكتوبا. والأثر صحيح. قال: أخبرنا الوليد بن شجاع، قال أخبرني محمد بن شعيب، قال أخبرني هشام بن الغاز، قال: كان يسأل عطاء بن أبي رباح، ويكتب ما يجيب به بين يديه. والأثر صحيح. قال: أخبرنا الوليد بن شجاع، قال أخبرنا محمد بن شعيب بن شابور، قال حدثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن سليمان بن موسى، أنه رأى نافعا مولى ابن عمر يملي علمه، ويكتب بين يديه. والأثر حسن. قال: أخبرنا الوليد بن شجاع، قال حدثنا المبارك بن سعيد، قال: كان سفيان يكتب الحديث بالليل في الحائط، فإذا أصبح نسخه، ثم حكه. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا الحسين بن منصور، قال حدثنا أبو أسامة، قال حدثني أبو غفار الليثي المثنى بن سعيد بن سعد الطائي، قال حدثني عون بن عبد الله، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: حدثني فلان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفه عمر، قلت: حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحياء والعفاف والعي من الإيمان، وهن مما يزدنا في الآخرة وينقصنا من الدنيا، وما يزدنا في الآخرة أكثر، وإن البذاءة والجفاء والشح من النفاق، وهن مما يزدنا في الدنيا وينقصنا في الآخرة، وما ينقصنا في الآخرة أكثر». وهذا الأثر صحيح، وهذا الحديث بمعنى في الصحيح. قال رحمه الله: أخبرنا الحسين بن منصور، قال حدثنا أبو أسامة، قال حدثني سليمان بن مغيرة، قال: قال أبو قلابة: خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر، ومعه قرطاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر، وهو معه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الكتاب؟ قال: هذا حديث حدثني به عون بن عبد الله، فأعجبني، فكتبته، فإذا فيه هذا الحديث. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال حدثنا منصور بن سعد، عن يونس بن عبد الله بن أبي فروة، عن شرحبيل أبي سعد، وشرحبيل أبي سعد فيه ضعف، قال: دعا الحسن بنيه وبني أخيه، فقال: يا بني وبني أخي، إنكم صغار قوم، يوشك أن تكونوا كبارا آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه، فليكتبه وليضعه في بيته. فهذا الأثر فيه ضعف. هذا آخر ما ذكر الإمام الدارمي رحمه الله في هذا الباب. إلهنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.