الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 50، ألقاها
يذكر تحذير النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته من الأئمة المضلين وخطورة تأثيرهم على العامة والرعية. يشدد النبي على أهمية اتباع الحق وعدم الاغترار بآراء وأهواء الأئمة المضلين.
يشرح أهمية استقامة الأئمة في صلاح المجتمع واستقامة الرعية، حيث يروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه أخبر أن بقاء الدين واستقامته مرهون باستقامة الأئمة. يشير إلى أن هداية الأئمة وصلاحهم سبب لهداية الناس واستقامتهم.
يشير إلى أهمية اتباع طريق الصحابة واقتفاء آثارهم، حيث كانوا على الهدى المستقيم وخير الأمة. يحث على السير على نهج أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام واتباع سنتهم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب في كراهيته أخذ الرأي: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، وهو عمر المرثد، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». وهذا الأثر صحيح، قد رواه، أخرجه أبو داود أيضا، والترمذي، وأحمد، من طريق حماد بن زيد به. والحديث على شرط الإمام مسلم؛ لأن أبا أسماء أخرج له الإمام مسلم، ولم يخرج له البخاري. فهذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يخاف على أمته، أي أمة الإجابة، الأئمة المضلين، «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». الأئمة جمع إمام، والإمام هو من يقتدى به، من يقتدى به في قوله أو فعله أو اعتقاده، وهو من يكون، يعني، قدوة ورئيسا للقوم. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر بخوفه على هذه الأمة من أمثال هؤلاء من الأئمة المضلين. المضلين، أي المائلين عن الحق، المائلين عن الحق، المميلين عنه. لماذا؟ لأن ضررهم كبير، وشرهم عظيم، سواء كان، يعني، إماما، الإمام إماما للناس، الإمام العامة، كالأمير والحاكم، أو الإمام في الدين، كالعالم. فإن في فساد الحاكم والراعي فساد للرعية، وهكذا إذا فسد العلماء فسد جمهور الناس. إذا فسد العلماء فسد جمهور الناس. فإذا كان أئمة الناس، من يقتدون به، ومن يهتدون بهم، ويتبعونهم في أقوالهم وأفعالهم، هم من أهل الضلال، من هو على ضلال وانحراف وميل عن الحق وعن الهدى وعن الصراط المستقيم، فلا شك أن هذا سيكون له أثر عظيم في انحراف الناس وفي ضلالهم وبعدهم عن الحق والهدى. فلأجل هذا خاف النبي عليه الصلاة والسلام من أمثال هؤلاء على أمته، وخاصة أن الناس ربما بجهلهم يغترون بهم، ويظنون أنهم على هدى، وأنهم، يعني، من أهل العلم وممن يقتدى به وممن يرجع إليه. فإذا كانوا على مثل هذا الحال، مبتدعة ضلال، أو فسقة فجار، لا شك أن هذا، يعني، شؤم عظيم على الأمة أن يكون أئمتها على مثل هذا الوصف ومثل هذا الحال. ووجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب أن أئمة المضلين لا شك أنهم سيفتون بأرائهم بسبب ضلالهم وانحرافهم عن الهدى الصراط المستقيم، سيضلون الناس بأرائهم وأهوائهم، ويفتون بخلاف الكتاب والسنة. وهذا لا شك أنه، يعني، باب عظيم من أبواب الضلال. قال رحمه الله: وأخبرنا أحمد بن عبد الله أبو الوليد الهروي، وهو ثقة، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، وهو العنبري أيضا ثقة، عن ابن عون، وعبد الله، وهو ثقة، عن عمر بن سعيد، وهو القرشي ثقة، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، وهو أيضا ثقة، قال: عن حية بنت أبي حية. وحية بنت أبي حية ذكر لها، أو أكثر من روى عنها، أو ذكر ترجمة لها: أنها روت عن أبي بكر. ذكروا أنها روت عن أبي بكر، وروى عنها أبو زرعة. ولم يذكروا، يعني، لها من يوثقها من العلماء المعتبرين. وأمثال من كان كذلك يعتبر في عداد المجهولين. وأبو نعيم في معربة الصحابة ذكر أنها لها رؤية، أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فيما ذكره المتأخر، هذا يحتاج إلى تثبت. إن ثبت هذا فهي صحابية. إن ثبتت رؤيتها للنبي صلى الله عليه وسلم فهي صحابية، وحينئذ لا إشكال في عدالتها؛ لأن الصحابة كلهم عدول. لكن أكثرهم يذكرون أنها روت عن أبي بكر، وروى عنها أبو زرعة. معنى أنها تابعية. إذا كان كذلك فتحتاج إلى من يعدلها من الأئمة المعتبرين. قال: دخل علينا رجل بالظهيرة، قلت: يا عبد الله، من أين أقبلت؟ قال: أقبلت أنا وصاحب لي في بغاء لنا، بغاء يعني بغية وحاجة. قال: انطلق صاحبي يبغي، ودخلت أنا أستظل بالظل وأشرب من الشراب. فقمت إلى لبينة، فقمت إلى لبينة حامضة، لبينة صغير لبنة، وهو اللبن المحمود. قال: ربما قالت: فقمت إلى ضيحة حامضة، فسقيته منها، فشرب وشربت. قالت: وتوسمته. قلت: يا عبد الله، من أنت؟ قال: أنا أبو بكر. قلت: أنت أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سمعت به؟ قال: نعم. قالت: فذكرت غزونا خفيفا، وغزوة بعضنا بعضا في الجاهلية، وما جاء الله به من الألفة، وأطناب الفساطيط. وشبك ابن عون أصابعه، ووصفه لنا معاذ، وشبك أحمد. قلت: يا عبد الله، حتى متى ترى أمر الناس هذا؟ قال: ما استقامت الأئمة. قلت: ما الأئمة؟ قال: أما رأيت السيد يكون في الحي فيتبعونه ويطيعونه؟ فما استقام أولئك. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الأثر، قول أبي بكر رضي الله عنه حين سئل: متى ترى أمر الناس هذا؟ حتى متى ترى أمر الناس هذا؟ قال: ما استقامت الأئمة. قلت: ما الأئمة؟ قال: أما رأيت السيد إلى آخره. المراد من ذلك أن استقامة الأئمة وهدايتهم، وكونهم على الهدى والصراط المستقيم، هذا سبب في هداية الناس، وفي استقامتهم، وفي إعانتهم على سلوك الصراط المستقيم. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أخ لعدي بن أرطأة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون». الحديث بهذا السند فيه ضعف. قوله: عن أخ لعدي بن أرطأة، هذا مجهول مبهم. لكن الحديث كما مر معنا صحيح من حديث ثوبان. قال رحمه الله: أخبرنا أبو النعمان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن بيان بن أبي بشر، عن قيس بن أبي حازم، قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس، يقال لها زينب، قال: فرآها لا تتكلم. قال: ما لها لا تتكلم؟ قال: نذرت حجة مصمتة، يعني من غير كلام. فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. قال: فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين. قالت: من أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، يعني كثيرة الأسئلة، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: ومن الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤساء وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم مثل أولئك. وهذا الأثر، الأثر في صحيح البخاري. وفيه في هذا الأثر أن التعبد لله جل وعلا بترك المباح يعتبر من الأمور المحدثة، أن يتعبد الإنسان لله جل وعلا بترك مباح، كالكلام، الكلام مباح، فلو ترك الإنسان الكلام تعبدا، يعني ما يتكلم أبدا، كهذه التي حجت مصمته من غير أن تتكلم، أنكر عليها أبو بكر، وبين أن هذا من عمل الجاهلية. وهكذا من تعبد لله بترك النكاح، أو بترك أكل اللحم، أو نحو ذلك من الأمور المباحة، يعتبر هذا من المحدثات. وشاهد قول أبي بكر رضي الله عنه حين سئل: ما بقاء هذا الأمر الصالح؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. وهو بنحو الأثر الذي تقدم، الذي هو من طريق حية بنت أبي حية. فأخبر رضي الله عنه أن بقاء هذا الأمر، أي بقاء هذا الدين، وظهوره وعلوه، باستقامة الأئمة. بقاؤكم عليه باستقامة به أئمتكم. قلنا: الأئمة سواء كانوا، يعني، الإمام العام كالحاكم والرئيس، أو يراد بهم الأئمة المقتدى بهم في الدين كالعلماء. فإن استقامتهم سبب لاستقامة الرعية، وصلاحهم سبب لصلاح الرعية. قال: وحدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن واصل، عن امرأة يقال لها عائدة، قالت: رأيت ابن مسعود يوصي الرجال والنساء، ويقول: «عليكم بالسمت الأول؛ فإنكم على الفطرة». قال عبد الله: السمت الطريق. وهذا الأثر صحيح بطرقه. وقوله: «فالسمت الأول»، يعني: عليكم بالطريق الأول الذي كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والسير بما كانوا يسيرون عليه، اقتفاء آثارهم، السير على، يعني، هديهم وطريقتهم. وذلك لأنهم خير هذه الأمة، وكذلك أيضا كانوا على الهدى المستقيم. فكان يحث ابن مسعود رضي الله عنه، ويرغب بالسير على ما سار عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.