الخطبة بعنوان عذاب القبر وأسبابه، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 صفر 1442هـ الموافق 9 أكتوبر 2020م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول موضوع عذاب القبر وأهمية الاستعاذة منه، حيث يشير إلى أن أصحاب القبور يتعرضون للتعذيب أو الإنعام حسب أعمالهم. ويبرز أهمية الاستعاذة من عذاب القبر في الصلاة وأذكار الصباح والمساء.
يصف المقطع الثاني عذاب القبر للكفار والفجار، حيث تخرج روحهم بشكل مؤلم وتتعرض للرفض في السماء، ثم يعاد جسدهم إلى القبر ويتعرضون لعذاب شديد. كما يذكر بعض الأسباب التي تؤدي إلى عذاب القبر.
ذكر ثلاثة أسباب لعذاب القبر وهي عدم التطهر من البول، والنميمة بين الناس، وترك الصلاة والتهاون فيها. وقد وردت أحاديث نبوية تؤكد أن هذه الأفعال تؤدي إلى عذاب القبر.
المقطع الأخير يتضمن ختام الصلاة بالصلاة على النبي محمد ودعاء للمصلين بالرعاية الإلهية. يُنهي الإمام الصلاة ويدعو للمسلمين بالخير.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم ما يعتقده أهل الإسلام، وهو من صميم عقيدة سلفنا الكرام، أن أصحاب القبور هم عرضة للتعذيب والإنعام، كما دلت على ذلك أدلة السنة والقرآن، فالقبر إما روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النيران، والله المستعان عليه التكلان. قال سبحانه: ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه الآية: هي حجة في إثبات عذاب القبر. بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان من شأنه يستعيذ بالله من عذاب القبر في كل صلاة يصليها، فقد ثبت في الصحيح أنه كان بعد تشهده في صلاته يدعو ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». كان يفعل ذلك في كل صلاته عليه الصلاة والسلام. بل إن شرعنا الحكيم جعل الاستعاذة من عذاب القبر من أذكار الصباح والمساء، وذلك حتى يكون المسلم ملازمًا دائمًا وأبدًا في ليله ونهاره، وفي صبحه ومسائه في تذكر دائم لا يُفارق لسانه، بل ولا يُفارق حاله ولا باله. فقد ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، وأعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر». وكان إذا أصبح قال: «أصبحنا وأصبح الملك لله»، ثم تلا باقي الذكر. عباد الله، قد أبان لنا نبينا صلى الله عليه وسلم شيئًا مما يجري على الناس في قبورهم من الفتنة والشدة، ومن الضيق والكربة. فكان من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: «قال عليه الصلاة والسلام: وإن العبد الكافر -وفي رواية الفاجر- إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخط من الله وغضب». فتفرق الروح في جسد هذا الكافر وهذا الفاجر، فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول. فإذا أخذها لم تدعها الملائكة في يده طرفة عين حتى يجعلوها في ذلكم المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. ثم يصعدون بها، فما يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: إنه فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون فلا يفتح لهم. وقرأ نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾. فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا، ثم تعاد روحه إلى جسده. فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: من هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب، أن كذب، فافرشوا له من النار، والبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيجد من حرها ومن سمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ثم يأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. وفي رواية: «ما علمتك إلا بطيئًا في طاعة الله، سريعًا إلى معصيته، فجزاك الله شرًا». فحينها ينادي بأعلى صوته: «ربي لا تقم الساعة، ربي لا تقم الساعة». نعم، عباد الله، نهاية مؤلمة، نهاية شديدة حزينة ينالها الكفار، وهكذا ينالها الفجار ممن فرط وضيع حقوق الله جل وعلا في تلكم الحفرة التي لا أنيس فيها ولا جليس، يبتليه ربنا جل وعلا بالعذاب الأكيد. فنعوذ بالله من عذاب القبر. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. علمنا عباد الله فيما مضى أن عذاب القبر حق، وأن الناس جميعًا سيفتنون في قبورهم، وحينها سيحاسب الرب العباد جميعًا على حسب أعمالهم، فمن وجد خيرًا فلنفسه وليحمد الله، ومن وجد سوءًا فعليها ولا يلومن إلا نفسه. علمنا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من عذاب القبر، بل كان يأمر أصحابه بذلك، فقال كما ثبت ذلك في السنن: «استعيذوا بالله من عذاب القبر». فقلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر. ألف، عباد الله، أن هناك أمورًا من ابتلي بها صلت عذابًا في قدره يليق بذنبه وجرمه. ومن هنا كان ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية ومعرفة بالأسباب الموجبة لعذاب القبر. فمن ذلكم ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير»، أي في نظرهما حيث أديا وابتلي بهذا الفعلين، وقد استخف بهما، وهما عظيم عند رب الأرباب. «إنهما ليعذبان في كبير». قال عليه الصلاة والسلام: «أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة». فذكر عليه الصلاة والسلام من أسباب عذاب القبر عدم التطهر والتنزه عند التبول. فقال: «لا يتنزه من بوله». وفي رواية: «لا يستبرئ من بوله». وفي رواية: «لا يستتر من بوله». وحينها قال العلماء: إن هذا الوعيد سيكون في حق أولئك الناس الذين فرطوا في عملية التطهر من بولهم، إما بعدم تسترهم عند قضاء حاجتهم وعند تبولهم، أو أنه مما ممن يتعجل في بوله حيث يترك البقية يتقاطر على نفسه، أو الثالث من لا يستنزه، من لا يبتعد عن البول فيصيب ثوبه وبدنه. فكل أولئك قد وقعوا في كبير من كبائر الذنوب، وهم عرضة لعذاب القبر. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تنزهوا من البول، فإن أكثر عذاب القبر منه». فإن أكثر عذاب قبر منه. وأما الأمر الثاني، وهو السبب من أسباب عذاب القبر والبرزخ، المشي بين الناس بالنميمة، وهو أن يقوم شخص من الأشخاص بنقل الأخبار من جهة إلى جهة أخرى بقصد الإفساد وبث العداوة والبغضاء، وزرع الشحناء والإحن والفتن بين الناس، هذا هو النمام. وقد توعد شرعنا الحكيم بالعذاب الشديد والنكال العظيم لكل من سلك هذا المسلك الأثيم، وذلك بأن يسوغ لنفسه بأن يكون عامل هدم لمجتمعه، فيرضى أن ينقل الأخبار بين الناس بين المسلمين والمسلمات، نهايته وغايته هو قطع الصلة بين أهل الإسلام والإيمان. فقال عليه الصلاة والسلام متوعدًا: «لا يدخل الجنة نمام». لا يدخل الجنة نمام. من كانت هذه خصلته، ومن كان هذا حاله ومآله يسعى بين الناس في نقل الأخبار بقصد الإفساد، لا يدخل الجنة. فإذا كان هذا يا عبد الله في حق من ينقل الأخبار، فما ظنك بالذي يفتري الأخبار من عند رأسه ثم ينسبها إلى غيره ويبثها للناس؟ وهذا هو البهتان، وهذا هو الكذب المبين، فإن عذابه أشد وأنكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضًا عباد الله، من أسباب عذاب القبر ترك الصلاة والتهاون فيها. ومما يدل على ذلك ما رواه الطحاوي رحمه الله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أمر بعبد من عباد الله أن يجلد مئة جلدة في قبره». أن يجلد مئة جلدة في قبره. فلا يزال الرجل يدعو ويسأل ربه جل وعلا التخفيف، يسأله التخفيف من هذه العقوبة حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فاشتعل عليه قبره نارًا، واشتعل عليه قبره نارًا بضربة بجلدة واحدة تلقاها في قبره. فلما أفاق من هول ما رأى ومن شدة ما أصابه، فلما أفاق قال: «على ما جلدتموني؟ على ما جلدتموني؟» قالوا: «إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور، ومررت بمظلوم فلم تنصره». إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور. سبحان الله، هو من عباد الله المصلين، إلا أنه في لحظة من تهامل وتفريط صلى صلاة في عمره صلاة صلاها بغير طهور، فكان من أمره أن سلط الله عليه عذابًا في قبره بمئة جلدة. قولوا لي بربكم، فمن ظنكم بالذي يتعمد ترك بعض الصلوات، كالذي لا يصلي الفجر البتة؟ أو ما رأيكم بالذي لا يصلي مطلقًا؟ كيف يكون عذابه؟ كيف يكون جزاؤه وحسابه في قبره؟ الله الله يا عبد الله، اتق الله في أمر الصلاة، فإن أمرها عظيم جدًا عظيم، وإن القبر أول منازل الآخرة. إن صلح حالك فما بعدها أسهل وأيسر، وإن كان فيها أمرك أشد وأنكى، فاعلم أن الآخرة أكبر وأبقى. نسأل الله العفو والعافية. عباد الله، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولي جميع المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.