الإيثار

الدرس في الإيثار، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

خلق الإيثار وفضله في الإسلام

يتناول المقطع مفهوم الإيثار كتقديم الغير على النفس في النفع والدفع، مستشهداً بآيات تمدح الأنصار على إيثارهم رغم حاجتهم. ويؤكد أن بذل ما يحب الإنسان دليل على صدق الإيمان والتقوى.

تربية الصحابة على التعاون والإيثار ومشاركة الطعام

يستعرض كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التعاون والإيثار، مشيراً إلى حديث الأشعريين الذين كانوا يجمعون زادهم ويقتسمونه بالسوية. ويبين أن الإيثار درجتان: تقديم محبة الله على شهوة النفس، ومشاركة الآخرين في المأكل والمشرب.

نماذج الإيثار في سيرة النبي والصحابة والسلف الصالح

يسرد نماذج عملية للإيثار كإيثار النبي بردة له لصحابي أرادها كفنا، وإيثار عائشة بمكان دفنها لعمر، وإيثار شهداء اليرموك بالماء حتى ماتوا. ويشير إلى بقاء هذا الخلق في الأمة وحاجتها إليه في الظروف المعاصرة.

الدعاء بالتحلي بالإيثار وحسن الخلق

يحث المتحدث على التحلي بالإيثار والعطاء حتى في حال الحاجة، مستشهداً بقوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. ويختتم بالدعاء بأن يرزق الله محاسن الأخلاق ويحبب الإيمان ويكره الكفر والفسوق والعصيان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، مواصلة فيما يتعلق بدروس الآداب والأخلاق التي رغب فيها ربنا عز وجل وحث عليها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي تعتبر من مزايا هذا الدين العظيم الذي أكرمنا ربنا عز وجل به وبيض به وجوهنا. حديثنا في هذا المجلس حول خلق عظيم وصفة حميدة، لربما قل من يتحلى بها ويحرص عليها. هذه الخصلة هي ما جاء في قول ربنا عز وجل في الثناء على الأنصار في قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هذه الخصلة أيها الإخوة في الله هي الإيثار، هي الإيثار. والإيثار في كلام العرب مداره على التقديم، يقدم الإنسان غيره على نفسه، وهكذا التفضيل يفضل غيره على نفسه. وقد ذكر أهل العلم في تعريف الإيثار أنه أن يقدم الإنسان غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه، في النفع له والدفع عنه. قالوا: وهو النهاية في الأخوة، أي من أبلغ الصفات التي يتصف بها الإخوان، التي يتصف بها الإخوان، هو أن يؤثر بعضهم البعض الآخر على نفسه. والناظر في آيات القرآن وحديث السنة يجد الترغيب في هذا الخلق العظيم الذي يعتبر من محاسن الأخلاق الإسلامية، فهو يعتبر مرتبة عالية من مراتب البذل، وهكذا منزلة عظيمة من منازل العطاء، من منازل العطاء. ولهذا مر معنا أن الله تبارك وتعالى أثنى على الأنصار حين أن تحلوا بهذه الصفة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، حتى لو كانوا محتاجين إلى هذا الطعام أو إلى هذا المال أو إلى هذا الأمر فإنهم يقدمون غيرهم على أنفسهم. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وهذه كذلك سبب نزولها في الأنصار والإيثار الذي كان موجوداً لدى هؤلاء الأنصار وبذلهم وتقديمهم، وهكذا إيثارهم الآخرين على أنفسهم. وهكذا أيضاً في قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، لاحظ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، أي أعطى المال على حبه، وهو أحبه محبة شديدة، وهو لربما يحتاج إليه حاجة شديدة، لكن ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. الإيثار والبذل مع محبة هذا الشيء ثم بذله للآخرين، يا إخوان، يعتبر دليلاً على صدق هذا الإنسان، وهكذا دليلاً على التقوى الموجودة في قلبه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على مثل هذه الصفات والخصال النبيلة العالية الرفيعة، ومن ذلكم ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، إذا أرملوا في الغزو، أو قل زادهم أو قل طعام عيالهم، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بالسوية». لاحظ: إذا أرملوا في الغزو كانوا في سفر، وكانوا على غزوة من الغزوات، ومعلوم أن في السفر وفي الغزو يقل الزاد وتعظم الحاجة إلى الطعام والشراب إلى غير ذلك. قال: «أو قل طعام عيالهم»، ماذا فعلوا؟ جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، هذا يأتي بما عنده وهذا يأتي بما عنده، قال: «ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فأولئك مني وأنا منهم، فأولئك مني وأنا منهم». أكذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه من المناقب العظيمة لأهل اليمن، فالأشعريون هم من أهل اليمن، وهذه يا إخوان خصلة بفضل الله عز وجل لا تزال لها بقية في أهل اليمن. لاحظوا ما تعاملوا به الإخوان إذا ذهبوا عمرة أو خرجوا في دعوة أو ذهبوا لحج أو ذهبوا في عزبة من العزب إلى غير ذلك، كم تعظم مظاهر التعاون فيما بينهم البين، فيما بينهم البين. ومن هذا القبيل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة». بل جاء في حديث جابر عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: «طعام الاثنين يكفي الأربعة، يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية». وهذا يتضمن الحث والترغيب على البذل وعلى كذلكم أيضاً العطاء. ولو كان الإنسان يحتاج إلى هذا الشيء، قد يأتي بعض الناس إليك في وقت الظهيرة يقول: يا فلان، شيخ صار معكم شيخ، صيد، لربما هذه الأيام شحة في وجود الصيد، لكن يا إخوان يظهر الإيثار جلياً. لا نقول لك أعطيه الصيد بكامله، ممكن ماذا؟ تقتسم ما معك أنت وإياه، معك أربع قطع تعطيه اثنتين وتبقي اثنتين. هذا يا إخوان إن دل على شيء دل على إيمان في القلوب، دل على أخلاق سامية وصفات عظيمة لدى هذا المسلم. ومما ينبغي أن يعلم في هذا الباب أن الإيثار له مرتبتان، أو له درجتان: الدرجة الأولى وهي الأعلى والأرفع، الإيثار في حق الخالق تبارك وتعالى، أن تقدم ما يحبه الله عز وجل على ما تحبه نفسك، وما أمر الله به على ما تأمرك به نفسك، على ما تأمرك به نفسك. أليست النفوس يا إخوان تميل إلى الشهوات، ولربما تميل إلى المخالفات؟ فالمؤمن يقدم ما يحبه الله عز وجل على ما تحبه نفسه. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. الذي يقوم بصلاة الفجر يقوم، لربما في هذه الأيام مع تكرر عملية انطفاء الكهرباء، يؤذن المؤذن، ولربما الكهرباء تأتي، يريد يرتاح، يريد ينام، لكن يا إخوان يقدم ما يحبه الله عز وجل على ما تحبه نفسه وتميل إليه شهوته. وهكذا أيضاً فيما يتعلق بقيام الليل، بصيام النهار، لربما يمنع نفسه من الطعام والشراب والجماع وغير ذلك ويبقى يومه صائماً لله عز وجل. النفس ترى الطعام فتشتهيه، والشراب فتشتهيه، والنكاح فتشتهيه، لكن يا إخوان يقدم محبة الله عز وجل على محبة النفس. وهكذا فيما يتعلق بباب المنهيات: نهاك الله عن أمر، شخص لربما كان متعاطياً للدخان أو مدمنا للقات، ومن الله عليه بالتوبة، يا إخوان لا تسألوا عن الحالة التي يمر بها هذا الإنسان حين أن يرى هذا المحبوب القديم، ولو كان خبيثاً، حين أن يشم رائحة الدخان، كم يا إخوان تؤثر في نفسه، حين أن يرى الشباب يحملون أكياس القات وهو قد تاب من ذلك، يا إخوان ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾، فتجده يؤثر طاعة الله عز وجل على طاعة نفسه، وما يحبه الله عز وجل على ما تحبه نفسه، على ما تحبه نفسه. وفي هذا الباب أمثلة كثيرة، صور عظيمة من إيثار النبي صلى الله عليه وسلم وإيثار الصحابة وإيثار السلف الصالح من هذه الأمة، بل وإيثار المعاصرين، ما زال الإيثار موجوداً في هذه الأمة. وعلى سبيل المثال للحصر من نماذج الإيثار لدى النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة أتت ببرد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله، نسجتها بيدي لتلبسها، فقال: «نعم»، فأخذها عليه الصلاة والسلام، ثم لبسها، فخرج على أصحابه فيها، فرآها أحد أصحابه، فقال: يا رسول الله، أعطني إياها، يا رسول الله، أعطني إياها، قال: «نعم»، فقام ودخل منزله فخلعها ثم أعطاها لهذا الرجل، فعاتب الصحابة هذا الرجل، قالوا: سألته وقد علمت أنه لا يرد سائلاً، لا يرد سائلاً. قال: إنما أردتها أن تكون كفني، أن تكون كفني، ثوب مس لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحب أن يكون كفنا له، فكان ذلك، أي فكان كفنه، فكان كفنه. وهكذا نماذج عظيمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. انظر إلى الصحابة وإيثارهم، كيف بلغوا القمة في الإيثار، وكيف ضربوا أروع الأمثلة والنماذج في الإيثار. وكم يا إخوان، نحكي: عائشة، انظروا إلى إيثار أم المؤمنين عائشة. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن حيث مات، أي في حجرتها. مات أبو بكر فدفن إلى جنبه. بقيت بقعة لشخص واحد، كانت تريدها لمن؟ لنفسها، بجانب زوجها وأبيها. لما طعن عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، أرسل ابنه عبد الله، قال: اذهب إلى أم المؤمنين عائشة، فقل لها: عمر يستأذن، أمير المؤمنين عمر يستأذن أن يدفن إلى صاحبيه. فبكت عائشة رضي الله تعالى عنها، وقالت: كنت أعده لنفسي، فلا أوثيرنه اليوم، اليوم أقدم عمر على نفسي، أقدم عمر على نفسي. فدفن رضي الله تعالى عنه إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جوار أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما. والسلف الصالح أيضاً لهم مواقف عظيمة في إيثار بعضهم على البعض الآخر في الغزوات، كما في غزوة اليرموك التي أبلى فيها المسلمون بلاء حسناً. عكرمة ابن أبي جهل ومن معه من الأبطال أبلوا بلاء حسناً، حتى أنهم قاموا بعمليات شرسة تجاه العدو حتى صرع معظمهم، وكان ببعضهم رمق، فاحتاج إلى الماء. فلما أراد أن يشرب، سمع صوت أخيه يئن ويدعو بالماء، فقال للساقي: اسقه. فلما أتي إلى الثاني، سمع الثالث، فقال: اسقه. وهكذا لم يشرب واحد منهم، وإنما مات كلهم. وماذا كان؟ الإيثار هو شعارهم. هذه الأيام يا إخوان، ما أحوجنا إلى الإيثار مع غلاء الأسعار وقلة الأعمال والظروف الصعبة التي تمر بها البلاد ويعانيها العباد. ما أحوجنا يا إخوان، كجيران، كأرحام، كإخوان، أن يكون من خلقنا ومن صفاتنا الإيثار والبذل والعطاء، ولو كان، ولو كان فيما تشتهيه النفوس وتحبه القلوب: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم محاسن الأخلاق وأن يجنبنا سيئها. نسأله تبارك وتعالى أن يحبب إلينا الإيمان وأن يزينه في قلوبنا، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلنا من الراشدين. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.