الدرس في آداب الطعام والشراب 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل آداب الطعام في الإسلام، مركزًا على الأكل بثلاثة أصابع واستخدام الملعقة، ويوضح أن الأكل بثلاثة أصابع هو السنة. يُبين أيضًا جواز استخدام الملعقة وإن لم تكن من السنة.
يتناول هذا الفصل حكم لعق الأصابع بعد الأكل وأكل ما سقط على الأرض، مستندًا إلى السنة النبوية وأقوال العلماء، ويشير إلى أن هذه العادات تعتبر من السنن المهجورة.
يُنصح في هذا الفصل بتناول الطعام الساقط إذا أمكن إزالة الأذى عنه، ورفع الطعام المرمي من الأرض ووضعَه في مكان مرتفع حفاظًا على نعمة الله وعدم إهانتها.
يتضمن هذا الفصل دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلزمنا في هذه السلسلة من ذكر آداب الإسلام، ولزمنا في الأدب الأول ألا وهو من آداب الطعام. وإن مما يذكر إخواني في الله من آداب الطعام الأكل بثلاثة أصابع، فإن هذا مما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع. وهذه الأصابع الثلاث هي الإبهام والسبابة والوسطى، هذه الأصابع الثلاث التي كان يأكل بها نبينا صلى الله عليه وسلم. والحكمة من ذلك إخواني في الله كما قال العلماء، وصرح بذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى، قال: والأكل بأكثر منها -أي من زاد عن الأصابع الثلاث- فأكل بأربع أو بخمس، قال: والأكل بأكثر منها من الشراهة وسوء الأدب، أي مما يدل على الحرص على الطعام والازدياد منه. قال: وسوء الأدب، لكن هذا يحمل إخواني في الله على الطعام الذي يكفيه الأكل بالأصابع الثلاث. نعم، هناك أطعمة لا تأكل إلا بثلاثة أصابع، فهنا ينبغي أن تكتفي بهذا ولا تزيد، مثال الأكل بالخبز، الأكل بالخبز لا يتأتى إلا بالأصابع الثلاث، أو أكل الرطب كما جاء في بعض الآثار، وإن كان فيها ضعف، لكن هذا مما يدل عليه الحس، أكل الرطب والتمر ما يكون إلا بالأصابع الثلاث. في مثل هذه المواطن، وفي مثل هذه الأطعمة التي حدها وحسبها أن تؤكل بثلاثة أصابع، فلتؤكل بذلك، فالزيادة عن هذا العدد وعن هذا الحد يعتبر من الشراهة، يعتبر من الشراهة. أما إذا كان الطعام الذي ستأكله لا يكفيه الأكل بثلاث، بل لا بد من رابع أو من خامس، فحينها لا بأس بذلك، مثاله أكل الرز، أكل الرز وهو الذي يعتاد عليه الناس، أكل بثلاثة أصابع مما يصعب، وإن كان بعضهم يحاول ذلك، لكنه يحتاج في الحقيقة إلى الرابع، إلى خامس. ولهذا صرح العلماء في كتبهم من المعاصرين أن أكل الرز بخمسة أصابع هذا لا بأس به. بل القاضي عياض رحمه الله تعالى، والذي سمعنا مقالته، وذكر أن الأكل بأكثر من ثلاثة أصابع يعتبر من الشراهة ومن سوء الأدب، بيّن هذه المسألة، فقال رحمه الله تعالى: فإن الطعام لأكثر من ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث، أي إذا كان الطعام الذي بحوزتك خفيف، ثلاثة أصابع لا تحمله، أو أن الطعام يحتاج إلى أن يلف، يلف. فقال عياض رحمه الله تعالى: فإن الطعام في ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث، فيدعمه بالرابعة أو الخامسة، فهذا من استثناء العلماء، إذا احتاج الطعام إلى أن تزيد عن الثلاث فلك ذلك. فهذا الذي يحكم عليه فهم هذا الحديث إخواني في الله. وهنا تأتي مسألة تتفرع عن هذه المسألة، وهي الأكل بثلاثة أصابع، الأكل بالملعقة. ذهب جماعة من الفقهاء يرى أن الأكل بالملعقة هو أقرب للسنة، أقرب للسنة، وذلك لأن الملعقة إنما تؤخذ بكم أصابع؟ بثلاثة أصابع، الملعقة تؤخذ بثلاثة أصابع، فلأن الملعقة تحمل بثلاثة أصابع، فهي في الحقيقة كأنك تأكل بثلاثة أصابع. فقالوا: الملعقة هي أقرب للسنة، وهذا صرح به جماعة من الفقهاء، ومن بعض العلماء المعاصرين. لكن هل هذا صواب؟ الجواب: لا، هذا ليس بصواب، هذا ليس بصحيح. وقد عاب العلماء هذا القول، وممن عابه العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى، ورد هذا القول على قائله، بل قال رحمه الله تعالى: إن هذا الفهم من الأفهام المغلوطة، ومن الأفهام الخاطئة أن تفهم هذه المسألة بهذه الصورة. ولهذا قال رحمه الله تعالى، وجه رده رحمه الله تعالى، وعيبه لهذه المقالة، ولهذا الفقه، قال رحمه الله تعالى: وذلك لأن الأكل بها لا يقال إنه أكل بأصابعه، وهذا أول رد، وأول وجه رد، الذي يأكل بالملعقة، هل يقال إنه أكل بأصابعه؟ ما يقال إنه أكل بأصابعه، فلهذا ابتعد عن السنة، السنة أن النبي كان يأكل بيده، يأكل بأصابعه، وهذا أكل بملعقته، ما أكل بأصابعه، فابتعد عن السنة. فلهذا القول الصحيح في مسألة الأكل بالملاعق أننا لا نقول بالكراهة، لا نقول بالكراهة، نقول: هي جائزة، لا بأس به، وخاصة مع وجود مجتمعات قد اعتادت على أن تأكل بالملاعق في كل وجباتها، ملعقة والسكين معها، لكن يكون باليمنى كما مر ذلك سلفًا، تكون باليمنى. فالأكل بالملعقة لا نقول بكراهته، بل نقول بجوازه، وأنه لا بأس به، وبالمقابل لا نقول أن الأكل بالملعقة من السنة، لا نقول أنها من السنة، فحدها أن يكون الأكل بالملاعق مما يجوز، فلا كراهة ولا سنية فيه، كما يقول ذلك العلماء. كذلك مما يلحق من الأكل بالأصابع مسألة لعق الأصابع، لعق الأصابع، الإنسان إذا أكل بيده فلا شك ولا ريب أن مادة الطعام ستعلق بيده، فما حكم هذا الطعام الذي اتصل بالأيدي، اتصل باليمنى، اتصل بالأصابع؟ حكمها الذي جاء به السنة أنها تلعق، أنها تلعق. ويؤيد ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يلعقها، وفي رواية: قال عليه الصلاة والسلام: إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها، فقبل أن تغسل الأيدي أو تمسح، احرص يا عبد الله أن تقوم بلعقها، أن تلعقها. وهذه السنة إخواني في الله من نظر إلى نفسه، ونظر إلى حاله وحال من معه من أهل بيته، ليعلم أنها من أبعد السنة تطبيقًا في واقعنا، إذ أن الكثير من الناس من غفل عنها، ليس عن غفلة، بل إن منهم من ارتقى به الحال إلى الاستهجان، يستهجن هذه الطريقة، ويستقبحها، بل إذا رأى أحدًا فعل ذلك يرميه بالقذارة، ويرميه بالدناءة. وهذا كما يقال إخواني في الله من الغفلة العظيم عن السنة. يقول إمام الحرمين رحمه الله تعالى: عاب قوم أفسد عقولهم الترف، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع والصحفة جزء مما أكلوه، وهذا من الغريب، يعني ما الذي مستقبح يا عبد الله في هذا الطعام؟ هو طعامك، هذا الذي أكلته من الصحفة، والذي أكلته من الصحفة التي أمامك هو الذي علق بيدك، فأين القذارة؟ أين ما يسمى بسوء الأدب أو قلة الذوق كما يدعي بعض الناس؟ هذا ليس من العيب شيء، ليس من العيب في شيء. وللإمام الألباني رحمه الله تعالى مقاله طيب في هذا المقام، عندما علق على هذا الحديث، وبيّن أن هذه من السنن التي غفل عنها الناس، وهو لعق الأصابع، قال رحمه الله تعالى: بل إن الكثيرين منهم -أي من الناس- يعتبرون ذلك قلة ذوق، وإخلالًا بآداب الطعام، ولذلك اتخذوا في موائدهم مناديل من الورق الخفيف النشاف المعروف بكلينيكس، فلا يكاد أحدهم يجد شيئًا من الزهومة في أصابعه، بل وعلى شفتيه إلا بادر إلى مسح ذلك بالمنديل. هذا حال الناس، يجعل الكلينيكس، وهذا موجود في المطاعم بكثرة، تجد الكلينيكس موجود، مهمة الكلينيكس أنك تزيل كل شيء، وأنت يا عبد الله عندك هذه السنة، لعق الأصابع. ومما يذكر في هذا المقام أن الأبحاث العلمية في هذه الآونة المتأخرة أثبتت أن أنامل الأصابع عندها الأكل تفرز مواد خفية، وهذه المواد تعين الطعام على الهضم، تهضم، هذه مواد إفرازية تساعد على هضم الطعام في المعدة، سبحان الخالق، هذه حكمة من الله عز وجل، حكمة من الله عز وجل. ونحن كما يقول، بغض النظر عن هذه الأبحاث، حصلت أو لم تحصل، صدقت أو لم تصدق، عندنا السنة، فكان من هدي عليه الصلاة والسلام أنه إذا انتهى من طعامه لعق أصابعه بما بطعامك الذي أنت تأكله، ليس من جديد، وليس من أكل غريب ورد عليك، فهذا إخواني في الله مما يذكر في هذه المسألة. والحكمة كما يقول العلماء في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن أحدكم لا يدري في أي طعامكم البركة، فإن أحدكم لا يدري في أي طعامكم البركة، ما من طعام يوضع إلا ويجعل الله فيه بركة، فما تدري البركة أين؟ هل في الطعام الذي في الصحن، أو الذي سقط، أو الذي علق بيدك؟ فأنت تبحث، فحاول أن يكون أكلك بكل الطعام الذي في يدك. مسألة أخيرة إخواني في الله متعلقة بهذا الباب، وهو أخذ ما تناثر من الأرض في الطعام، أخذ ما تناثر من الطعام في الأرض. أحيانًا في أكلك يا عبد الله يسقط بعض الطعام إلى الأرض، فما حكم هذا الطعام؟ حكمه كما جاء في السنة أنك تأخذه وتأكله، ففي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، يزح عنها الذي تعلق بها، يزيل عنها، ثم قال: وليأكلها، لماذا؟ ولا يدعها للشيطان، الشيطان حاضر عندك، يستغل مثل هذه السقطات، إذا سقطت فلم تأخذ، فإنه يأكلها من بعدك، فكونك لتعلم شيطانًا من ذلك فلا تدع له شيئًا في المائدة، وهذا الأكل إخواني في الله، وهذا المثال للطعام، هذا في الذي يمكن أن يزاح عنه الأذى. في الطعام الذي يمكن أن يزاح عنه الأذى، مثل تمرة تسقط، بإمكانك أن ترفعها، تميط عنها الأذى وتأكلها، أو فاكهة سقطت منك، بإمكانك أن تأخذها وتزيل عنها الأذى وتأكلها. أما إذا لم يمكن أن يمط عنها الأذى فلا، مثل الأكل المائع، شيء مائع مثل سقط على التراب، كيف تزيل عنه الأذى؟ هذا لا يمكن إزاحته، هذا لا يمكن إزاحته، فلا يدخل هذا في حكم الحديث. فإنما الحديث يحمل على الطعام الذي بإمكانك أن تزيل عنه الأذى ثم تأكله، فهذا الذي يؤكل. وأما تركه، فقد خالفت السنة، وجعلت الطعام يأكله الشيطان من بعدك، ويدخل في هذه المسألة إخواني في الله الطعام الذي يسقط على السفرة، الناس والله الحمد الآن في أطعمتهم تفرش لهم السفر نظيفة، ثم يوضع عليها الطعام. فما تساقط من الطعام يا عبد الله هذا خذ وكله، لا تدعه للشيطان، لا تدعه للشيطان، كما قلنا: فإن أحدكم لا يدري في أي الطعام بركة، هل في الطعام الموجود، أو في الطعام الساقط، أو في الطعام الذي علق بالأيدي؟ فهذا يؤخذ، وهذا يؤخذ، وهذا يؤكل، فكلّه يؤكل. ولهذا صرح العلماء على أن مما يدخل في هذا الحكم الطعام الساقط على السفرة، فإنه يؤخذ ويؤكل. وللأسف إخواني في الله تجد بعض الناس، وانظر مثاله في موضوع الغداء إذا قرب مثل الرز ونحو ذلك، تجد الساقط يأكل بعض الأطعمة ثم يسقط في جوانبه، هنا يسقط، وهذا من طعامك أنت، ما خرج من بعيد، ما جاء من السقف أو جاء من مكان ثم أتى إلى كذا، طعامك أنت، أنت الذي أسقطته، فخذه وكله، ولا تدعه للشيطان، هذه السنة. لا تدعه وتأخذ تركه للشيطان، وإنما يؤخذ ويؤكل، يؤخذ ويؤكل. بل ما هو أبعد من ذلك، ذكر مسألة الإمام النووي رحمه الله تعالى مسألة افتراضية، قال: ولو افترض أو توقع أن الطعام سقط في نجس، في مكان نجس، قال: يؤخذ ويغسل إن أمكن، وإلا يُعطى الحيوان، ولا يُترك للشيطان. ذكر هذا الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم عند هذا الحديث، فإذا افترضنا أن الطعام هذه اللقمة سقطت في مكان نجس، قال: إن أمكن غسلها تُغسل، وإلا تُعطى الحيوان، أعطها لقطط أو للمساكين، ولا تُترك للشيطان، كل ذلك حفاظًا على السنة، حفاظًا على السنة. فأدنى الآداب العظيم يا عبد الله أن الواحد منا لا يتساهل في الأكل، الطعام المتصاقط منه، فهو منه، ويعود إليه. وهذا كما قلنا يُحمل على الذي يمكن إزاحة الأذى منه، وإماطة الأذى عنه، ثم يُؤكل. ثم تأتي مسألة أعظم من هذا كله، وهي مسألة الحفاظ على الطعام بشكل عام، ليس الذي تأكل منه، بل الطعام المتصاقط أينما وجد. فهذا من الآداب الذي اهتم به العلماء، أنت قد تمشي تمشي في طريق، في شارع، في درب، في ممر، تمر على بيت، على غرفة، على صالة، على مسجد، فإذا بكسرة خبز أو كسرة طعام مرمية في الأرض، فهنا قال علماء: فهذا الأكل يُرفع، ولا يُوضع، يُرفع، ولا يُوضع، لا تجعله مرميًا، إنما خذه واطرحه في أي مكان، كما يقول علماء: في أي مكان اُرفعه في مكان مرتفع، لا يكون هذا الطعام عرضة للإهانة. لأن هذا رزق من رزق الله، هذه نعمة من نعمة الله علينا جميعًا، فتركه للإمتهان يأتي من يأتي، وذاك يدوسه، وذاك يرمحه، وذاك يكرّهه، هنا وهنا، وهو نعمة، نعمة ترمى هكذا، هذا ما معنى البطر؟ ما معنى الأشر؟ ما معنى الكبر والترفع على نعمة الله؟ والمسلم يحاول أن يعظم شعائر الله، ومن شعائر الله تحريم نعمة أن يحرمها من الامتهان، فيرفعها. وهذا قد وجد، ولله الحمد، نجد بعض الناس، نعم، يستعظم هذا الأمر، فتجد وجد خبز مرمي، سرعان ما يرفعه، يضعه فوق كبت، فوق مكان، إن هناك قمامة، وضعه في قمامة، أكل مرمي، لا يجعله مرميًا، وإنما يرفعه. يقول ابن الحاج رحمه الله تعالى مبينًا هذه المسألة: فينبغي للإنسان إذا وجد خبزًا أو غيره مما له حرمة، مما يؤكل، أن يرفعه من موضع المهنة -أي موضع الامتهان، وهو الرمي- من موضع المهنة إلى محل طاهر يصونه فيه. لكن لا يقبله، ولا يرفعه فوق رأسه كما تفعله العامة، فإنه بدعة، نعم، هذه مسألة طيبة، نبّه عليها ابن الحاج رحمه الله تعالى، مسألة بعضهم نرى هذا، إذا وجد خبزًا مرميًا ثم يقبله ثم يوضع، لا، ليش تقبل الجمادات؟ ما تقبل الجمادات، ما تقبل، إنما يقبل الذي أمر شريعتنا بتقبيله، كالحجر الأسود، أما تأتي إلى جماد بقصد التعظيم، لا. فالخبز لا تقبله، أو تجعله فوق رأسك من باب التعظيم، لا تفعل هذا، خذه وارفعه مباشرة. ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا الباب مجرب، وتأمل عبارته: وهذا الباب مجرب، فمن عظم الله بتعظيم نعمه لطف به وأكرمه، وإن وقع بالناس شدة جعل له فرجًا ومخرجًا، هذا في حق من فعل هذا، من وجد كسرة خبز يرفعها. فأتأمل هذا الخلق يا عبد الله، فإن هذا سبيل لأن الله يرفع من قدرك، إن قمت بماذا؟ بتعظيم نعمه. فمن دخل إلى بيته وجد طعامًا، خبزًا أو نحو ذلك مرميًا، أو فتات أو رفع السفرة مثلًا، وجد رزًا أو شيء، يوظف، يمط الأذى عن المكان، ولا يجعل ذلك عرضة للإهانة والدوس، فهذا ما يتعلق بهذه المسائل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.