آداب الطعام والشراب 7

آداب الطعام والشراب 7

الدرس في آداب الطعام والشراب 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأكل مما يليك وتأثيره على المروءة

يتناول هذا الفصل الأدب الرابع في آداب الطعام وهو الأكل مما يليك، ويشرح سبب النهي عن الأكل من جهة الآخرين وتأثيره على المروءة. كما يتناول حكم الأكل لوحده وهل يجوز له الأكل من أي جهة أم لا.

آداب الأكل مع الجماعة وتفاصيله

يتناول هذا الفصل آداب الأكل مع الجماعة، حيث يوضح أن الأكل من وسط الطعام منهي عنه إذا كان الطعام متجانسًا، بينما يجوز الأكل من الوسط إذا كان الطعام مختلفًا ومتنوعًا.

استثناءات وحالات خاصة في آداب الطعام

يتناول هذا الفصل حالات استثنائية يجوز فيها الأكل من جوانب الطعام، مثل كبار الشخصيات وأصحاب الضيافة وعند تعدد الأصناف على المائدة، واستثناها العلماء بناءً على فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، من آداب الطعام إخواني في الله الأدب الرابع في هذه السلسلة، وهو الأكل مما يليك، وهذا الأدب قد جاء مصرحًا مبينًا في السنة النبوية، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ما يتعلق بأمر التسمية قد مضى، وما يتعلق بالأكل باليمين قد سبق، وها نحن في هذا الأدب وهو الأكل مما يليك. والمقصود بالأكل مما يليك أن تأكل مما قرب منك من جهتك، وما علة النهي؟ ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى بعضًا من أسباب النهي في هذه المسألة، لماذا يعاب على الآكل أن يأكل من هنا وهنا ولا يأكل من جهته؟ قال إمام النووي رحمه الله تعالى: «إن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة، فقد يتقذر صاحبه»، تخيل أنت في أثناء أكلك إذ تجد أن من كان بجنبك يأكل من جهتك، ربما تستقذر بعد ذلك أن تواصل وأن تستمر في الأكل، فهذا نوع استقذار، مع أنه ترك للمروءة، ترك للمروءة. فالأدب يا عبد الله أنك تلتزم بأن تأكل من جهتك وما قرب منك، والإخلال بهذا الأدب يكون على صورتين اثنتين، الإخلال بهذا الأدب وهو أنك لا تأكل من جهتك، سيتقع في خلل، والخلل الأول وهو أنك تأكل من جهتي ومن جانب الآخرين، هذا هو الإخلال بالأدب، لأنك إن لم تأكل من جهتك ستأكل أين؟ ستأكل من جهة إخوانك الذي يأكلون بجوارك، فهذا لا يجوز، وهذا يذكلك في النهي لأن النبي أمرك أن تأكل مما يليك، لا مما يلي غيرك، لا يجوز هذا. لكن تأتي هنا مسألة يذكرها العلماء، وهي ما لو أن الآكل يأكل لوحده، هذا يتصور في حق من تأخر عن الجماعة فما أكل معهم، أو رجل منفرد في محله في بيته يأكل لوحده، والصحيح لوحده هو يأكل من جهته، هل له أن يأكل من هنا ويأكل من هنا ويأكل من هنا؟ لا منازع، ما عنده منافس، ما عنده أحد، مسألة فيها خلاف، المنصوص عليه عند الشافعية أن هذا لا يجوز ولو كنت لوحدك، تأكل من جهتك ولا تتعدى، ولو كنت لوحدك، وذلك تمسكًا بظاهر النص «وكل مما يليك». واطائف من أهل العلم قالوا: لا، هنا لا نهي، بل لك أن تأكل من أي جهة كانت، تأكل من جهتك، ولك أن تقفز تأكل من جهة التي تلي الذي من أمامك، أو تأكل من الجوانب، لك أن تأكل ما شئت، لأنه أولًا ما هناك أحد حتى تستأذن منه، أو فضلًا أن هناك أحد يستقذر منك، ذكرنا العلم علة الاستقدار، وما هناك أحد يستقذر أصلا منك لأنك منفرد، فالأمر في ذلك واسع، والخلاف هذا حاصل. فهذا الإخلال من عدم أكل من جهتك ستأكل من جوانب الآخرين، وهذا منهي عنه، الإخلال الثاني مما يخرج عن هذا الأدب أنك تأكل من وسط الطعام، وهذا كذلك منهي عنه، لأنك مأمور أن تأكل مما يليك، فلا تأكل من الوسط، فالمنهي عنه أنك تأكل من الجوانب، ومنهي عنك ذلك أن تأكل من وسط الطعام من ذروته. وقد جاءت الأحاديث القاضية بالمنع من ذلك، ما جاء من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه»، كل من حافتي الطعام ولا تأكل من الوسط، فهذا الخطاب لو كان جماعة يأكل من الجوانب كل من يليه، لكن الوسط دعوها لنزول البركة. وأيضًا ثبت من حديث عبد الله بن بسر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها»، رواه أبو داود بإسناد صحيح، دعوا ذروتها والذروة تكون في الوسط، وسط الطعام يترك ولا يأخذ منه شيء. بقيت هذه المسألة إخواني في الله، يكون التصور فيها صحيحًا إذا كان الطعام واحدًا، يعني الطعام واحد من كل جوانبه طعام واحد، فلا تأكل من الوسط، لكن لو اختلف الطعام، مثاله ما هو معمول في مجتمعاتنا مثل في الولائم وفي الغداء، مثلًا أن يكون في الوسط اللحم من السمك أو الدجاج أو اللحم يكون هذا في الوسط مطروحًا، فأنت تأكل من الجوانب، لكن تحتاج إلى أن تأخذ من اللحم الذي في الوسط، ثم تأكل تتناول من تناولا، كيف العمل؟ هذه الصور إخواني في الله ليست داخلة في النهي، ليست داخلة في النهي لأن الطعام هنا منوع وليس بطعام واحد. النهي حمله العلماء إذا كان عندك طعامًا واحدًا، يعني كما يقال عندي طعام وحّد قسم، مثال المكرونة مثال موحد، فأنت تأكل من وسطه ليش تأكل من وسطه؟ الذي هنا هو هنا ما في عندي شيء لما تأكل وسطه، لكن في حال اختلال الطعام واختلافه، كان يكون عندي رز في الوسط هذا اللحم ليس له النظير، فلا بأس أن تأخذ من الوسط، فهذا جائز ولا يدخل ذلك في النهي. فالأصل إخواني في الله أن هذا الأدب وهو الأكل مما يليك تأتمر به استحبابًا، وخرج عنه أن تأكل من الجوانب أو من جهة الآكلين معك، ويدخل في الإخلال أن تأكل من وسط الطعام إذا كان الطعام واحدًا. مسألة أخيرة في هذا المقام، وهي هل يتصور في بعض المسائل أن تجد أن الرجل يجد من السعة أن يأكل هنا وهنا وهنا؟ نعم، هناك حالات استثناها العلماء يمكن أن تجد الرجل يجول بيده يأكل هنا ويأكل من هنا ويأكل من هنا. الصورة الأولى والحالة الأولى إذا كان هذا لرجل كبير له مقام وله شان، هذا له أن يفعل ما يشاء في الأكل، ومن أين جاء هذا الاستثناء؟ جاء من فعله عليه الصلاة والسلام، أنه قدم له طعام فكان في الطعام دباء وكان النبي يحبها، فكان يتتبع الدباء يتتبعها هنا وهنا وهنا، فكان يده تجول عليه الصلاة والسلام، فقال العلماء إذا فعله صلوات ربي وسلامه عليه يحمل على ماذا؟ يحمل على من كان مثله ومن كان شبيهًا بحالته، كالكبير كبير الشان، مثل رجل كبير دخل في مجلسك وأحب أن يأكل معك، فإذا رأيت يده تجول دعه، فهذا مما أعطاه الشرع رخصة. أو يكون صاحب بيت صاحب الضيافة يأخذ من هنا يأخذ من هنا، فلا بأس، قاس العلماء ذلك بفعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يتتبع الدباء ليست في محله بل في خارج نطاق محله، فأجاز ذلك. وألحق العلماء من سمعتم الصورة الثانية والتي بها يمكن للشخص أن تجد أن يده تجول إذا كانت المائدة مكونة من عدة أطعمة كالمعتاد عندنا في الضيافة، مثلًا تجد أن الذي يقدم في الأكل أو في الوجبة أو للضيف مثلًا عدة وجبات، صحن بنوع وصحن آخر وصحن ثالث وصحن رابع، لربما تباعدت الصحون لكثرة الضيافة ما يمكنك أن تحشدها حشدًا عند زائرك أو عند ضيفك، ما يمكن تحشدها حشدًا فتفرق الصحون، فلربما صاحب الضيافة يأكل من هنا ثم يأكل من هناك ثم يأكل من ذاك الصحن، هل هذا فيه شيء؟ الجواب هذا ليس فيه شيء، لأنه كما قلت ليس بالإمكان أنك تحشد الصحون تحت يده، وإنما ستفرق على طول المائدة. والأصل أن الطعام ما قدم إلا للضيف يأكل منه، لا تعيب عندما يقول: يا أخي لا أكل مما يليك، وهذا لماذا يقدم لي إذن؟ تشكيلة زينة للمائدة، هذا ليس زينة، هذا لك، كل ما تأكل من هذا الصحن تأكل من ذاك تأكل من ذاك تأكل من ذاك، فهذا جائز. فهذه الحالات إخواني في الله ذكرها العلماء في إمكانية أن الرجل يده تجول في الصحفة أو في المائدة يأكل من هنا، إذا كان كبير الشان كمن كان لهم مقام وهيبة ورئيس وزعيم، أو كان صاحب بيت، أو يكون الرجل الصحون المعدة عدة صحون من عدة أطعمة، ولا يمكن الوصول إليها إلا أن يتعدى الذي أمامه، فلا بأس في هذا ولا بأس في ذاك. هذه إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة بهذا النهي الذي جاء عنه نبينا، أو بالأمر الأدب الذي حث عليه نبينا بفعله في آداب الطعام، وهو أن تأكل مما يليك. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.