الدرس في آداب إجابة الدعوة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مسألة تعدد الدعوات في نفس الوقت ويشرح آراء العلماء في كيفية التعامل معها. يرى جمهور العلماء تقديم الأسبق في الدعوة أو ذا الرحم أو الأقرب باباً أو الأكثر استقامة.
يستحب لمن يُدعى إلى وليمة أن يدعو للمدعوين بالبركة والمغفرة والرحمة كما ورد في الأحاديث النبوية. هذه الدعوات عامة لكل من يدعو شخصًا لطعام.
المقطع يشرح جواز تخصيص الدعوة لأناس معدودين دون أن يعد بخلًا، ويؤكد على ضرورة استئذان الشخص الزائد قبل الدخول. الأمر راجع لصاحب البيت في الإذن أو الرد.
يختتم المتحدث كلامه حول آداب الدعوة مشيرًا إلى أهمية الفطنة والفقه في التعامل مع هذه المسائل. يؤكد على أهمية ما تمت مناقشته من مسائل يحتاجها كل مسلم ومسلمة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المسائل المتعلقة بإجابة الدعوة، ونحن لا نزال في غمار في هذا الباب، في باب آداب إجابة الدعوة، مسألة متعلقة إذا تعددت الدعوة. وصورة هذه المسألة كأن تأتيك أكثر من دعوة في وقت واحد، وهذا أكثر ما يكون، إخواني في الله، عندما ينعقد ما يسمى بالزواج الجماعي، تجد بعض الناس يستشكل هذا الأمر، تأتيه أكثر من دعوة، فلان يطلبه وفلان يطلبه وفلان يطلبه، فما هو السبيل؟ فلا إشكال أمكن الجمع، كأن تأتيك وجبة في الغداء ووجبة في العشاء، هنا لا إشكال أنك تأتي بهذا في وقتها وذاك في وقتها، أو أن هذا في يوم وذاك في يوم ثاني، لا إشكال في هذا الأمر. إشكال إذا لم يمكن الجمع، كما يقع في الزواج الجماعي، تجد وليمة الغداء كله في وقت واحد. فإذا لم يمكن الجمع كيف العمل؟ جمهور العلماء، إخواني في هذا الباب، يرون أن الأولوية للأسبق، يعني من أول من قدم لك الدعوة، فلان إذا هذا الذي ينبغي أن تبدأ بحضوره، أجب دعوته الذي سبق، وهذا مذهب أكثر العلماء في هذه المسألة، قالوا لأن الذي أتى لك بالدعوة هو الذي أوصل لك حكم الوجوب، فالثاني عندما جاءك بالدعوة المتأخرة ما أسقط الوجوب الأول، فتبقى الزمة مشغولة بالأمر الأول وهو الواجب في حضور دعوته لأنه سبق. المشكلة الثانية وهي إذا كانت الدعوة كذلك جاءت في وقت واحد، هذه المشكلة الأكبر والأعظم، كان يأتيك في هذا اليوم تأتيك عدة دعوات، كما قلنا في الزواج الجماعي مثلاً، تأتيك عدة ورقات، فلان وفلان وفلان كلهم يدعونك والدعوات جاءت كلها في وقت واحد، ويطلبونك في غداء في يوم واحد. فهنالك انظار العلماء أيضاً اختلفت، وأكثر العلماء على أنه يقدم ذا الرحم، إن مجد إن كان هناك أربعة ثلاثة مثلاً دعوك وكلهم قد قدموا دعواهم في يوم واحد، فعليك أن تنظر إلى من كان ذا رحم أو من كان أقرب رحماً، فإن كلهم لم يكن أحد من ذوي الرحم، قالوا إذن تنظر إلى أيهم أقرب لك باباً، الجيران هم المقدمون على غيرهم. ومن أهل العلم من قال لا، لا تنظر إلى حيث الرحم، وإنما انظر من حيث التدين، أيهم أكثر استقامة وأكثر التزاماً، هذا عليك أن تحضر له. وهذا كما قلنا إذا كانت الدعوة قد جاءت لك في يوم واحد وفي زمن واحد، وكانت الدعوة في يوم واحد، فهذا الخلاف الذي دار عليه كلام العلماء. كذلك من الآداب التي تذكر في هذا الباب، وهي من باب وآداب إجابة الدعوة، الدعاء لهم، الدعاء لمن دعاك لهذه الدعوة، وصنع لك هذه الوليمة، سواء كانت وليمة عرس أو عقيقة أو لمناسبة سعيدة، فإنه يُستحب، ومن تمام الأدب أنك تدعو لهم، فقد صح ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لمن دعاه: اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيما رزقتهم»، تدعو لهم بالبركة والمغفرة والرحمة. وثبت أيضاً من حديث المقداد، وهو في صحيح مسلم، «أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن دعاه فقال: اللهم أطعم من أطعمني واسقي من سقاني»، هذا كذلك من الدعاء المناسب لهذا الباب. وأيضاً كذلك مما يؤثر في هذا الباب ما جاء من حديث أنس، رواه أبو داود في سننه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل منه عليه الصلاة والسلام، ثم قال: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة»، هذه الدعوات دعا بها نبينا لسعد، وحكمها عام لكل من دعاك إلى وجبة أو دعوة. وهذا الحديث له طرق كثيرة، وإن كانت نعم معلة، لكن بكثرة طرقها يرتقي للصحة والحجية، وقد صح هذا الأثر أو هذا الحديث بن حبان ومن بعده العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ومما يذكر في فائدة هذا الحديث أن هذا الحديث لا يقتصر على إفطار الصائمين، لأن بعض الناس لربما ينظر إلى ظاهر النص في قوله «أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة»، فبعضهم يرى أن هذه الكلمات إنما تقال لمن دعاك إلى وجبة إفطار الصائم، وهذا ليس بصحيح. ولهذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عندما أورد هذا الحديث مع صحته قال رحمه الله تعالى: بل هو دعاء لصاحب الطعام بالتوفيق حتى يفطر الصائمون عنده، وليس في الحديث التصريح بأنه كان صائمًا، فلا يجوز تخصيصه بالصائم، أي لا يخص هذا الدعاء أن الصائم يدعو به، بل هو دعاء لكل من دعاك. فمنذ هذه الأيام دعاك أحد إلى غداء إلى عشاء إلى وجبة، فيستحب لك أنك تدعو بهذه الدعوات «أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة»، وما ثبت «اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني» أو «اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيما رزقتهم». وكذلك من المسائل المتعلقة بباب الدعوة مسألة قد جاء ذكرها، ويناسب إعادتها في هذا المقام لما لها تعلق بهذه المسألة، وهو من تبع المدعو، أحيانا تأتيك دعوة إلى وجبة إلى وليمة إلى غداء إلى مناسبة، فإذا بشخص يلحقك وهو غير مدعو، فما هو العمل؟ العمل ما جاء في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: «دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له خامس خمسة، فتبعهم رجل، فلما بلغ الباب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا تبعنا، فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع»، قال: بل آذن له يا رسول الله. فمن هذا الباب أولًا فيه يجوز تخصيص الدعوة لأناس مخصوصين، إنه أناس معدودين ولو بعدد ما، في شيء هذا لا يعد بخلًا، كأن فلان دعا طعام لأربعة لخمسة لستة لثلاثة، هذا ليس بخلًا، لكن هذا الذي يتيسر، فحصر الوليمة على عدد هذا ليس فيه طعن أو غمز في حق صاحبه. وكذلك في الحديث ضرورة الاستئذان للزائد، فهذا الرجل هو السادس، لكنه غير مدعو من ضمن القائمة، غير مدعو فتبعهم، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أحب أن يرده، ما أحب أن يرده، وإنما لحق بهم حتى إذا وصل عند صاحب الباب استأذن، فلابد من الإذن، لابد من الإذن، هل تأذن أو لا تأذن؟ فالأمر راجع إلى صاحب البيت، فإن أذن فذاك. وهذا المستحب كما يقول علماء المستحب أنك إن وجدت أحد لحق بالركب فلا تهده، وأنك تدخله، فالبركة من الله سبحانه وتعالى، هذا المستحب، لكن إن رجع وإن طلب له أن يرجع فليرجع، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾، هذه الزكاة للنفس، فلا تكريب على صاحب البيت إن ردك. وقد يكون رد صاحب البيت ليس من باب البخل، كان عند بعض العامة إذا ردوا مثلاً الزائد، قل أيش هذا سيكسر عليهم الصحن، هذا سيؤثر عليهم، لا ليس الأمر كذلك، أحياناً صاحب الوليمة أو صاحب الوجبة يرد الزائد لأن إنما دعا هؤلاء لمناسبة حديث معهم، مشكلة وقعت، خبر يتعلق بهذا بهؤلاء. مثلاً عندي مولوع مع فلان وفلان، ما رأيكم يا أخوة تجتمع عندي في البيت أو عد وليمة أو عد وجبة نجتمع وتناقش، فإنما تمت هذه المسألة وهذا الحضور لموضوع خاص، فعندما تأتي أنت ستعكر على الأمر على القوم كلهم، لن يخوضوا في الذي اجتمعوا له، ما سيخوضوا كلهم سيمسك الموضوع، فكأن الأمر ما فلح بماذا؟ لوجودك أنت. ولهذا فإن رد، فإن طلب منك أن ترجع ارجع، وهذه أخوة والله أخي، اسمحوا لو تتأخر أفضل، زاك الله أخي، أخي طيب أمر رعا، وهذا إخوان يشعرك على أن الرجل لا يكون طفيلًا، وهذه طائفة من الناس يعرفون عند أهل العلم بالطفيليين، يلتصق بأي أحد متى ما رأى موكب يسير، قالها وراهم خير، يلتصق بهم ومع الناس يلتصق، يلتصق، ولا وليس هذا بالطيب يا عبد الله أنك تحشر أنفك في كل مناسبة دعيت لها أو لم تدعو تدع لها. وإنما إن شاء الله الشخص يكون عنده فطنة وعنده فقه في هذا الباب، فلا يحرج ولا يحرج غيره في هذا الأمر، هذا أخواني في الله ما يتعلق بهذه المسائل من إجابة الدعوة، وبها نكتفي، وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وإلا بقية مسائل متعلقة بهذا الباب العظيم من أبواب الآداب. لكن كان الكلام على أهم المسائل التي يحتاج أن يتعرف عليها كل مسلم ومسلمة في هذا الباب العظيم، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعني بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.