شرح مختصر سيرة الرسول 64

شرح مختصر سيرة الرسول 64

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

غزوة بني قينقاع: نقض العهد والإجلاء

في السنة الثالثة للهجرة نقضت قبيلة بني قينقاع العهد مع النبي ﷺ بعد غزوة بدر وآذوا المسلمين، فحاصرهم النبي ﷺ خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه. شفع فيهم عبد الله بن أبي سلول فأطلقهم النبي ﷺ وأخرجهم من المدينة، وكانوا سبعمئة رجل، وهم أول قبيلة يهودية تُجلَى عن المدينة.

غزوة أحد: المشاورة والاستعداد للقاء العدو

وقعت غزوة أحد في شوال من السنة الثالثة للهجرة، حيث جمع أبو سفيان نحو ثلاثة آلاف من قريش وحلفائهم للثأر من بدر. استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكان رأيه البقاء في المدينة والقتال دفاعياً، بينما أصر جماعة من الصحابة على الخروج، فلبس النبي لأمته واستعد للخروج.

الخروج لأحد وانسحاب عبدالله بن أبي واختتام الدرس

لبس النبي ﷺ لأمته وخرج لأحد، فانخزل عبدالله بن أبي بثلث العسكر محتجاً بمخالفة رأيه، وتأول النبي ﷺ رؤياه وحث أصحابه على التقوى. اختتم المتحدث الدرس مشيراً إلى استكمال أحداث المعركة في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والله الكثير طيبا مبارك فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. لما بعد: انتهى المؤلف رحمه الله من ذكر أحداث السنة الثانية من الهجرة، وآخر ذلك ما وقع من أسرى بدر وما فعل بهم النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة. قال: غزوة بني قينقاع. وكما تعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة كانت ثلاث قبائل من اليهود تسكن المدينة: هم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام صالحهم وتعاهد معهم أن لا يشاركوا مع أعدائه في حربهم وقتالهم والتحريض عليهم ونحو ذلك، فاتفقوا على هذا. فوقعت بعض الغزوات، ومنها غزوة بدر التي انتهينا منها. فأول هذه القبائل التي نقضت العهد والميثاق هم بنو قينقاع. وهذه القبيلة كانت من أشرف قبائل اليهود، وفيهم شيء من العزة والكبر. فبدأوا يكيدون للإسلام والمسلمين بعد غزوة بدر، فيؤذون المسلمين، وكذلك يوالون الأعداء يتواصلون معهم. فحصرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك أخرجهم من المدينة كما سنتعلم في هذه الغزوة. قال: فكانت فيها غزوة بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة فنقضوا العهد. وقيل - وهذا يذكره بعض أهل السير، الله أعلم بصحته، ورب يذكره المؤلف هنا - أن من نقضهم للعهد أنهم كانوا يؤذون نساء المسلمين. فجاءت امرأة من المسلمين إلى السوق فآذوها، وربطوا طرف ثوبها إلى أعلاها وهي جالسة، فلما قامت انكشفت عورتها، فصاحت. فجاء أحد المسلمين فقتل هذا اليهودي الذي فعل هذا، فقتلوه اليهود. فسمع النبي عليه الصلاة والسلام لذلك، مع ما تقدم منهم من معاهدة، وكذلك موالاة للأعداء خارج المدينة. فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة. وكانت هذه القبائل كل قبيلة متحصنة في مكان، معهم حصونهم وبيوتهم. فهذه القبيلة حاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام خمس عشرة ليلة، والحصار معروف: يعني لا يصل إليهم شيء، ولا يخرج منهم شيء. فنزلوا على حكمه، وافقوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فشفع فيهم عبد الله بن أبي سلول، رأس المنافقين. وهذا فيه أن المنافقين هم الذين يواطئون ويخامون عن اليهود إلى زماننا هذا. ألا ترى إلى خوارج أنهم يوالون اليهود؟ ولا يغرنك ما يقولونه في صرختهم: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود. لا يغرك هذا الكلام، فهو من طرف ألسنتهم ومما يضحكون به على السذج من الناس، وإلا فهم واليهود في خندق واحد. وهم من يوالون اليهود. وقد وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم منافقون، أي الخوارج، فهم الذين يدخلون الأعداء إلى بلاد الإسلام. فهكذا عبد الله بن أبي سلول هو الذي شفع في هؤلاء اليهود، وألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فأطلقهم له. يعني لم يقتلهم، ولم يسبِ نساءهم، بل اكتفى عليه الصلاة والسلام بإخراجهم من المدينة. فأطلقهم له، وكانوا سبع مئة رجل. وهم رهط عبد الله بن سلام، يعني عبد الله بن سلام منهم، وهو من علمائهم. فقذف الله عز وجل في قلبه الإسلام فأسلم، وقصة إسلامه معروفة. وكيف أن اليهود قوم بهت، فلما سألهم النبي عليه السلام عنهم قالوا: سيدنا، وهو عالمنا، وهو كذا وكذا، يثنون عليه خيرا. فلما خرج ونطق بالشهادتين قاموا بذمّه وسبّه. فقال النبي عليه السلام عنهم: إنهم قوم بهت، في لحظة واحدة انقلبوا من مدح إلى ذم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذه هي غزوة بني قينقاع، وهم أول اليهود إخراجا من المدينة. قال: غزوة أحد. فيها وقعت أحد في شوال. واختلف العلماء: هل وقعت أحد بعد غزوة بني قينقاع كما هو صنيع المؤلف هنا، أو أنها قبل؟ جاء حديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ألف ومئة وواحد يدل على أن غزوة أحد كانت قبل غزوة بني قينقاع، فارجعوا إليه فإنه يدل على ما ذكرنا، والله أعلم. قال: وفيها وقعت أحد في شوال، أي من السنة الثالثة. قال: وذلك أن الله تبارك وتعالى لما أوقع بقريش يوم بدر يعني الهزيمة، لما هزم المشركون يوم بدر، وترأس فيهم أبو سفيان لذهاب أكابرهم، لأن أبا سفيان كانت معه القافلة فنجى بها. فبعد غزوة بدر قام يؤلب، وأخذ يؤلب على رسول الله وعلى المسلمين، يعني يحرّض ويجمع الناس لحرب المسلمين، ويجمع الجموع. فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش، ثلاثة آلاف، أضعاف العدد الذي قاتل منهم في غزوة بدر. فإن في غزوة بدر تقدم أن منهم ألفا. أما بهذه الغزوة فقد استطاع أبو سفيان أن يجمع ثلاثة آلاف من قريش. قال: والحلفاء والأحابيش. الحلفاء: يعني ممن ليس من قريش ولكن من حلفائهم ممن تعاقد وتعاهد معهم. والأحابيش: أي ممن هو من الأحباش ممن كذلك تولى أو تعاهد معهم. قال: وجاءوا بنسائهم هذه المرة. خرجوا بنسائهم لماذا؟ لألا يفروا. لأن المقاتل إذا كان معه أهله من زوجته أو بناته فإنه يقاتل من أجل عرضه، يقاتل من أجل عرضه. فإن أراد أن يفر فإنه يتذكر زوجته وبناته ونحو ذلك، ويمنعه ذلك من الانفرار. قال: ثم أقبل بهم نحو المدينة. خرجوا هؤلاء جميعا قريبا من ثلاثة آلاف، وخرجوا يريدون الإسلام والمسلمين، ويريدون اقتحام المدينة. فنزل قريبا من جبل أحد. نزلوا في هذا الموضع. وجاء تفاصيل غزوة أحد في الصحيحين وغيرها، وغالب أحداثها في الصحيحين كما سنشير إلى بعضها إن شاء الله. فعلم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إليهم. وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، ومما أمره الله عز وجل به في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. فكان كثيرا عليه الصلاة والسلام ما يستشير أصحابه. قال: وكان رأيه عليه الصلاة والسلام ألا يخرجوا، يعني يبقون في المدينة. فإذا دخلوها هؤلاء الكفار قاتلهم المسلمون على أفواه السكة، يعني على مداخل الطرق، والنساء من فوق البيوت يرمين هؤلاء الأعداء. ووافقه عبد الله بن أبي، رأس المنافقين، ووافقه على هذا الرأي. فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته بدر، يعني لم يقاتل في بدر. اشتاق الصحابة للقتال، بل وتحسر بعضهم أنه لم يشهد بدرا. لأن بدرا لم يعزم النبي عليه الصلاة والسلام على الصحابة، ولم يأمر بخروج جميع المسلمين إلى هذه المعركة، لأنه خرج فقط لاعتراض العير لا للقتال. لكن ممن لم يحضر بدر اشتاق للقتال. فكان رأي فضلاء الصحابة ممن فاته بدر أشار على رسول الله بالخروج، مع أنه يخرج من المدينة ويلتقي في موضع خارج المدينة. وألح عليه في ذلك. فنهر عليه الصلاة والسلام، ودخل بيته، ولبس لأمته. واللامة كما ذكر المعلق في الكتاب: قيل هي الدرع الذي يتدرع به، وقيل هي السلاح كله. كل السلاح يقال للسيف لامة، وللرمح لامة. وإنما سُميت بهذا الاسم لأنها تلائم الجسم أو الجسد وتلازمه، تكون ملازمة للمقاتل، وهي أدوات قتاله: الدروع والسلاح. نحن الآن نرى الجنود تجدهم ملازمين لآلاتهم، لا يفارقون الآلة، يكونون دائما معربين محتسبين ويمشون بالشارع. فهذا أيضا يسمى لامة لأنه يلائم الجسد، يلازمه، ويكون دائما مرافقا له. فالنبي عليه الصلاة لبس عدة القتال من الدروع والسلاح والرمح والسيف ونحو ذلك، وخرج عليهم. فقالوا: استكراهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج. من قال هذا؟ المنافقون، ربض الله، ومن كان على شاكلته. ثم قالوا: إن أحببت أن تنكث بالمدينة ففعل. فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. وهذا في الصحيحين. عفوا، قوله: وخرج عليهم فقالوا، أي قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: استكرهنا رسول الله. يعني هم الذين قالوا: استكرهنا. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يريد الخروج، لأن رأيه كان ماذا؟ رأيه كان البقاء في المدينة. فكأنهم لما ألحوا عليه، شعروا أنهم أكرهوا النبي عليه الصلاة والسلام على الخروج وهو لا يريد الخروج. فقالوا: استكرهنا رسول الله، يعني نحن أكرهنا رسول الله على الخروج وهو لا يريد الخروج. ثم قالوا لهم: إن أحببت أن تمكث بالمدينة ففعل، كما هو رأيك. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته، أي أدوات قتاله وحربه، أن يضعها، أي أن يضعها ولا يخرج، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. فكان الرأي الخروج. قال: فخرج في ألف من أصحابه. وهذا الألف سيأخذ منه رأس المنافقين الثلث، فلم يبق إلا نحو سبعمائة ممن خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام. فأين السبعمائة من ثلاثة آلاف؟ ولكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. قال: فخرج بألف من أصحابه، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. قال: وكان رسول الله رأى رؤيا: رأى أن في سيفه ثلمة، يعني في سيفه شيئا من عدم الحد، وإنما هو كالضربة في السيف. الثلمة هي بمعنى الفرجة أو الفتحة أو نحو ذلك. وأن يقر، وأن بقرا تذبح، وأن يدخل يده في درع حصينة. هذا الذي رأى: أن في سيفه ثلمة، يعني مثل القطع أو مثل عدم الاستواء في الحد ونحو ذلك. وأن بقرا تذبح، وأن يدخل يده في درع حصينة. فتأول الثلمة، يعني فسر هذه الرؤيا: الثلمة برجل يصاب من أهل بيته، وكأنه - الله أعلم - حمزة رضي الله تعالى عنه. قال: والمقر: بقر، بنفر من أصحابه يبتنون، كانوا سبعين كما سيأتي. والدرع: بالمدينة، فهي حصينة، لم يستطع الأعداء دخولها. قال: فخرج، وقال لأصحابه: عليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو. وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا، يعني لا تخالفوا أمر أميركم، لأن طاعة الأمير من طاعة الله. فما أمركم به أميركم فافعلوا. قال: فلما كان بالشوط بين المدينة وأحد، موقع قال له الشوط. فلما كان بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عبد الله بن أبي نحو ثلث العسكر. انخزل يعني رجع، وأخذ معه ثلث العسكر. وقال: عصاني، أي النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: إنه عصاني، لأن رأي عبد الله بن أبي أن يبقوا في المدينة. قال: وسمع من غير، أي من الصحابة، ما ندري على ما نقاتل أنفسنا هاهنا، ما ندري على ما نقاتل أنفسنا هاهنا. هكذا قال رأس المنافقين. ثم قال: أيها الناس، فرجع. وتبعهم عبد الله بن عمرو، والد جابر، جابر بن عبد الله، تبع هذا المنافق مع من ذهب معه، يحرّضهم على الرجوع: كلهم ارجعوا، لا تذهبوا وتتركوا رسول الله. ارجعوا، ويقول: قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لاتبعناكم. فرجع عنهم، وسبّهم، أي رجع عبد الله معه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسبّ هؤلاء الذين خالفوا أمر رسول الله وخذلوا جيش المسلمين. قال: طيب، لعلنا نقف بهذا، ونأخذ بقيّة أحداث هذه المعركة إن شاء الله في درس قادم. من هنا والله تعالى أعلم.