شرح مختصر سيرة الرسول 63

شرح مختصر سيرة الرسول 63

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 63، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قسمة غنائم بدر ونزول آية الأنفال

اختلف الصحابة في قسمة غنائم بدر بين الجامعين والمقاتلين والحراس، فنزع الله الأمر منهم وأنزل آية الأنفال مفوضاً القسمة للرسول. واختلف العلماء في تطبيق التخميس يوم بدر، ووصى النبي بالإحسان إلى الأسرى المشركين.

معاملة أسرى بدر ومشورة الصحابة

عامل الأنصار أسرى بدر بإحسان امتثالاً لوصية النبي، ثم استشار النبي الصحابة في مصير السبعين أسيراً. رأى أبو بكر الفداء ورأى عمر القتل، فاختار النبي رأي أبي بكر مقارناً إياه بإبراهيم وعيسى في الرحمة، وعمر بموسى في الشدة.

نزول آية الإثخان وموقف الأنصار من فداء العباس

بعد غزوة بدر أشار عمر بقتل الأسرى لكن النبي أخذ بالفداء، فنزلت آية ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ مؤيدة لرأي عمر فبكى النبي وأبو بكر. وطلب الأنصار إعفاء العباس بن عبد المطلب من الفداء لنسبه، فرفض النبي ذلك مظهراً ذكاء الأنصار وحسن أدبهم.

الترتيب الزمني للسيرة النبوية وأحداث السنة الثانية

يوضح المؤلف منهجه في سرد السيرة النبوية مرتبة حسب السنين، بدءاً من قبل الهجرة مروراً بالسنة الأولى والثانية مع ختام أحداث السنة الثانية بغزوة بدر. ويشير إلى وجود خلاف حول توقيت غزوة بني قينقاع سيتم بيانه في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله يمنى كثيراً طيباً مباركاً فيكم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا في الدرس الماضي ما وقع في نهاية غزوة بدر، وأن الغلبة كانت للمسلمين، فأسر من المشركين سبعون، وقتل سبعون، وكيف أن الله عز وجل أعز نبيه وأذل أعداءه، وأن المسلمين غنموا غنائم كثيرة. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: "قسم غنائم بدر". قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالغنائم فجمعت، فاختلفوا، أي: كيف يتم قسمة هذه الغنائم؟ فقال من جمعها: هي لنا. وقال من هزم العدو: لولا ما أظهرتموها لولانا ما أظهرتموها، لأنهم قاتلوا. وأما من جمع، إنما هو جمع فقط ولم يقاتل. فمن جمع قال: نحن أولى بها، ومن قاتل قال: نحن أولى بها. وقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأحق بها منا، لأننا حمينا ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهم ثلاثة أصناف: جامعون للغنائم، ومقاتلون للعدو، وحارسون على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: عبادة المصارف، فنزعها الله من أيدينا، فردها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: جعل الله قسمة هذه الغنائم إلى نبيه، فقسمها بين المسلمين، وأنزل الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾. قل: الأنفال هو ما جمع من الغنيمة، يقال له: أنfal، هو الغنائم، هو ما غنمه المسلمون من العدو بعد قتال، أي: قاتلوا. والفَيْء: ما غنمه المسلمون من الكفار من غير قتال، من غير قتال. وهذا الحديث سبب نزول هذه الآية: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾، ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول"، قد مر معنا في ذلك الكتاب. ولكن اختلف العلماء: هل كانت قسمة الغنائم بالتخميس، يعني ما جاء في سورة الأنفال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ﴾، أم أنهم من غير التخميس؟ فمنهم من قال: إن آية التخميس نزلت بعد غزوة بدر، فقسمت الغنائم من غير التخميس. وبعض قال: بل قسمت بالتخميس، واستدلوا بحديث علي في الشارفين اللذين نُعْطِيَاهُمَا يوم بدر، وأنها كانت من الخمس، قال علي: كانت من الخمس، فدل ذلك على أن القسمة في بدر قسمت بالخمس، والله تعالى أعلم. قال: وذكر ابن إسحاق عن مبشر بن وهب، وما ذكره ابن إسحاق الذي سيأتي جاء بمراسيل عدة، بمراسيل عدة، حسن بعض أهل العلم هذا الحديث الذي سيأتي بمجموع طرق تلك المراسيل، وإن كان أيضاً معناه صحيح كما سيأتي معناه. قال: وذكر ابن إسحاق عن مبشر بن وهب قال: وَرَّقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى على أصحابه، وقال: "استوصوا بالأسرى خيراً". ما أعظمه من دين! هؤلاء الأسرى جاءوا معادين مقاتلين للمسلمين، ومع هذا يوصي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالإحسان إلى هؤلاء الأسرى، فقال: "استوصوا بالأسرى خيراً". فكان أبو عزيز بن عمير عند رجل من الأنصار، يعني: أسير من أهل مكة، أبو عزيز بن عمير أسير عند رجل من الأنصار، كان من نصيب هذا الأنصاري. فقال له أخوه مصعب - أي: أخو هذا الأنصاري -: "شُدَّ يدك به"، يعني: لا تتركه، لا تترك هذا الأسير، فإن أمه ذات متاع، يعني: ذات مال. فقال أبو عزيز: يا أخي، هذه وصيتك به؟ يعني: هذا الذي توصي به، ما عندك وصية غير هذه؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك، يعني: أن أخي هو ذلك من الأنصار، ليس أنت. قال أبو عزيز: كنت مع رهط من الأنصار، يعني: جماعة، حين قفلوا، أي: حين رجعوا من غزوة بدر، فكانوا إذا قدموا طعاماً خصوني بالخبز وأكلوا التمر، يعني: قدموه على أنفسهم. لماذا؟ قال: لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، وهو في قوله: "استوصوا بالأسرى خيراً". وهذا فيه سرعة استجابة الصحابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام والعمل بأوامره صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ما يقع في يد رجل منهم كسرة إلا نَفَحَنِي بها، يعني: إلا أعطاني إياها. قال: فأستحي فأردها على أحده، أستحي فيرجعها فيردها عليه، ما يمسكها، والكل يقدم هذا الأسير. انظروا إلى أخلاق أهل الإسلام! ما يعاملونه معاملة شديدة وغليظة وسيئة، وإنما معاملة حسنة، ويعطونه الخبز ويأكلون التمر، ويؤثرونه على أنفسهم. فهذا الحديث كما تقدم، بعض أهل العلم يحسنه بمجموع طرقه التي وردت مرسلة، مرسلة، ومعناه صحيح. فهذه أخلاق أهل الإسلام. قال: أسرى بدر. قال: واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى، وهم سبعون، يعني: هل يقتلهم أو يفديهم، يعني: يدفعون مالاً، فمن دفع فُكَّ أسره، فك أسره. فاستشار أصحابه في الأسرى، كانوا سبعين أسيراً. قالوا: وكذلك القتل سبعون أيضاً، يعني: قتل سبعون، وأسر سبعون. فأشار الصديق، أي: أبو بكر رضي الله عنه، أن يؤخذ منهم فدية، تكون لهم قوة، يعني: تكون للمسلمين قوة مال، ويطلقهم، لعل الله يهديهم للإسلام. هذا كان رأي أبي بكر رضي الله عنه. فقال عمر: لا، وأبي الله، ما أرى ذلك، ما أرى هذا الرأي، ولكني أرى أن تُمَكَّنَنَا فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، بصد نديد الشر. فرأى عمر أن يقتلوا جميعاً. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، أي: اختار الفدية، فقال: "إن الله عز وجل ليُلِينُ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، تكون قلوبهم ليناً، وإن الله عز وجل ليُشِدُّ قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم"، وإن نبي الله إبراهيم عليه السلام إذ قال: ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، يعني: قدم الرأفة وال الرحمة لهؤلاء الذين خالفوا وعصوه، وعصوه، فمن عصاه قال: إنكم غفور رحيم، غفرت له. قال: "وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى"، أيضاً مثل آخر، إذ قال: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، فمع عداوتهم له ومعاندتهم لدعوته، إلا أنه طلب من ربه أن يغفر لهم: ﴿ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾. وهذا من الرأفة والرحمة. قال: "وإن مثلك يا عمر كمثل موسى"، قال: أي: نبي الله موسى، ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾، فدعا عليهم، لهذا الدعاء من طمس الأموال وإشداد على القلوب. ﴿ وَإِنْ مِثْلُكَ يَعْرِضُكَ مِثْلَيْنِ وَحَقًّا رَبَّنَا لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾، إنك أنت ذَرٌّ من ذر عبادك. ثم قال: "أنتم اليوم عالة"، ومعنى عالة: يعني فقراء، فلا ينفلت منهم أحد إلا بفداء، أي: بمال مقابل، حتى تدفعون بهذا المقابل فقركم وحاجتكم، أو ضرب عنق، يعني: من أبى أن يدفع الفدية فتضرب عنقه، لكن أولاً يكون الفداء. فأنزل الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ﴾، بسبب نزول هذه الآية ثابت في الصحيح، كما مر معنا في "الصحيح المسند" مما ليس "الصحيح المسند من أسباب النزول". فآية عَدِلَت رأي عمر رضي الله تعالى عنه: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ﴾، يعني: الإثخان في الأرض هو المبالغة في القتل، المبالغة في القتل، أو كذلك كثرة القتل في العدو، كثرة القتل في العدو. قال عمر: "فلما كان من الغد غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو قاعد هو وأبو بكر يبكيان"، لما نزلت هذه، يبكيان. فقلت: يا رسول الله، أخبرني ما يبكيك وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد باكيت لبكائكما. فقال صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عُرِضَ عليَّ أصحابُ من الغد"، يعني: من أخذهم الفداء، أي: أنهم قالوا بأمر لم يكن صواباً، لأن الآية صَوَّبَت قول عمر، صَوَّبَت قول عمر. فهذا معنى قولهم: "من أخذهم الفداء فقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة"، لشجرة قريبة منهم، يعني: أشار إليهم، وقال: "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر". وقال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: "نريد أن نترك لابن أختنا العباس فداءه". فقال: "لا تدعوا منه درهماً". وهذا في أن خارج طيب. سؤالنا: العباس هو العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أسر في غزوة بدر، وكان مع المشركين قبل إسلام. فلماذا قال الأنصار: "ل ابن أختنا"؟ قال العلماء: يريدون أن عبد المطلب، أبا العباس، أمه من الأنصار، من بني النجار، من بني النجار، فهم أخواله، وكذلك أخوال النبي صلى الله عليه وسلم من جهة جده عبد المطلب. ولذلك جاء في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عند أخواله من النجار، ليس أخواله من جهة أمه، لأن أمه من بني زهرة، ليست من بني النجار، وإنما هم أخوال من جهة جده عبد المطلب، فإن أم عبد المطلب جدهم من بني النجار. وهكذا هنا في قولهم: "يريد أن نترك لابن أختنا العباس"، إذا أهل لابن أختنا، يريدون من جهة عبد المطلب، من جهة عبد المطلب، فإن أمه منهم، من بني النجار، من الأنصار، من الأنصار. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا فيه قوة ذكاء الأنصار وحسن أخلاقهم". كيف حسن أخلاقهم؟ ما قال: "نريد أن نترك لعمك يا رسول الله العباس"، في ذلك العباس عم النبي عليه الصلاة، عم النبي عليه الصلاة. لماذا؟ لأنهم قال العلماء: ما يريدون أن تكون المنة لرسول الله، فيقوم فيه شيء من المحاذاة. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم حاباهم، فعفا عنهم بدون فداء، فأراد الأنصار أن تكون المنة منهم، فلا يكون هناك شيء من المحاذاة فيما يخص النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من شدة ذكائهم، ومن حسن أخلاقهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال: قال: ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة. المؤلف الآن يسرد السيرة على حسب السنين التي وقعت فيها تلك الحوادث، ابتداء من قبل الهجرة، وهكذا إلى بعد الهجرة: السنة الأولى، السنة الثانية، انتهينا من حوادثها، آخرها كان غزوة بدر. وسيأتي الخلاف في غزوة بني قينقاع: هل هي في السنة الثالثة، أو في نهاية السنة الثانية؟ نترك هذا إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله تعالى ترجمة نانسي قنقر.