الدرس في شرح تعجيل الندى بشرح قطر الندى 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور جواز حذف المبتدأ أو الخبر أو كليهما إذا دل عليه دليل أو قرينة سياقية دون إفساد المعنى، مستشهداً بآيات قرآنية كقوله تعالى ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾. كما يبين مواضع الحذف الجوازي كجواب الاستفهام وبعد فاء الجزاء وبعد القول، والفرق بينه وبين الحذف الوجوبي.
يتناول هذا المحور قاعدة وجوب حذف خبر المبتدأ في موضعين رئيسيين: الأول قبل جواب "لولا" الامتناعية كما في آية ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، والثاني قبل جواب القسم الصريح مثل "لعمرو الله". ويوضح الفرق بين القسم الصريح وغير الصريح وأن الحذف لا يجب في غير الصريح لاحتماله الإخبار.
أعلن المحاضر عن انتهاء الجزء الحالي من الدرس المتعلق بأحكام حذف المبتدأ والخبر، على أن يتم استكمال باقي الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله: "وقد يُحذف كل من المبتدأ والخبر"، نحو: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الحجر: 46]، أي: "سلام عليكم أنتم". وهذا الحذف جوازاً، وضابطه: إذا دل عليه دليل، أو دلت عليه قرينة، ففهم المعنى دون ذكر المبتدأ أو ذكر الخبر. مثل هذا: "سلام قوم"، يعني: "سلام عليكم"، لأن السلام يكون على قوم، واضح؟ فعليكم هنا خبر، "عليكم" خبر حذف هنا الخبر لوجود القرينة على معنى... على معنى... فهنا حذف الخبر. طيب، "سلام" هنا ماذا؟ مبتدأ. طيب، "سلام" هنا نكرة، فما هو المسوّق؟ "سلام عليكم"، ما هو المسوّق عندك يا آدم؟ مرّ بك أيش المسوّق؟ لا، لا، "سلام" هنا مبتدأ، صح؟ ولا يبتدأ المبتدأ... لا يكون نكرة، لا يبتدأ بالنكرة، لا يبتدأ بالنكرة. ليش؟ المسوّق قالوا: المسوّق هنا الدعاء، لأن "سلام" معنى الدعاء بالسلامة. أنا قلنا: إن هناك مسوّقات لا تعود إلى التخصيص والتعميم، وإنما مرجعها إلى الإفادة، كأن يكون تعجباً أو دعاءً، هذا أيضاً من المسوّقات. "عجيب أمرك"، "عجيب" مبتدأ هنا واضح، أيش المسوّق؟ التعجب. "سلام عليكم"، "سلام" هنا مبتدأ، أين المسوّق؟ الدعاء. "ويل للمطففين"، "ويل" مبتدأ هنا نكرة، أيش المسوّق؟ الدعاء، يعني: الهلاك والعذاب للمطففين. فهمتم؟ وهذا مثله: "سلام" نكرة، المسوّق الدعاء. "سلام قوم منكرون"، "قوم" هنا خبر لمبتدأ محذوف، دل عليه السياق، فيقول: التقدير "سلام عليكم أنتم، أنتم قوم". أما "منكرون" فهو صفة، "منكرون" هنا ليس خبراً، وإنما هو صفة لـ "قوم"، ولذلك رُفع. مثله، ولذلك رُفع، مثله، واضح؟ فإذا ما هو السبب في الحذف؟ وجود الدليل على المحذوف، وجود الدليل على المحذوف، فالمعنى لم يتأثر بحذفه. قال هنا: "يُحذف كل من المبتدأ والخبر إذا دل عليه دليل، ولم يتأثر المعنى بحذفه"، يعني: المعنى لم يختل ويفسد، يكون المعنى واضحاً ظاهراً، المعنى واضح وظاهر. قال: "فمثال حذف الخبر: أن يقال: ممن عندك؟ فتقول: خالد". هنا دل على الخبر الاستفهام المتقدم، دل على الخبر الاستفهام المتقدم. فإيش جوابك؟ لما تقول: "خالد"، إيش معناه؟ "خالد" يعني: "خالد عندي"، "خالد عندي"، واضح. قال: "التقدير: خالد عندي". ومنه قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: 35]، يعني: التقدير "أكلها دائم وظلها دائم"، لأنه ليس معنا أنك تأكل ظلها، العطف هنا ليس عطف "ظل" على "كل" على "أكل"، واضح؟ وإنما المراد: "أكلها دائم وظلها دائم". هذا في وصف الجنة، أن هذه الثمار الموجودة في الجنة لا تنقطع، فأكلها دائم، وأيضاً الظل الذي في الجنة لا يذهب، فهو دائم. فيكون التقدير: "أكلها دائم وظلها دائم وظلها دائم". فهنا الخبر "ظل" عليه الكلام المتقدم، "ظل" عليه ماذا؟ الكلام المتقدم. قال: "فـ 'ظلها' مبتدأ وخبره محذوف، دل عليه ما قبله، أي: وظلها دائم". قال: "وأما حذف المبتدأ فيكثر في المواضع الآتية". هذه مسألة فرعية: "دائم" لا يلزم أن يكون الخبر "وظلها دائم"، "دائم" الأولى خبر لإيش؟ لـ "أكلها". لا لأمرين اثنين: الأمر الأول: أن "دائم" خبر للمبتدأ "أكل"، وما يأتي خبر واحد لمبتدئين؟ كيف هذا؟ ما يأتي خبر واحد لمبتدئين. لكن العكس يأتي: خبران لمبتدأ واحد. لكن ما يأتي مبتدأ... خبر لمبتدئين، ما يأتي هذا. "هذا محمد وخالد طويل"، لا يعني: "طويل" خبر للأول، ثاني إلا معطوف. كيف تعرب "محمد وخالد"؟ معطوف على "محمد". "محمد وخالد" ليس مبتدئين. آه، يعني: في المعنى نعم، باعتبار أنه هنا الاشتراك، الاشتراك، لكن في الإعراب لا تعرب خبراً للمبتدأ الأول، أما الثاني فمعطوف، ليس مبتدأ أصلاً. قال: "وأما حذف الخبر... أما حذف المبتدأ فيكثر في المواضع الآتية". يعني: متى يُحذف الخبر؟ متى يُحذف المبتدأ؟ نحن عرفنا أن المبتدأ قد يُحذف، على وجه... طبعاً هذا الحذف على وجه الجواز لا الوجوب. واو المبتدأ يُحذف جوازاً لا وجوباً، فيكثر في المواضع الآتية، ومعنى "يكثر": أي قد يأتي في غيرها لكنه قليل، لكنه... قليل. قال: "أولاً: في جواب الاستفهام، نحو: 'كيف الحال؟' فتقول: 'حسن'". التغذير: "الحال حسن"، كما مر معنا. "ممن عندك؟" نفسه في جواب الاستفهام، كثيراً ما يُحذف المبتدأ، فيكون التغذير: "الحال حسن". فـ "الحال" هنا مبتدأ، و"حسن" خبر، فحذف لدلالة السياق عليه، لدلالة السياق عليه. قال: "ومن قول تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الحطمة: 5]". هذا سؤال، "ما" استفهامية، و"أدراك" فعل ومفعول وفاعل مستتر، وهي في محل رفع خبر لـ "ما". "ما الحطمة" أيضاً هنا استفهام، و"ما" استفهام، "ما" مبتدأ، و"حطمة" خبر. فما هو الجواب؟ "ما الحطمة"؟ الجواب: ﴿هِيَ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الحطمة: 6]. "الموقدة" هنا صفة للنار، هي مرفوعة مثلها. فنار هنا خبر، ومضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و"الموقدة" صفة لنار. وأين مبتدأ الخبر؟ "نار"، الضمير المحذوف، وهو "هي"، "هي نار الله الموقدة". فحذف هنا المبتدأ بعد ماذا؟ الاستفهام، يعني: في جواب الاستفهام. قال: "ثانياً: بعد فاء الجزاء". نحو: ﴿فَمَنْ أَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: 41]. هذا الفاء، فاء الجزاء، وهي الواقعة في جواب الشرط. "من أخلص"، "من أخلص في عمله فلنفسه"، أي: "فإخلاصه لنفسه". و"إخلاصه" هنا المبتدأ، و"نفسه" هنا الخبر. قال: ﴿وَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الإسراء: 15]. أي: "ومن أبصر فالإبصار لنفسه، ومن عمي فالعمى عليها". وهنا جاء بعد فاء الجزاء. قال: "ثالثاً: بعد القول، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: 5]". أي: "قالوا: هو أساطير الأولين اكتتبها". "هو" أي: "هذا القرآن". فتأتي بعد القول، يعني: بعد لفظ "القول". "قالوا: هو أساطير الأولين"، هذا تقدير الكلام. قال: "وقد اجتمع حذف كل منهما، يعني: حذف المبتدأ والخبر، جوازاً". قال: "وقد اجتمع حذف كل منهما وبقاء الآخر في قول تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الحجر: 46]". فـ "السلام" مبتدأ، حذف خبره، أي: "سلام عليكم". و"قوم" خبر، حذف مبتدؤه، أي: "أنتم قوم". قال: "قول: ويجب حذف الخبر قبل جوابي لولا والقسم الصريح والحال الممتنع كونه خبراً، وبعد واو المصاحبة الصريحة". نحو: "لولا أنتم لكنا مؤمنين"، و"لعمروك لأفعلن"، و"ضربي زيداً قائماً"، و"كل رجل وضيعة". هذا مبحث آخر من مباحث الخبر، وهو: قد يُحذف الخبر وجوباً، يعني: لا يجوز إظهاره. المسائل التي تقدمت معنا هذه حذف الخبر جوازاً، فيجوز مثلاً في الاستفهام: لمن يقول لك: "كيف الحال؟" تقول له: "الحال حسن"، يجوز هذا أن تذكر المبتدأ والخبر. أو مثلاً في حذف الخبر: "سلام"، يجوز أن تقول: "عليكم سلام"، "عليكم سلام"، والمبتدأ والخبر يُحذف، يُحذف المبتدأ يُحذف فقط جوازاً. أما الخبر فيُحذف جوازاً ووجوباً. الآن هذه مواضع حذف الخبر وجوباً. أما المبتدأ فلا يُحذف وجوباً أبداً. قال: "يجب حذف الخبر، يجب حذف خبر المبتدأ في أربع مسائل: الأولى: أن يكون الخبر قبل جواب لولا الامتناعية، أن يكون الخبر قبل الجواب، وهي الدالة على امتناع الثاني لوجود الأول". هذه لولا تسمى "لامتناع الامتناع"، ولذلك سموها "الامتناعية". إيش معنى "الامتناعية"؟ يعني: لو لم يوجد الأول لم يوجد الثاني. إذا ما وجد ما قبل "لولا" ما وجد الثاني. مثل: "لولا الهواء ما عاش مخلوق"، يعني: لو كان ما في هواء، امتنع أن يعيش مخلوقاً، صح؟ فهذا معنى قوله: "الدالة على امتناع الثاني لوجود الأول"، "امتناع الثاني لوجود الأول". فالخبر يُحذف بعدها، بعد "لولا" وقبل الجواب. الآن في هذا المثال: "لولا الهواء"، هذا الآن قبل الجواب، أين الجواب؟ "ما عاش مخلوق". فيكون التقدير: "لولا الهواء موجود، لولا الهواء موجود، ما عاش مخلوق". فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قولي: "أن يكون الخبر قبل جواب لولا الامتناعية"، قبل الجواب لا بعده. قال: "فحذف الخبر وهو لفظ موجود لوقوعه قبل جواب... فحذف الخبر وهو لفظ موجود لوقوعه قبل جواب لولا، إذ التقدير: 'لولا الهواء موجود ما عاش مخلوق'". ومنه قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: 31]. هذه الآية اختلف في التمثيل بها، يعني: هل الخبر هنا محذوف وجوباً أو جوازاً؟ والصحيح أنه محذوف جوازاً لا وجوباً. لماذا؟ لأن المحذوف معلوم، ليس كوناً عاماً، إنما هو كون خاص. لأن أول الآية ماذا؟ "أنتم"، أول الآية: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: 31]، قالوا: ﴿لَّوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، يعني: "لولا أنتم صددتمونا". من أين استفدنا هذا الكون الخاص؟ من دلالة الآية المتقدمة. فيكون الاستدلال بهذه الآية غير صحيح في هذا الموضع. ولكن هناك مثال آخر في القرآن، وهو قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]. واضح، ويكون التقدير: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض موجود"، هذا الآن قبل الجواب، أين الجواب؟ "لفسدت الأرض"، "لفسدت الأرض". فهذا هو المثال الصحيح الذي ينبغي أن يذكر عند هذا الموضع: وجوب حذف خبر المبتدأ قبل جواب "لولا" الامتناعية، في الآية التي هي قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. قال: "الثاني: أن يكون الخبر قبل جواب القسم الصريح، وهو ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسماً". نحو: "لعمرو الله لأنصرن المظلوم". إيش معنى هذا الكلام؟ معنى "قسم صريح" و"قسم غير صريح". فالخبر هنا الذي يُحذف وجوباً: أن يكون قبل جواب القسم الصريح. وعرف القسم الصريح: هو ما يعلم بمجرد لفظه، يعني: لما يتلفظ به المتلفظ، ما يستخدم إلا للقسم، مثل لفظ "لعمرو الله"، هذا أسلوب ما يأتي إلا للقسم، ومثل "والله"، هذا ما يأتي إلا للقسم. فخرج بهذا القسم غير الصريح، خرج بهذا القسم غير الصريح، مثل "عهد الله". هذا "عهد الله" قد تقسم به، وقد تخبر عنه. فتقول: "عهد الله لأفعل كذا"، هذا قسم. لكن يجوز تقول مثلاً: "عهد الله يجب الوفاء به"، هنا أخبرت، لم تقسم. فأنتم هذا الآن، فهنا الخبر إنما يُحذف وجوباً عند ماذا؟ قبل جواب القسم الصريح. مثل المثال الذي ذكره: "لعمرو الله لأنصرن المظلوم". "لعمرو الله"، هذه اللام سمى الفدائية، و"عمرو" مبتدأ ومضاف، و"الله" لفظ جلالة مضاف إليه، هذا مبتدأ، أين خبره؟ خبره "قسم"، يقول: "لعمرو الله قسم"، فقسم هنا خبر، "قسم" خبر. والجواب: "لأنصرن المظلوم"، جواب القسم. فهمتم هذا الآن؟ فالخبر هنا حُذف وجوباً. قال: "فإن لم يكن القسم صريحاً، بأن غلب استعماله في غير القسم، لم يجب الحذف". نحو: "عهد الله لأفعلن الخير". فـ "عهد الله" هنا هل قسم؟ لا، ليس قسماً، هذا ليس صريحاً في القسم. فيمكن أن تقول: "عهد الله علي لأفعلن الخير". بل هو محتمل قبل الإتيان بالجواب، إذ يصح أن يقال: "عهد الله يجب الوفاء به"، فلا يكون قسماً، فهو يستخدم للقسم ويستخدم لغير القسم. واضح؟ طيب، نكتفي بهذا، ونكمل الباقي إن شاء الله في درسنا القادمة. إلى هنا والموضوع...