الدرس في شرح نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم الإدراج في الإسناد لغةً واصطلاحًا، مبينًا أربعة أقسام رئيسية له مع التمثيل بقصة شريك بن عبد الله النخعي. تتنوع الأقسام بين جمع أسانيد متعددة وإضافة زيادات من روايات أخرى ودخول كلام الراوي في المتن.
يستعرض المقطع أنواع الإدراج في متن الحديث حسب موقعه في أول المتن أو أثنائه أو آخره، مع إيراد أمثلة تطبيقية من صحيح مسلم. كما يشير إلى إدراج الإسناد ودمج كلام الصحابة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم دون فصل.
يبين المقطع كيفية كشف الإدراج في متن الحديث عبر مقارنة الروايات المفصلة أو نص الراوي على أن الزيادة من غير النبي أو باستحالة صدور اللفظ عنه. ويضرب أمثلة من رواية نعيم المجمر والزهري، مستشهدًا بمؤلفات الخطيب البغدادي وابن حجر.
يذكر المقطع أن السيوطي لخص كتاب الحافظ ابن حجر الموسوم بـ «المدرج إلى المدرج» وأن كلا الكتابين مطبوعان ومتاحان. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من البيان في هذا الباب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نكمل ما قد أخذناه من كتاب الإمام العلامة الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى «النزهة». قال رحمه الله تعالى: «ثم المخالفة، وهو القسم السابع: إن كانت واقعة بسبب تغيير السياق، أي سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد». وهو أقسام. الأول: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف. الآن الإدراج يكون في الإسناد، ويكون في المتن. فالإدراج أصلًا من أدرج الشيء: أدخله فيه. فالمراد بالإدراج الآن هو إدخال شيء ليس من الحديث، وهو أقسام: إدراج في الإسناد، وإدراج في المتن. والإدراج في الإسناد أقسام: الأول - ذكر المؤلف هنا - أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويها عنهم راوٍ فيجمعوا الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد. أنا بدل ما يقول: «حدثنا فلان عن فلان عن فلان، حدثنا فلان عن فلان عن فلان» وكذا، يقوم بجمعها كلها في إسناد واحد، ويأتي بالحديث، وهذا إدراج. وأحيانًا يجمع المتن ويجعل الإسناد واحدًا. طيب. قال: والثاني: أن يكون المتن عند راوٍ إلا طرفًا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راوٍ عنه تامًا بالإسناد الأول. هذا إدراج أيضًا. كذلك هذا إدراج: أنه يأتي عنده الحديث على إسنادين، وفي السند الثاني زيادة، فيروي بالإسناد الأول ويذكر الزيادة التي لم ترد في هذا المتن أو في هذا الحديث، فيذكرها فيه، فهذا أيضًا من الإدراج. تفهم هذا إن شاء الله. قالوا: ومنه أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفًا منه، فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راوٍ عنه تامًا بحذف الواسطة. وهذا أيضًا من باب الإدراج. مثال: يسمع الحديث من عند شيخه، لكن هناك عبارة ذكرها الشيخ مثلًا في مجلس آخر لم يسمعها هذا التلميذ، فعندما يأتي ويروي للناس يروي ما سمعه فقط. فيأتي أحد الرواة مثلًا، يسمع الحديث من الشيخ - هذا الشيخ الذي حدث عن شيخه دون هذه الزيادة - لكن يسمع أيضًا هذا التلميذ من رواية أخرى عن نفس الشيخ الذي روى عنه شيخه أنه زاد في المتن زيادة، فيأتي ويضيف هذه الزيادة، أو في الإسناد مثلًا يضيف رجلًا فيضيفها، فهذا أيضًا من الإدراج. قال: والرابع: أن يسوق الراوي الإسناد، فيعرض له عارض فيقول كلامًا من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو من ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك. ولعلي أضرب مثالًا: قصة شريك بن عبد الله النخعي. لما كان يحدث، كان يقول: «حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة». ثم دخل محمد بن ثابت، فقال: «من كثر صلاته بالليل أضاء وجهه بالنهار، أضاء وجهه بالنهار». وما كان يريد الحديث، وإنما أراد أن يبين فضل هذا الرجل العابد، وهو محمد بن ثابت. فلما سمع محمد بن ثابت هذا الكلام أعجبه، ظنه حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يحدث به. فهذا أيضًا من الإدراج. طيب. هذه بعض أقسام المدرج في الإسناد، وهي أربعة كما ذكرها المؤلف. وكذلك منه إدراج رجل. لكن هنا ذكر المؤلف الأمور التي تُجمل هذه الأشياء، إما أن تكون على السبب الأول، والثاني، والثالث، والرابع. قالوا: أما مدرج المتن، فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارة يكون في أوله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر. مدرج المتن: أن يضيف كلام أحد الرواة ليس من صلب الحديث، ليس من أصل الحديث، وإنما كلام إما يكون تفسيرًا، وإما تمهيدًا، وإما توضيحًا لشيء من معاني الكلمات. وقد يكون هذا التمهيد والتقديم أو التوضيح وغيره إما أن يكون في أول الكلام، وإما في أثنائه، وإما في آخره. فمثل ما يكون في أوله: مثل قول أبي هريرة في صحيح مسلم: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». فأسبغوا الوضوء هذه ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما من كلام أبي هريرة، قدمها حتى ينتبه لكلامه، أي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم. ومثل ما كان في أثنائه: مثل ما قاله الزهري رحمه الله تعالى في حديث تعبد النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء. قالت عائشة: «وكان يتحنث الليالي ذوات العدد». فقال الزهري: «يتحنث: أن يتعبد». قال الزهري: «يتحنث: أن يتعبد». فهذا التفسير من الزهري، فهو إدراج في الحديث. وتارة في آخره، وهو الأكثر. مثلًا: حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم في إطالة الغرة، فقال في آخره: «من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». فهذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من زيادة أبي هريرة في الحديث. وأيضًا غيرها من الأمثلة كثيرة في السنة في هذا الباب. فالإدراج هو إدخال لفظة ليست من الحديث، إما في أوله، أو في أثنائه، أو في آخره، أو بدمج. قال: طيب. قال: وتارة في آخره وهو الأكثر، لأنه يقع بأطراف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة ومن بعدهم بمرفوع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم من غير فصل. أنا يذكر كلام الصحابة ويذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما ذكرنا في حديث أبي هريرة: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». فالراوي لم يفصل بين كلام أبي هريرة وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضًا كذلك: «من استطاع منكم أن يطيل غرته» في الإسناد جاءت في رواية نعيم المجمر عن أبي هريرة، لم يفصل بينهما. والذين رووا هذا الحديث أكثرهم لم يذكروا هذه الزيادة. وجاءت في رواية في مسلم أن نعيمًا قال: «ما أدري، أهو من قول رسول الله أم من قول أبي هريرة؟» فتبين أن هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هي من كلام أبي هريرة. قال: فهذا هو مدرج المتن. قالوا: يُدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج مما أدرج فيه، أن تأتي رواية أخرى تفصل الكلام: أن هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كلام فلان. مثلًا: الحديث الذي جاء في مسلم في الصلاة الجهرية، قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما لي أخالج؟ فإذا أراد أحدكم أن يقرأ فليقرأ بأم الكتاب، فليقرأ بأم الكتاب». جاء في بعض الروايات أنه قال: «فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم». والصحيح أن هذا الكلام ليس من كلام أبي هريرة، لو كان من كلام أبي هريرة لكان مرفوعًا، وإنما هذا الكلام من كلام الزهري. بينه الإمام الأوزاعي في روايته، وبينه كذلك الإمام الليث بن سعد في روايته عن الزهري، فصل فقال: «قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم». فتبين أن هذه الزيادة الآن ليست من كلام أبي هريرة، وإنما هي من كلام الزهري. فمثل هذا تأتي رواية تفصل هذا القدر عن هذا، فيعرف الإدراج. أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كون النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. معناها: إما ينص بعض الرواة أن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما من كلام فلان، مثل ما قال الليث والأوزاعي: «قال الزهري»، فتبينوا أن الزهري هو الذي قال هذا الكلام، ليس النبي صلى الله عليه وسلم. أو أن بعض العلماء الجهابذة يعرف أن هذا الكلام ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قاله فلان. وهذا لأنهم عرفوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وتأدبوا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا يعرفون كلامه، صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: قد صنف الخطيب في المدرج كتابًا، ولخصته وزدت عليه قدر ما ذكر مرتين أو أكثر، ولله الحمد. فكتاب الإمام الخطيب البغدادي وهو «المدرج»، سماه «الفصل للوصل» - أو قال: «الفصل للوصل المدرج في النقل» - وهذا الكتاب لم يطبع بعد، وهو كتاب كما وصفه الحافظ: أنه كتاب حافل بالأمثلة في هذا الباب. ولخصه الحافظ وسماه «تقريب المنهج بترتيب المدرج». ولخص السيوطي كتاب الحافظ ابن حجر وسماه «المدرج إلى المدرج». وهذا كتاب الحافظ وكتاب السيوطي مطبوع. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.