كتاب الصلاة 12

الدرس في كتاب الصلاة 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحقية المؤذن بالإقامة وآراء العلماء

يناقش أحقية المؤذن بالإقامة ويبين ضعف الحديث الوارد في ذلك، ثم يشرح آراء العلماء في المسألة.

فضل الدعاء بين الأذان والإقامة وأثناء الأذان

يشرح فضل الدعاء بين الأذان والإقامة وأثناء الأذان، ويبين أهمية استغلال هذه الأوقات في الدعاء.

الأذكار والأدعية بعد الأذان وأثرها

يستحب بعد الأذان قول بعض الأذكار والأدعية، وهذه الأذكار من أسباب نيل شفاعة النبي يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ محمد بن عليم الحجر رحمه الله في كتاب بلوغ المرام، كتاب الصلاة، باب الأذان: وله -أي الترمذي- عن زياد الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أذن فهو يقيم»، وضعفه أيضا. هذا الحديث حديث زياد الحارث، وهو صدائي نسبة إلى صداء، قبيلة في اليمن، بايع النبي صلى الله عليه وسلم، أذن بين يديه، وهو معدود في المصريين. وهذا الحديث أخرجه الترمذي، وأبو داود، وأحمد، وابن ماجه، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زياد، أنه سمع زياد بن الحضرمي، أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أذن يا أخا صداء»، قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر، فلما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة، وأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقيم أخو صداء؛ فإن من أذن فهو يقيم». وهذا الحديث ضعيف؛ فعبد الرحمن بن زياد هو ابن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف، ولهذا ضعفه الإمام الترمذي رحمه الله. قال الحاكم رحمه الله: ولأبي داود من حديث عبد الله بن زياد أنه قال: «أنا رأيته -يعني الأذان- وأنا كنت أريده»، فقال: «فأقم أنت». وفيه ضعف أيضا؛ هذه الرواية فيها عبد الله بن زياد بن أنعم، وفي سندها محمد بن عبد الله الواقفي، أبو السهل، قال فيه المزي ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، وقال ابن الجوزي: بالضعفاء والمتركون وضعفهم المعين، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فضعفه جدا. فالحديث ضعيف. حديث زياد بن الحارث يدل على أن الأذان حق، وأن الإقامة حق للمؤذن، وأنه لا يقيم غير المؤذن، فلا يصح الإقامة من غيره، لكن الحديث ضعيف. وفي حديث عبد الله بن زياد: أنه لا بأس أن يقيم غير المؤذن، وأيضا الحديث ضعيف. والعمل على خلاف ذلك، وعلى هذا السنة وعمل مؤذني النبي عليه الصلاة والسلام؛ أنهم كانوا يؤذنون ويقيمون، كان بلال يؤذن ويقيم، وكان مؤذنوه يؤذنون ويقيمون. هذا يدل على أن المؤذن أولى بالإقامة من غيره، وهذا الذي عليه العمل، كما قال إمام الترمذي رحمه الله: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ أن من أذن فهو يقيم. لكن إذا تأخر الإمام، المؤذن أذن ثم ذهب وتأخر، جاء وقت الصلاة وهو غير موجود، لا بأس أن يقيم غيره. لكن مع وجوده فهو أولى بالإقامة من غيره؛ إذا كان المؤذن موجودا فهو أولى بالإقامة من غيره، ولو أقام غيره فيصح، لكن خلاف الأفضل والأكمل. قال رحمه الله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة»، رواه ابن عدي وضعفه. وللبيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله. حديث أبي هريرة هذا رواه ابن عدي -أي الحافظ الإمام عبد الله بن عدي الجرجاني رحمه الله في كتابه الكامل في الجرح والتعديل- قد أخرجه بترجمة شريك القاضي، من طريق يحيى بن إسحاق، قال: حدثنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». قال ابن عدي رحمه الله: هذا اللفظ لا يروى إلا عن شريك من رواية يحيى بن إسحاق عنه، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ آخر، وهو قوله: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن»، أو «مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وهو صحيح. فحديث الباب هذا ضعيف بسبب شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ؛ فشريك خالف الرواة في رواية الحديث عن الأعمش، فرواه بهذا اللفظ: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة»، ورواه غيره عن الأعمش بلفظ: «المؤذن مؤتمن والإمام ضامن»، وهذا الأصح. ومعنى هذا الحديث: المؤذن أملك بالأذان يعني: أن المؤذن أولى بالأذان لعلمه بوقت الصلاة، فهو الأمين على وقت صلاة الناس، فهو الذي يؤذن لا غيره. والإمام أملك بالإقامة يعني: لا تقام الصلاة إلا بإذن الإمام، فهو أملك لها، فلا يقيم المؤذن إلا بعد إذن الإمام. واللفظ الصحيح: «المؤذن مؤتمن والإمام ضامن»، المؤذن مؤتمن على صلاة الناس، أو أمين على إخبارهم بوقت دخول الصلاة، فلا يؤذن إلا عند دخول وقت الصلاة. والإمام ضامن أي لصلاة الناس، ضامن لصلاة الناس؛ فواجب عليه أن يقيم الصلاة بأركانها وعددها، ثم دعا النبي عليه الصلاة والسلام الأئمة والمؤذنين: «اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». فدل الحديث على أن المؤذن أحق بالأذان من غيره، فلا يؤذن أحد مع وجوده، ويشرع بذلك. وكذلك أيضا أن الإمام أولى بإقامة الصلاة وأملك لها، فلا يقيم مؤذن حتى يأذن له الإمام. قال رحمه الله: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»، رواه النسائي وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في قول عليه الصلاة والسلام: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»، قد جاء الحديث عند عبد الرزاق والبيهقي وأبي داود والنسائي من طريق هشام بن حسان عن زيد العمي -أو العمي- عن أبي إياس عن أنس. وهذا الإسناد فيه ضعف؛ فزيد العمي -أو العمي- فيه ضعف، فهو كما قال أبو زرعة: واهي الحديث. لكن رواه النسائي بسند آخر، رواه النسائي بسند آخر من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس به، وهذا السند صحيح، فالحديث بهذا السند الصحيح، ولهذا الحافظ قرره، ورواه النسائي، وصححه ابن خزيمة؛ لأن إسناده من طريق إسرائيل من الطريق الصحيح. وهذا الحديث فيه: أن الدعاء بين الأذان والإقامة من مواطن إجابة الدعاء، ولهذا ينبغي للمسلم إذا أذن المؤذن وتابعه وخرج من متابعته وأتى بالأذكار المشروعة -وسيأتي ذكر بعضها- ينبغي أن يستغل هذا الوقت بالدعاء؛ فهذا الوقت الدعاء فيه أقرب من غيره من الأذكار والطاعات كقراءة القرآن ونحوها؛ لكونه موضعا من مواضع أوقات إجابة الدعاء، فيستغله المسلم في دعاء الله جل وعلا. «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» يعني: الدعاء فيه مقبول إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه. قال: وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة»، أخرجه الأربعة. هذا الحديث حديث جابر رضي الله تعالى عنه أخرجه الأربعة من طريق علي بن عياش، قال: وحدثنا شعيب بن حمزة عن محمد بن كدر عن جابر. ورواه عن علي بن عياش اثنا عشر نفسا، منهم البخاري. والحافظ رحمه الله لعله نشير إلى أن البخاري كذلك رواه ولم يذكر تخريج البخاري له. وهذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه، زيد فيه بعض الزيادات التي لا تثبت، ومنها زيادة: «الدرجة الرفيعة» عند قوله: «آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة»، هذه الزيادة «الدرجة الرفيعة» لا تصح، رواها من السنن في عمل يوم وليلة، وهي مدرجة من بعض النساخ، ومثلها الحافظ رحمه الله. وأيضا زيادة ثانية وهي قوله في آخره: «إنك لا تخلف الميعاد»، قال: «حلت له شفاعتي يوم القيامة، مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد»، هذه أيضا زيادة شاذة، هذه زيادة في آخر الحديث زيادة شاذة، وقد تفرد بها الإمام البيهقي، تفرد بها محمد بن عوف الطائي، تفرد بها عن بقية الرواة في رواية هذا الحديث عن ابن عياش، فخالف أحد عشر نفسا لم يذكروا هذه اللفظة، فتكون شاذة. وهذا الحديث مما يستحب أن يقال بعد الأذان، بعد أن تتابع الأذان كألفاظ مؤذن، بمقتضى الأذان كما مر معنا، يستحب أن تقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» والمراد بالدعوة التامة: أي دعوة الأذان، وهي الدعوة للتوحيد، الدعوة إلى التوحيد وإلى شهادة أن محمدا رسول الله، وإلى إقام الصلاة، فرب هذه الدعوة والآمر بها هو الله جل وعلا. «اللهم رب هذه الدعوة التامة» التامة التي ليس فيها شيء من العيوب والنقائص، ولا يلحقها تغيير ولا تبديل. «والصلاة القائمة» قيل: المراد بالصلاة الدعاء، الدعاء إلى الصلاة على المعنى اللغوي، وقيل: المراد بالصلاة هي الفريضة، وهذا الأظهر، وقال الحاضر محمد بن عليم الحجر: أنها الفريضة؛ فالله عز وجل هو رب هذه الصلاة، هو الآمر بها والموجب لها. «آت محمدا» آت محمدا الوسيلة والفضيلة، الوسيلة: هو ما يتقرب به إلى الغير، ما يتقرب به إلى الغير، والمراد بها هنا: منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر، بقول عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة». والحديث في مسلم. إذا الوسيلة هي هذه المنزلة العظيمة العالية في الجنة، أنت تسأل الله عز وجل أن يؤتي نبيك محمدا عليه الصلاة والسلام هذه المنزلة العالية. والفضيلة: يعني فضل زائد، فضل زائد وأجل زائد على سائر الخلق. «وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته» المقام المحمود: هي الشفاعة العظمى، الشفاعة العظمى التي يشفع بها النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الموقف حين يتوارى الأنبياء، وكل يقول: نفسي نفسي، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح في ذكر حديث الشفاعة. قال: «حلت له شفاعتي يوم القيامة» يعني: كان من شفاعات وممن تنالوا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. إذن هذا الدعاء من أسباب نيل المسلم لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. إذن هذا مما يستحب أن يقال بعد الأذان، كذلك أيضا الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمرو -إذا تذكرناه قبل قليل- في قوله: «من صلى -أو إذا سمعتم المؤذن- فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا». فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان كذلك مما يستحب. ثم كذلك سؤال الله له الوسيلة كما في هذا الحديث. وكذا أيضا في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «من قال حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، غفرت له ذنوبه». هذا أيضا مما يستحب أن يقال كذلك بعد الأذان. إذن عندنا من السنن والأذكار المستحبة بعد الأذان: أولا: متابعة المؤذن، متابعة المؤذن في ألفاظ الأذان. ثم الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ثم سؤال الله له الوسيلة. ثم قولك: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا». ثم يستحب بعد ذلك أن تدعو الله جل وعلا بما شئت من خير الدنيا والآخرة؛ لأن هذا موطن من مواطن إجابة الدعاء. لهذا قال المنذري رحمه الله في كتابه: «في إجابة المؤذن خمس سنن»: قال: «في إجابة المؤذن خمس سنن»، وذكر إجابة المؤذن، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وسؤال الله له الوسيلة، وقول: «رضيت بالله ربا» إلى آخره، ثم الدعاء، ثم الدعاء بما أحب. ومر معنا في حديث عبد الله بن عمرو أيضا: أن السنن في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الرجل الذي قال: يا رسول الله، المؤذنون يفضلوننا -يعني بالأذان- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قل مثل ما يقولون، ثم سل تعطه، قل مثل ما يقولون، ثم سل تعطه». يعني: قل مثلهم فتابعوهم في ألفاظ الأذان، ثم سل الله جل وعلا ما شئت تعطه؛ لأن هذا موطن من مواطن إجابة الدع. طيب هذا الحديث وآخر الذي ذكره المؤلف رحمه الله في باب الأذان، وبعده بإذن الله جل وعلا باب شروط الصلاة. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.