كتاب الصلاة 22

الدرس في كتاب الصلاة 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام و مقدار سترة المصلي

شرح حديث النبي حول مقدار سترة المصلي ومقدارها الشرعي مثل مؤخرة الرحل، وفوائدها في الصلاة مثل الاقتداء بالنبي وتحفظ المصلي.

حكم اتخاذ السترة و آراء العلماء

تناول حكم اتخاذ السترة في الصلاة، حيث يرى الجمهور أنه مستحب وليس واجبا، بينما يرى الإمام أحمد في رواية أنه واجب مستندا إلى أحاديث نبوية.

أدلة وجوب السترة و مناقشة الآراء

استعرض آراء العلماء القائلين بوجوب اتخاذ السترة مستدلين بالأحاديث النبوية وناقش أدلة المعارضين ورد عليها، مشيرا إلى أهمية السترة.

أهمية و فوائد اتخاذ السترة

حرص المسلم على اتخاذ السترة لأنها سنة مؤكدة ولها فوائد كثيرة، وأمر النبي ومواظبته عليها يدلان على أهميتها في الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمسلمين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتاب بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، في باب سترة المصلي: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرحل». أخرجه مسلم. هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي، يعني ما مقدارها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مثل مؤخرة الرحل». الرحل ما يضعه الراكب على الراحلة، على الإبل أو الخيل، ويركب عليها، فمؤخرة هذا الرحل الذي يستند به على ظهره، جعلها النبي صلى الله عليه وسلم هي مقدار المجزئ من السترة، هو المقدار المجزئ من السترة. قال: «مثل مؤخرة الرحل». الرحل قدر أهل العلم بأنها نحو ثلثي ذراع، نحو ثلثي ذراع. نعم، فيدل الحديث على أن المقدار الذي يجزئ في السترة ما كان على هذا المقدار، مثل مؤخرة الرحل، نحو ذراع أو ثلثي ذراع، وما يكون أقل من ذلك قليل. وإذا كان أطول من ذلك فلا إشكال، النبي صلى الله عليه وسلم استتر بالحرب، واستتر بالعنزة ونحو ذلك، لكن يعني الأقل ما يستر به مقدار مؤخرة الرحل. وذكرنا في الدرس الماضي وأشرنا إلى أن السترة لها فوائد، منها أولا أنها عمل بالسنة، واقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي أمر باتخاذها. ومنها أن السترة تحفظ صلاة المصلي من مرور الشيطان، تحفظ صلاة المصلي من مرور الشيطان وقطع صلاته. ومنها كذلك أن السترة تقي صلاة المصلي من المار بين يديه، من مرور الأشياء التي تبطلها، كالمرأة والحمار والكلب الأسود، كما سيأتي في الأحاديث. قال رحمه الله: وعن سبرة بن معبد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم». أخرجه الحاكم. هذا الحديث خلاصته أنه حديث صحيح، كان الشيخ الألباني رحمه الله قد ضعفه في سلسلة الأحاديث الضعيفة بسبب عبد الملك بن الربيع، فالحديث روي عن جماعة من الثقات عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده. وعبد الملك بن الربيع هذا لم يوثقه إلا العجلي، لكن وقف بعد ذلك الشيخ الألباني رحمه الله على توثيق الإمام الذهبي رحمه الله له، ووثقه الإمام الذهبي، وقبل أهل العلم حديثه، وصححه، له عدة شواهد، فلأجل هذا تراجع الشيخ الألباني رحمه الله عن تضعيفه، وصححه في السلسلة الصحيحة برقم 2783، فالحديث صحيح. وهذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام باتخاذ السترة، قال: «ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم»، ولو بسهم، يجعل يضع سهما أمامه ويصلي إليه، يجعله سترة. فالحديث فيه جواز أن تكون السترة دقيقة نحيفة، لا يشترط في السترة أن تكون غليظة، لا يشترط في السترة أن تكون غليظة، بل تجزئ ولو كانت السترة نحيفة، فإنها تجزئ. وكذلك أيضا فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام باتخاذ السترة، ليستتر أحدكم. واختلف أهل العلم في هذا الأمر، هل هو للوجوب أو هو للاستحباب؟ فجمهور أهل العلم على أن اتخاذ السترة مستحب، وقالوا بأن هذا الأمر للاستحباب، واستدلوا له، قالوا: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في منى إلى غير جدار»، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في منى إلى غير جدار. وكذلك أيضا ما جاء في السنن عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضاء»، صلى في فضاء، وهكذا أيضا قال: في فضاء، ليس بين يديه شيء، صلى في فضاء ليس بين يديه شيء، رواه الإمام أحمد والبيهقي. وجاء أيضا في لفظ أنه سئل: هل كان بين يديه عنزة؟ فقال: لا، هل كان بين يديه عنزة؟ فقال: لا. قالوا: فهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى في هذه الأحوال من غير سترة، فدل هذا على أنها ليست بواجبة. وأيضا استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيحين: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه». الشاهد من هذا الحديث، قالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره»، يعني معناه: إذا لم يصلي، يعني قد يصلي إلى شيء يستره، وقد يصلي من غير أن يجعل شيء يستره، يعني قالوا: أن هذا اللفظ لا يدل على الوجوب. هكذا قال الجمهور. وذهب الإمام أحمد رحمه الله في رواية إلى القول بالوجوب، بوجوب اتخاذ السترة. وهكذا أيضا الإمام ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه، ذهب إلى الوجوب، وبوب على حديث ابن عمر: «لا تصلي إلا إلى سترة»، بباب النهي عن الصلاة إلى غير سترة. وهكذا أيضا الإمام أبو عوانة في مسنده، بوب على حديث ابن عمر: «لا تصلي إلا إلى سترة»، بقوله: باب إيجاب تقدم المصلي إلى سترة. وذهب أيضا إلى القول بالوجوب الإمام الشوكاني رحمه الله، وهكذا أيضا الشيخ الألباني رحمه الله. ما هو دليلهم؟ هو أمر النبي عليه الصلاة والسلام باتخاذ السترة، كما في هذا الحديث، حديث سبرة: «ليستتر أحدكم في الصلاة». وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «لا تصلي إلا إلى سترة». وهكذا أيضا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «لا تصلي إلا إلى سترة». قالوا: فهذه أوامر، يعني صريحة في أمره عليه الصلاة والسلام باتخاذ السترة. وهكذا أيضا فعله عليه الصلاة والسلام، فإنه كان ملازما لاتخاذ السترة، كان إذا خرج إلى المصل فإنها تنصب له السترة العنزة، أو إذا خرج إلى الصحراء فإنها تنصب له العنزة فيصلي إليها، فهذه يدل على الوجوب. وأدلة الوجوب قوية. أما الأدلة التي استدل بها الجمهور، فهي كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الزاد»: مع أنها حديث الصلاة إلى السترة إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح. إما صحيح غير صريح، وإما صريح غير صحيح. فحديث ابن عباس أن النبي صلى في منى إلى غير جدار، هذا ليس صريحا في ترك السترة، قوله: صلى إلى غير جدار، ليس فيه نفي الصلاة إلى سترة، وقد يكون صلى إلى غير جدار فاتخذ سترة غير الجدار، كالعنزة أو شجرة أو كوم الرمل أو غير ذلك مما كان يستتر به النبي عليه الصلاة والسلام، إذا ليس هو صريحا، هو صحيح لكن ليس بصريح في عدم اتخاذ السترة. وأما حديث ابن عباس الذي عند الإمام أحمد أنه صلى في فضاء ليس بين يديه شيء، هذا صريح، لكنه ليس بصحيح، في سنده حجاج بن أبي أرطأة وهو مدلس وقد عنعن. والرواية الأخرى أنه سئل: هل كان بين يديه عنزة؟ فقال: لا، هذا أيضا ليس بصريح في نفي السترة، لأن قوله: لا، أي ليس بين يديه عنزة، لكن ربما اتخذ سترة غير العنزة، ربما اتخذ سترة غير العنزة. فهذه الأحاديث التي استدل بها الجمهور، إما أنها صحيحة لكن ليست بصريحة، وما كان صريحا فليس بصحيح. أما أحاديث اتخاذ السترة والأمر بها، فهي صحيحة وصريحة في الأمر باتخاذ السترة، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وعلى هذا، فيحرص المسلم والمصلي على اتخاذ السترة، حتى لو قيل بعدم الوجوب، فقول أكثر أهل العلم أنها سنة، بل هي سنة مؤكدة، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام ومواظبته عليها، فلا ينبغي للمسلم أن يزهد فيها، لا ينبغي أن يزهد في هذه السنة، مع ما في العمل بها من الفوائد الكثيرة التي ينتفع بها المصلي في صلاته. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.