التعليق على الجواب الكافي 31

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات المعاصي وآثارها

ذكر ابن القيم آثار المعاصي وعقوباتها، واستشهد بآيات قرآنية وأقوال الأنبياء وحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من تعلق الناس بالدنيا. أمر عمر بن عبد العزيز بالخروج للصلاة والاستغفار لرفع البلاء.

تحذير النبي من الانهماك في الدنيا والربا

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحايل على الربا وترك الجهاد، وأنزل الله بلاء على الناس ليرجعوا لدينهم. الفتنة والعقوبة تأتي نتيجة ابتعاد الناس عن دينهم واتباع الدنيا.

عقوبة الله للعباد عند فسادهم وعلاقة صلاح الحكام بالرعية

يتناول موضوع عقوبة الله للعباد عند فسادهم، واستشهد بآثار إسرائيليات وأحاديث نبوية لتوضيح أن صلاح الحكام يأتي بصلاح الرعية، وأن الله يسلط على العباد من لا يرحمهم عند فسادهم.

حكم الحديث وتأييده بأحاديث أخرى

الحديث المنسوب إلى ابن عمر لا يصح لكنه يحمل معاني صحيحة مدعومة بأحاديث أخرى، وسيتم التطرق لأحاديث تؤيد هذا المعنى فيما بعد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في ذكر بعض العدل التي تبين أثر المعاصي وعقوبات الله عز وجل لأجل المعاصي. قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أما بعد، فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد. قد كتب إلى الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا، وإن كان عنده شيء يتصدق به أن يخرجوا يصلون الاستسقاء. قال: فإن الله عز وجل يقول: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وقولوا كما قال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾، وقولوا كما قال نوح: ﴿وإن لا تغفر لي وترحمني أكُن من الخاسرين﴾، وقولوا كما قال يونس: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. وهذا الأثر أخرجه الإمام أبو نعيم في «حلية الأولياء»، وهو صحيح. قال: وقال الإمام محمد: حدثنا أسود بن عامر، ويقال له شاذان، وهو حافظ من حفاظ الحديث، ثقة. قال: حدثنا أبو بكر -وهو ابن عياش، أبو بكر بن عياش الذي يقال له شعبة في القراءة، وهو قرشي كوفي، وهو من رجال البخاري، أخرج له البخاري، أما مسلم لم يخرج له، وهو ثقة- إلا أنه تغير في آخر عمره، فحدث بأحاديث مناكير. قال: حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح -والأعمش في قراءة- إلا أنه يدلس، والظاهر أنه سمع من عطاء. قال: عن عطاء بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء لا يرفع حتى يراجعوا دينهم». أخرجه أبو داود بسند حسن. وهذا الحديث جاء من طرق، وأيضا طرق أكثرها فيها كلام، لكن بعضها حسن مثل هذه الطريق، فالحديث صحيح. قد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله عليه في كتابه «السلسلة الصحيحة». «إذا ظن الناس بالدينار» أي تعلقوا به، وتعلقت قلوبهم بالدنيا بالأموال. «وتبايعوا بالعينة»، والعينة هذا بيع يعتبر من النسيئة، وهو بأن يبيع الرجل متاعه إلى أجل، ثم يشتريه في نفس المجلس بثمن حال ليسلم به من الربا، لكنه يتحايل على الربا. على سبيل المثال، يقول له: أعطني كيس رز دينا آجلا، مثلا بعشرة آلاف، ثم يشتريه -يبيعه لصاحب الدكان- بثمانية آلاف نقدا، فهو يريد المال أصلا، ما يريد البضاعة، لكن يتحايل على الربا. بدل أن يقول له: مثلا أعطني ثمانية آلاف، سأرجعها لك بعشرة آلاف، يدخل فيها بضاعة، لعله أن يحلل الربا، لكنها حيل على الربا، فيزداد الحرام حراما، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. «وتبايعوا بالعينة»، وهذا يدل على بعدهم عن الشرع. «وتبعوا أذناب البقر» معنى انهمكوا في الزراعة وغيرها، والمراد أن البقر تسقى والمزارع يكون خلفها، فلهذا أي أنهم ليسوا على هذا الأمر حرام، لا، لكن الانهماك فيه وترك الصلاة وترك الجهاد لأجل أو اتباع مثل هذه الأشياء، معنى المراد دخول الدنيا في قلب الناس، وترك الجهاد في سبيل الله، لأن الدنيا إذا دخلت في القلوب، ترك الجهاد، أصبحت القلوب ملهوفة على الدنيا. «فأنزل الله بهم بلاء لا يرفع حتى يراجعوا دينهم»، يرجعوا إلى دينهم. قالوا: ذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر قال: لقد رأيتنا وما أحد بأحق بدينار ودرهم من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد في سبيل الله، وأخذوا أذناب البقر، أنزل الله عليهم من السماء بلاء فلا يرفع عنهم حتى يراجعوا دينهم». وهذا أيضا الحديث تابع الحديث الأول، إن كان هذا الحديث في سنده ليث بن سليم، وهو مختلط. رواه العطاء بن عمر. قالوا: قال الحسن: الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس. إنزال الفتنة على الناس عقوبة، أن لا يظن الضال أن العقوبة شيء من العذاب يرسله الله عز وجل على عباد، ليس هذا فقط العقوبة، حتى الفتنة التي أنزلها الله عز وجل على عباد، يجعل بينهم فتنة، هذه عقوبة. ولهذا تقدم معنا في حديث ابن عمر: «يا معشر المهاجرين، خمس نعوذكم الله منهن»، فقالوا: وما هن؟ قال: «ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم»، «إلا جعل بأسهم بينهم»، «أن يتقاتلوا بينهم»، فهذه فتنة وهي عقوبة أيضا. أحيانا أيضا العقوبة تكون فتنة في دين الله عز وجل، فهي أيضا عقوبة من الله. قال: ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بختنصر، فقال: بما كسبت أيدينا سلط علينا من لا يرحمنا. معلوم أن بختنصر قتل النصارى شر قتلة، وحتى أنهم ما نسوا هذا القتل. قال: وقال بختنصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك؟ دانيال نبي من أنبياء الله، ونبي من أنبياء بني إسرائيل -وهذه إسرائيليات- قال: عظم خطيئتك وظلم قومي أنفسهم. قال: وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال، وعقم أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم». وهذا الحديث معناه صحيح، لكنه لا يصح من ناحية أسانيده، بل هو كالموضوع. قال: وذكر عن مالك بن دينار -وهذه أكثرها لعذاب- ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «العقوبة»، وهو غير مطبوع. قال: قرأت في الحكمة: يقول الله عز وجل: «أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي. فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم». أي ملوك الدنيا، الناس الآن يريدون صلاح الملوك، فصلاح الملوك بصلاح الرعية، إذا صلحت الرعية فقلوب الملوك بين يدي الله جل وعلا. ولهذا قيل قديما: وقيل إن عمر قال: «كيفما تكونوا يولى عليكم». «إن أردتم الحكام الصالحين أصلحوا أنفسكم أولا»، فبصلاح الناس يصلح الحكام، وبفسادهم يفسدون. قالوا: مراسيل الحسن: «إذا أراد الله بقوم خير جعل أمرهم إلى حلمائهم، وأخذهم عند سبحائهم»، أي رجعهم. «وإذا أراد الله بقوم شر جعل أمرهم إلى سفهائهم، وأخذهم عند بخلائهم». قال: وذكر الإمام أحمد وغيره: قال موسى: يا ربي، أنت في السماء ونحن في الأرض، فما علامة غضبك وكراهيتك؟ قال: إذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطي عليكم. هذه آثار إسرائيليات كما قلنا، وليست صحيحة، لكن معانيها صحيحة. قال: وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: «إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني». إذا عصاني من يعرفني، أي من أهل العلم والذين عرفوا الله عز وجل وتعلموا هذا العلم، إذا كان هؤلاء يعصون ويخالفون الله عز وجل، سلطت عليه من لا يعرفني. قال: وذكر أيضا من حديث ابن عمر -يرفعه- «والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يبعث الله برا كذبة، وغزراء فجرة، وأعوان الخونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة» إلى آخر الحديث. والحديث لا يصح، يعني ابن عمر لا يصح رفعه ولا وقفه، وهو حديث منكر، لكن فيه معاني صحيحة، سيأتي إن شاء الله تعالى في الأحاديث الأخرى ما يؤيد هذا المعنى. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.