التعليق على الجواب الكافي 32

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ذكر ابن القيم أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يضر بالمجتمع ويؤدي إلى عدم استجابة الله لدعاء الناس. كما بين النبي عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحالات يستحب فيها إصلاح النفس.

تحذير من ترك الأمر بالمعروف وتأويل الآية

يُنبه الخطيب إلى خطورة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستشهدًا بحديث النبي وبقول أبي بكر الصديق في تفسير آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. موضحًا أن الآية لا تعني التخلي عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أهمية الأمر بالمعروف في المجتمع وعواقب تركه

يؤكد المقطع على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحفاظ على المجتمع من الدمار والعقاب الإلهي. ويحذر من عواقب تركه مثل غفلة القلوب وزيادة الأسعار وعدم التآلف بين الناس.

تنوع عقاب الله تعالى وعقاب القلوب

عقوبة الله ليست مقتصرة على العذاب الجسدي فقط بل تتعداه إلى عقاب القلوب الذي هو أعظم وأشد. وقد ذكر الإمام ابن القيم أن جزاء القلوب أعظم من عقاب الأجساد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق كلامه على أن المعاصي تضر بأصحابها، بل تضر بالمجتمع، وكذلك أيضًا عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال رحمه الله: في المسند وغيره، من حديث عروة عن عائشة، قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حفزه النفس، فعرفت في وجهه أنه قد حفزه شيء، فما تكلم حتى توضع، وخرج، فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس، إن الله عز وجل يقول لكم: مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم». وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد من طريق عمر بن عثمان عن أبيه عن عروة بن الزبير عن عائشة، أو عاصم، عمر بن عثمان عن أبيه، وعاصم عمر هذا وهو وأبوه فيه شيء من الجهالة، لكن الحديث له شواهد من حديث حذيفة أيضًا، خرجه أحمد والترمذي وابن ماجة. وفيه أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». فمعنى ذلك أن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله عز وجل لا يجيب دعوتهم، ولو كان من أهل الصلاة، إذا لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر. إلا إذا غلب الأمر فصار لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثي ثعلبة الخشني: «حتى إذا رأيتم شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، فعليكم بخاصة أنفسكم، ودعوا أمر العامة». أنا أمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى ترون شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه. هذه الأربع الأشياء التي تبين أن الناس ينكفون عن النصيحة ويستخفون بالنصيحة: شحًا مطاعًا، والشح هو شدة البخل والأنانية، أن كل واحد يريد مصلحته، الشح المطاع يعني أن الناس عندهم أنانية، كل واحد يسعى في مصلحته فقط، ولا يريد مصلحة الناس، مصلحة الأمة، وإنما يحب مصلحته فقط. شحًا مطاعًا وهو متبع، كل واحد يذهب إلى هواه وما يريده ولو كان مخالفًا للشرع، فيجتمع الناس ويتحزب الناس على هواه، وهوى متبع، ودنيا مؤثرة، تكثر الدنيا والأموال، وكل الناس أو أكثرهم يذهبون وراء هذه الأموال. وكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدنيا إذا دخلت قلب الإنسان صارت خروجه صعب. ولهذا قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، عبد القطيفة، نعطي رضي وإن لم يعط صفق، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا نقش أو فلا تقش». أنا إذا أصابته شوكة لا تخرجها حتى بالمناقش، أنا صاحب الدنيا إذا انهمك في الدنيا وصار همه الدنيا، فإنه صعب خروجه منها، فتجد قلبه مليئًا بالدنيا، يكبر ويكبر معه حب الدنيا. كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام: ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، أن كل واحد من الناس إلا من رحم الله يعجب برأيه، ولا يرجع إلى العلماء، ولا يرجع إلى أهل المعرفة الذين يعرفون هذه الأمور، فلهذا يصير الخلط، ويصير أيضًا التناحر، ويصير التقاتل بين المسلمين. فلهذا أرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الأمور متى ما حصلت، وما استطاع الشخص أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالأولى له أن يهتم بخاصة نفسه، إن كان هو على الحق، وهناك من هو على الحق يعبد الله عز وجل معه، يكون معه حتى لا يذهب فيما ذهب إليه أكثر الناس. قال: وقال العمري الزاهد: «إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يغضب الله فتتجاوزه ولا تأمر فيه ولا تنهى عنه، خوفًا من من لا يملك من نفسه ضرًا ولا نفعًا». هذا من غفلة الشخص وإعراضه عن الله، أن يرى ما يغضب الله فيتجاوزه، لا يأمر ولا ينهى. وقال: «من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين، نجعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه استخفى بحقه». قال: وذكر الإمام أحمد في مسند الحديث: قيس بن أبي حازم، قال: قال أبو بكر الصديق: «أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وتضعونها على غير موضعها». إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أو في لفظ: إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أن يعمهم الله بعقاب من عنده». وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، وهو في السنن، وهو أول حديث في المسند. رواه الإمام أحمد من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق. وقد رواه بعضهم عن إسماعيل موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، ورجح الإمام الدارقطني أنه صحيح المرفوع. أولًا، أبو بكر نبه الصديق رضي الله عنه على أن كثيرًا من الناس لا يفهم هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، يظن أنه عليكم أنفسكم أي لا تشتغل بالناس، والذي يفعل المنكر لا دخل لك به. كما يظنه كثير من الناس الآن، فإذا قلت له: فلان أو ناس يفعلون المنكر، يقول لك: وما شأنك؟ اتركهم يفعلون، هل أنت تدخل قبورهم؟ هل تفعل كذا؟ هذا جهل وعدم فهم لدين الله جل وعلا. فلهذا أراد أن يصحح الصديق هذا المفهوم، لأن بعضهم قد يفهم الآية: هذا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، ليس المراد أن الإنسان يترك الأمر بالمعروف ولا ينهى الناس عن المنكر، وإنما أن الإنسان يحافظ على نفسه، ويحافظ على دينه. وإن هذا الأمر لا يضره كفر الكافر، وفسق الفاسق، لا يضره في دينه، بل يحافظ على دينه في جور الناس، وأيضًا مخالفتهم لأمر الله لا تضره، بل يحافظ على دينه هو، فلا يضرهم من ضل إذا اهتدى، وليس المراد أن الإنسان يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس له دخل بالناس. فإن هذا حرمه الشرع، أي من آمن ترك الأمر بالمعروف، أنه يعلمك. وقد جاء في الصحيحين: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا، قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، مثل قوم كانوا في سفينة فاقترعوا فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها». فكان إذا كان الذين في أعلاها يريدون أن يأتوا بماء، أي الذين كانوا في أسفلها يريدون ماء يصعد إلى أعلاها حتى يأتوا بماء، فقال بعضهم لبعض: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا فلا نؤذي من فوقنا، نحن نشتغل بأنفسنا ونخرق هذه السفينة من تحت، فلا نذهب بعد ذلك ونصعد إلى الذين هم فوق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعًا، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». أن لو تركوهم يفعلون هذا، السفينة كلها ستغرق، أصحاب الأسفل وأصحاب الأعلى، لكن لو أخذوا على أيديهم ونهوهم عن ذلك، فإنه ستنجو السفينة كلها. وهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هو الذي عندما ينهى أحدًا عن المنكر يفعله، ليس لأجل نفسه، وإنما لأجل أولًا مصلحة هذا الذي يفعله، ومن ثم أيضًا لأجل نشر الخير في الناس، نشر الخير في الناس، فإنه قد يخصف بالناس بسبب عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلهذا فهو الذي يفعل هذا يحافظ أولًا على المجتمع، المجتمع حتى يكون مجتمعًا صحيحًا، مجتمعًا متوجها إلى الله، تسود فيهم النصيحة، وتسود فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا من أعظم المجتمعات، وكما كان هو مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أن يعمهم الله بعقاب من عنده». يعني العقاب يكون عليهم جميعًا، على صاحب المنكر، وأيضًا على الساكت، كما أيضًا على من لا يحرك ساكنًا في المنكر. كما تقدم أن الله عز وجل لعن بني إسرائيل بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان أنبيائهم بسبب أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ليس ما كانوا يفعلون. فلهذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دمار للأمة، وخراب للناس، فلهذا الله عز وجل إذا لم يغيروا أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده. وليس المراد بالعقاب هنا أن يكون عذاب ينزل عليهم، بل غفلة القلوب عقاب من الله، غفلة القلوب عقاب من الله، زيادة الأسعار عقاب من الله، كذلك أيضًا عدم اجتماع الناس وتآلفهم أيضًا عقاب من الله، وجعل بأسهم بينهم عقاب من الله. وهكذا فعقوبة الله تتنوع، وليس المراد لما تسمع عقاب الله لا تظن أن العقاب المراد به عذاب فقط ينزل الله عز وجل عذابًا عليهم، لا، بل عقاب القلوب كما قال إمام القيم: أعظم من عقاب الأجساد، عقاب القلوب، وأيضًا جزاؤها أعظم من أن يعاقب الله عز وجل أجساد الناس. فهذا شيء مما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.