التعليق على الجواب الكافي 35

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الخلافة في قريش

يشرح الحديث النبوي حول الخلافة في قريش وشروطها، ويبين أهمية العدالة في الاختيار. يُؤكد على تقديم الصالح على الفاسق.

تأثير المعاصي على العبد

يتناول تأثير المعاصي على العبد وعقوباتها، ويبين أن العقوبة قد تتأخر وتظهر في أشكال مختلفة. يُشدد على أهمية التوبة.

عواقب الذنوب والمعاصي

يُناقش تأثير الذنوب والمعاصي على الإنسان وعواقبها في الدنيا والآخرة، ويُوضح أهمية الاستغفار والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى بعض ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في نصوص الوعيد وعدم الأمن من الذنوب، وذكر دلائل كثيرة في هذا الباب، ثم قال: قال رحمه الله: وحدثنا محمد، حدثني يعقوب وإبراهيم الزهري عن أبيه عن صالح، وهو ابن كيسان، عن ابن شهاب الزهري، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل لهذا الأمر ما لم تؤثموا، فإذا أثمتم، بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القطيب»، وفي يده قطيب، فلحى قطيبه، فإذا هو أبيض يصلد. وهذا الحديث فيه أن عبيد الله بن عبد الله روى عن عم أبيه عبد الله بن مسعود، وهو لم يدركه أو أدركه وهو صغير جدا؛ لأن عبد الله بن مسعود توفي في خلافة عثمان، أنا في سنة 32 هجرة، وأخذ خلافة عثمان، وعبيد الله ولد في خلافة عثمان، فالظاهر أنه لم يدركه أو أنه كان صغيرا، فلهذا الحديث منقطع، والمنقطع من قسم الضعيف. وبعض العلماء صححه على أنه لم ينتبه لهذا الانقطاع، فظن أن عبيد الله قد سمع من عم أبيه عبد الله بن مسعود. قال: وذكر الإمام أحمد: ومعنى الحديث أنه معناه صحيح، قد جاء في أحاديث أخرى مرت بنا على أن هذا الأمر - أي أمر الخلافة - في قريش ما لم يؤثموا الله. وجاء في حديث معاوية في البخاري: «إن هذا الأمر في قريش ما أقاموا كتاب الله»، فإذا عصوا الله وخالفوا أمر الله، فهم لا يستحقون ذلك؛ أنه إذا كان هناك قرشي لكنه فاسق، فمثل هذا ليس هو أهلا لهذا الأمر، ليس أهلا لهذا الأمر، فيقدم غيره عليه ولو لم يكن قرشيا. وإلا العصر أنه يكون قرشيا، فهذا من شروط الكمال، لكن إذا كان هذا القرشي فاسقا، وهذا غير القرشي صالحا، فالصالح يقدم عليه. قال: وذكر الإمام أحمد عن وهب، قال: إن الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: «إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد». فهذا كما ذكر أنهم من الإسرائيليات، الله أعلم بثبوته. قال: وذكر أيضا - أي الإمام أحمد - عن وكيع، قال: حدثنا زكريا، وهو ابن أبي زائدة، عن عامر، وهو الشعبي، وهو إمام وحافظ الكوفة، قال: كتبت عائشة إلى معاوية: «أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعاصي الله عاد حامده من الناس داعيا عليه». وهذا معنى إسناده صحيح، لكن عامر الشعبي لم يسمع من عائشة؛ فهو كان بالكوفة، وقد نفى سماعه الجماعة عن أم سلمة، فكيف بعائشة؟! عائشة ماتت قبل أم سلمة؛ لما عائشة ماتت في سنة 57 أو 58 للهجرة، وأم سلمة عاشت إلى الحرة، إلى سنة 60 أو 61، أنا في وقعة الحرة حصلت في سنة 63، فقالوا: إن الشعبي لم يسمع من أم سلمة، فمن باب أولى أنه لم يسمع من عائشة رضي الله عنها. قال: ذكر أبو نعيم الأصبهاني - ومعنى في الحلية - قال: عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء: «ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر»، ثم قال: «تدري مما هذا؟» قلت: لا، قال: «إن العبد يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». الله أعلم من الذي قال. قلت: لا، فالطارق لعله معدان بن أبي طلحة. فقال ابن أبي الجعد: يروي عن معدان، عن أبي الدرداء. قال: ذكر عبد الله بن محمد في كتاب الزهد لأبيه، عن محمد بن سيرين: أنه لما ركبه الدين، اغتم لذلك، وقال: «إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة». وهذا أهل الإيمان دائما يحاسبون أنفسهم، وكلما أصابتهم مصيبة عرفوا أنه من الذنب، أنه أذنب ذنبا، حتى إنه كما قال بعضهم: «إني لا أعرف ذلك في خلق مرأتي». وكان سفيان إذا أذنب، بال دما، فكانوا يعرفون أنهم أذنبوا بشيء من هذه التصرفات، وهذا لقلة ذنوبهم رحمهم الله، ولأنهم أيضا يحاسبون أنفسهم. قالوا: ها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الغفلة، وهي أنهم لا يرون تأثيرها في الحال، وقد يتأخر تأثيرها، فينسى، ويظن العبد أنه لا يغير بعد ذلك، وأن الأمر كما قال القائل: إذا لم يظهر غبار في وقوعه، فليس له بعد الوقوع غبار. وهذا - سبحانه وتعالى - هذا الأمر يغلط فيه كثير من الناس، حتى إنه يتمادى في الذنب بسبب هذا؛ فهو يرى أنه لم يعاقب، لم يعاقبه الله عز وجل، ويظن أن العقوبة لابد أن تعجل. وكذلك أيضا أحيانا يظن أن العقوبة شيء من المصائب، من المرض، وكذا، فقد يكون كما قلنا العقوبة حتى في خلق المرأة، أنا أيضا في خلق أصحابه، تجد أنه يتنازع مع أصحابه، هذا أيضا قد يكون عقوبة من الله. فأيضا أحيانا يصيبه شيء مما لا يكون على عادته، فهذا قد يكون عقوبة من الله، وقد يؤخرها الله عز وجل في وقت آخر، فهذا كله حكمة من الله سبحانه وتعالى، وربنا جل وعلا يفعل ما يشاء، فلهذا لا يظن الظان أنه إن لم يكن العقوبة بعد الذنب، أنها قد تتلاشى، وقد أيضا لا يكون لها تأثير، فهذا بعيد ومحال. لكن ينبغي للمسلم أنه كلما أذنب استغفر، لا شك أنه لا أحد يسلم من الذنوب إلا من سلمه الله، لكن العقوبة ينبغي أنه كلما أذنب استغفر وتاب ورجع إلى الله. قال رحمه الله: «سبحان الله، ماذا أهلكت هذه النقطة من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، لو لم يكن إلا موت القلب، وضعفه في يقينه، لكان كفى أن يكون هذه عقوبة». فالتمادي في هذه الذنوب، التمادي في الأخلاق السيئة، وكذا يأتي بعواقبه، وإن كان لا يراها الإنسان، وقد يعفو الله عز وجل عن بعض عباده. «ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى». قال: «وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلا عن الجهال». ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض، ولو بعد حين، كما ينقض السم، وكما ينقض الجرح المندمل، على الغش والغلث، أن ينقض - أي يظهر - أن أحيانا بعض السم لا يظهر في بدايته، لكن يظهر بعد فترة، حتى إن بعض السم الذي يكون من الحديد، من مسمار أو كذا، تجد أحيانا لا يظهر أكثره إلا بعد أيام، بل أحيانا بعد أشهر، فيتسمم الجسم كله. فيريد أن يبين الإمام القائل أن الذنب كذلك قد لا ينقض إلا بعد فترة، قد لا يظهر تأثيره في الشخص إلا بعد فترة. قالوا: قد ذكر الإمام محمد بن سيرين، عن أبي الدرداء: «كأنكم ترونهم، وعدوا أنفسكم في الموت، وعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم، وعلموا أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى». فالبر لا يبلى - لا يذهب سدى - بل أجره باق إلى يوم القيامة، أنا يحصل للعبد يوم القيامة أمامه. قالوا: نظر بعض العباد إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأتي في منامه، وقيل له: لتجدن غبها بعد أربعين سنة. وهذا مع أن الذنب - كما قلنا - معجلا لا يتأخر عنه. قال سليمان التيمي: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته». قالوا: يحيى الرازي: «فعجبت من ذي عقل يقول في دعائي: اللهم لا تشمت بي الأعداء، ثم هو يشمت في نفسه كل عدو له». قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يعصي الله، ويشمت به في القيامة كل عدو، ويشمت به في القيامة كل عدو». وهذا من الفقه العظيم. وقال ذنون: «من خالط الله في السر، هتك الله ستره في العلانية». على ما أن الله عز وجل - سبحانه جل وعلا - لكن إذا تمادى العبد، فإنه يهتك ستره. فهذه بعض الأشياء التي ذكرها المؤلف هنا، فنكتفي بها، والله تعالى أعلم.