الجواب الكافي 25

الدرس في الجواب الكافي 25، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحذير من سوء الفهم حول كرم الله تعالى

يناقش المقطع الأول سوء فهم آية "ما غرك بربك الكريم" حيث يظن البعض أن كرم الله سبب غرورهم، بينما يوضح أن الغرور يأتي من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء. يحذر من هذا الفهم الخاطئ الذي قد يؤدي إلى الاستمرار في الذنوب والمعاصي.

خطورة سوء الفهم لوعيد الله تعالى وكرمه

يتحدث المقطع الثاني عن سوء فهم كرم الله تعالى حيث يظن البعض أنه يعني عدم العقاب على الذنوب، ويستدلون بآيات مختارة بشكل خاطئ. بينما يشرح المقطع الثالث خطورة فهم نصوص الكتاب والسنة بشكل خاطئ وأن العذاب في النار يختلف باختلاف الذنوب.

التحذير من الاغترار بنصوص الكتاب والسنة

يشرح الشيخ خطورة فهم نصوص الكتاب والسنة بشكل خاطئ ويبين أن النار دركات والعذاب فيها يختلف. يحذر من الاغترار بالأماني الباطلة ويوضح أن صاحب الكبائر ليس مضمونا له أن يجنب النار.

الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم

يتضمن المقطع الأخير الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه ويعبر عن مباركة قدومه أو ذكر مولده. يُعتبر هذا العمل من أعمال البر والتدين في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله تعالى: وكاقترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، فيقول: كرمه. وقد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته. وهذا جهل قبيح. وإنما غره به الغرور، وهو الشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، وجهله، وهواه. وأتى سبحانه بلفظ الكريم، وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به، ولا إهمال حقه. ووضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به. يعني أن بعض الناس اغتر بمثل هذه النصوص، كقوله جل وعلا: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، فيقول: كرمه. يعني الذي أوقعني في الذنوب والمعاصي، أوقعني في التقصير، وغرني بالله جل وعلا الكريم، فصرت في مخالفة أمره وترك حقه، هو كرمه. لما علمت أنه الكريم الذي هو المكرم جل وعلا، هذا الذي غرني. ومعناه أنه ما دام أنه الكريم ذو الكرم، فإذن لو فعلت ما فعلت، فلكرمه فسيعفو عني وتجاوز عن تقصيري وتفريطي. وهذا مدخل من مداخل الشيطان على ابن آدم، تقول: أنت إذا فعلت وفعلت، فالذي له الأمر كريم، والكريم يسامح ويعفو، فيجعله يصر على ما هو عليه من المخالفات والذنوب والمعاصي. وهذا باطل. وإنما فسر السلف هذه الآية: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، جاء عن بعض الصحابة وبعض التابعين: الجهل، الجهل هو الذي غرى الإنسان بربه الكريم، جهله. وهكذا نفسه الأمارة بالسوء، كما ذكر هنا الإمام القيم رحمه الله تعالى، والشيطان. هذه تفاسير السلف، ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى، قد أشار إليها ابن كثير رحمه الله في تفسير: «الذي غرى الإنسان بربه الكريم هو جهله، ونفسه الأمارة بالسوء، وهكذا الغرور الذي هو الشيطان». هذا تفاسير الآية. ليس معناه: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، جوابه: كرمه، غرني كرم الكريم، فلذلك وقعت فيه ما وقعت فيه من التقصير والتفريط. هذا فهم سقيم، وهذا جهل قبيح. أو كما يقول بعضهم - كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى -: «إنه لقن المغتر حجته». يعني كأن الله جل وعلا لقن هذا المغتر هذه الحجة، إذا قيل له: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، فعليه أن يقول كرمه. سبحان الله، أيرضى الله جل وعلا لعباده الوقوع في مخالفته، وفي التقصير، وفي التفريط، وأنهم إذا وقعوا في شيء من هذا، فعليهم أن يأتوا بهذه الحجة فينجوا. فإذا قيل للإنسان يوم القيامة: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، فمعه الحجة عليها أن يعرف الحجة حتى ينجو. ما الجواب؟ ما الحجة التي تجعل العبد في أمان من عذاب الله جل وعلا عقوبته أن يقول: كرمك يا كريم، كرمك يا كريم هو الذي غرني بك. فسبحان الله، هذا من الفهم السقيم والجهل القبيح، وهو من الغرور الذي هو الشيطان أم لا؟ لطوائف من الناس هذه الأجوبة السقيمة، لو علم حقا أن الله جل وعلا هو الكريم، فكيف يقابل الكريم بهذه الأفعال؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ إذا علمت أن الله جل وعلا هو الكريم: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر﴾، ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك﴾، هذا إكرام الكريم، فماذا أنت قابلت به الكريم؟ هل قابلت الكريم الذي أكرمك بالإكرام أو بالإهانة؟ فالذي يقع في الذنوب والمعاصي والمخالفات، فيقال له: ما غرك بربك الكريم؟ قال: كرمه. سبحان الله، كرمه يجعلك تقابله بالإحسان، كرمه يجعلك تقابله بالتقصير والتفريط. أين الإكرام لمن أكرمك؟ ومن يهن الله فما له من مكرم، ومن يهن الله فما له من مكرم. الكرم من الله جل وعلا للكريمين، أما الذين أهانوا أوامر الله جل وعلا وأهانوا شرعه، أين لهؤلاء الإكرام؟ هذا ينافي حكمة الله جل وعلا العدل في أحكامه، جعل الإكرام لأهل الإكرام، والإحسان لأهل الإحسان، وجزاء سيئة سيئة مثلها، وجزاء المحسنين الإحسان. فكيف هؤلاء يقعون في الذنوب والمعاصي والمخالفات، ويقولون بعد ذلك: الله كريم. نعم، المجازي كريم. هذا يسمع من بعض الناس يقول: يا فلان، اتق الله، لا، المجازي كريم. الله عز وجل هو الذي سيعاقب، كريم. كأنه يظن: سهل، كريم، طيب. وهذا الكريم يتركك تفعل ما شئت ولا يعاقبك. قد توعد في كتاب الله، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بما توعدت به إذا وقعت في مثل هذه المخالفات. أين أنت من هذه النصوص؟ فما أوقعك في هذا إلا الغرور الشيطان، ونفسك الأمارة، والجهل بالفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة. ولذلك قال المنكيم رحمه الله تعالى: وأتى سبحانه بلفظ الكريم، وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به، ولا إهمال حقه. لم يقل الله جل وعلا: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الرحيم﴾، ولم يقل جل وعلا: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك العزيز﴾ أو ﴿بربك العظيم﴾، وإنما قال: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾. يعني كيف تفعل هذه الذنوب والمعاصي، والله جل وعلا هو الذي أكرمك، خلقك فسواك فعدلك، جعلك هذه الصورة الحسنة، لم يجعلك على صورة حمار، ولا على صورة كلب، ولا على صورة خنزير، جعلك على صورة إنسان على حسن الصور. هل هذا من الإكرام؟ منك لربك الكريم؟ وقد علمت أنه الكريم، أهملت حقه واغتررت بأنه كريم. فإذا وقعت فيما وقعت فيه من التقصير والتفريط والذنوب والمعاصي، فوضعت الغرور - يعني في الآية: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ - في غير موضعه، لأنه فسره بأنه الحجة بكل من وقع في التقصير والتفريط. فإذا سئل، قيل له: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، أن يقول هذه الحجة: غرني كرمك، لأنك كريم، فوقعت في مخالفتك ومخالفة أمرك، وفي عصيانك. سبحان الله، أي فهم من هذا؟ قالوا: كاقترار بعضهم بقوله تعالى: ﴿في النار لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾، وقوله تعالى: ﴿وعدت للكافرين﴾. ولم يدر هذا المقتر أن قوله: ﴿فأنذرتكم نارا تلظى﴾، هي نار مخصوصة من جملة دركات جهنم. ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: لا يدخلها، بل قال: ﴿لا يصلها إلا الأشقى﴾. ولا يلزم من عدم صلتها عدم دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي العام. ثم إن هذا المقتر لو تأمل الآيات التي بعدها، علم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونا له أن يجنبها أيضا. يقتر بعض الناس بمثل قوله جل وعلا: ﴿لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾، يفهم من هذه الآية ماذا؟ يفهم من هذه الآية أن النار لا يدخلها إلا من كذب الله في خبره، أو كذب رسول الله عليه الصلاة والسلام. ﴿لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾ فقط. ومعنى لا يدخل النار إلا من إلا الكاذبون الذين كذبوا أخبار الله وأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام. ﴿لا يصلها إلا الأشقى﴾، فاستنتجوا معنى لا يدخلها إلا هؤلاء، من كان مكذبا، من كان شقيا مكذبا، هذا الذي سيدخل النار. ويقول: أنا غير مكذب، أي وأفعل الذنوب والمعاصي، وأقع في التقصير والتفريط، لكن أنا مؤمن بالله، مصدق لأخباره، مصدق لما جاء في القرآن، مصدق لما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام. فإذن أنا لست من الأشقى، لست من الأشقى، أنا لست من الأشقى الذين يصلون النار، لأن الذين يصلون النار هم الأشقى. ﴿لا يصلها إلا الأشقى﴾، من هو الذي كذب وتولى؟ أما الذي يشرب الخمر، وأما الذي يزني، وأما الذي يفعل، وأما الذي يسرق، وأما الذي يرابي، وأما الذي يقطع أرحامه. انظروا كيف هذا الفهم السقيم. ومثلا كذلك يقتر بقوله: ﴿وعدت للكافرين﴾، معناها أن النار لا يدخلها إلا الكفار. النار وعدت للكافرين، أما أنا فلست بكافر، أنا موحد. فإذا لو فعلت ما فعلت من الذنوب والمعاصي والكبائر، فلا أدخل النار. لماذا؟ قال: لأن النار عدة للكافرين، لم تعد لغير الكافرين، وأنا لست بكافر. فيقع في الذنوب والمعاصي ويفعل الكبائر. أنا ما سأدخل النار، النار للكافرين فقط. وهذا قد شنه كما قال ابن القيم، ولم يدري هذا المغتر أن قوله: ﴿فأنذرتكم نارا تلظى﴾، هي نار مخصوصة. يعني أن جهنم دركات، جهنم دركات، والجنة درجات. الجنة درجات، درجة فوق درجة، درجة فوق درجة، إلى أعلى الرفيق الأعلى. والنار دركات، كل درجة أسفل من الأولى هي أشد. وذلك كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾، هذه أشد دركات جهنم التي فيها المنافقون، وهم أشد الكفار. فإذن جهنم دركات، الله جل وعلا يقول: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى﴾، هذه نار دركة من دركات النار، من دركات جهنم، فيها نارا تلظى شديدة، تختلف عن النار الأخرى في الدركات الأخرى، لأنها نار تلظى: ﴿فأنذرتكم نارا تلظى﴾، أنذرهم جل وعلا نارا مخصوصة، هي شديدة الإحراق والعذاب فيها أشد تلظى، ليست كالنار الأخرى التي هي أقل. لماذا؟ لأن الله جل وعلا هو العدل، فلا يجعل المنافقين كمن هو أقل منهم في الكفر. وهكذا والله جل وعلا لم يقل: لا يدخلها، وإنما قال: ﴿لا يصلاها﴾، فالصلي صلي النار لا ينافي دخول دخول النار، لا ينافي الصلي. فمعناه أن من الناس من يصلى النار، يدخلها ويصلاها، فهو دخول مخصوص، دخول مخصوص لأنه دخول فيه عذاب شديد، فيه صلي ونار. هؤلاء نار تلظى شديدة، وغير هؤلاء ممن سيدخل النار، نعم يكون عذابهم أخف من عذاب هؤلاء، لأن من كذب وتولى ليس كمن صدق وآمن، لكن قصر وفرط، وقع في الذنوب والمعاصي والمخالفات، لكن عنده إيمان وعنده تصديق إخبار الله، إخبار رسوله عليه الصلاة والسلام. المكذب ذلك كافر، فلذلك كان عذابه في نار تلظى. وأما من كان صاحب كبائر، فهو متوعد، ليس مضمونا له أن لا يدخل النار. ولذلك قال القيم هنا: فهو ليس من هؤلاء الذين يجنبون، بما ذلك أن الذين يجنبون هم الأتقياء، قال الله جل له: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى﴾، هل هو صاحب الكبائر من المتقين؟ هل هو من الذين ذكوا أنفسهم؟ وتزكية النفس إنما تكون بعمل الصالحات وبترك الذنوب والمعاصي. فإذن هو ليس من هؤلاء الذين وعدهم الله جل وعلا بأنهم يجنبون، ليس منهم. لماذا؟ لأنهم متوعدون، ليس مضمونا لهم. إنما الأتقياء هم الذين لهم الضمان بأن يجنبوا النار، لكن أنت يا صاحب الكبائر، يا من وقعت في الذنوب والمعاصي، أنت لست من المتقين الذين ذكوا أنفسهم بفعل الطاعات والأعمال الصالحات وترك المحرمات. فإن ليس أنت ممن ضمن له تجنب النار. لكن ما معنى هذا؟ هل كما يقول الخوارج معناه أنه لا بد أن يدخل النار؟ لا. وإنما ليس مضمونا له أن يجنب النار، بمعنى أنه متوعد، تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. لكن لا يمني نفسه وهو في الدنيا يقول: أنا ما دمت لست بكافر، والنار إنما هي عدة الكافرين، وأنا لست من المكذبين، ولست من هؤلاء الأشقياء، فإذن أنا لست منهم. فنقول: لا، أنت لست من الذين سيجنبون هذه النار، لأنك لم توفر صفات المجنبين الذين يجنبون النار، وهم الأتقياء. والنار كما يدخلها الكفار، يدخلها من لم يغفر الله جل وعلا من أهل الكبائر. والجنة كما أنه يدخلها أهل الإيمان والتوحيد والمسارعون والمسابقون، كذلك يدخلها أهل الكبائر الذين أخرجوا من النار بالشفاعة أو غفر لهم ابتداء. قال جلال المسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وبقي أيضا معنا بعض ما اغتر به من اغتر بنصوص الكتاب والسنة، وفهمها فهما فاسدا. والرد عليه في درسنا اللاحق إن شاء الله تعالى لانتهاء الوقت. صلى الله عليه وسلم، مبارك علينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.