الدرس في التعليق على الجواب الكافي 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تؤدي إلى تعسير الأمور على العبد، بينما التقوى تيسرها. الله يجعل للمتقي يسرًا في أموره.
الذنوب تعسر الأمور، والتقوى تيسرها. الله يجعل مع العسر يسرين، ولن يغلب عسر يسرين.
تيسير العسر مرتبط بطاعة الله وإخلاص العبادة له. العسر يبقى إذا لم يطع العبد ربه، بينما ييسر الله الأمور للطاعة.
الطاعة تيسر الحياة وتشرح الصدر، والمعاصي تعسر الأمور وتغلق أبواب اليسر. نسأل الله أن ييسر أمورنا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. بعدما خضنا في القراءة في كتاب الإمام ابن القيم رحمه الله «الجواب الكافي»، ذكر فصلًا في المعاصي أو للمعاصي آثار سيئة ومذمومة ومضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة. وذكرنا في آخر درس من هذه الآثار الوحشة التي تحصل بينه وبين الناس. ثم قال رحمه الله: ومنها تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه أو متعسرًا عليه. وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطل التقوى جعل له من أمره عسرًا. ويا لله العجب، كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه وطرقها معسرة عليه، وهو لا يعلم من أين أتى؟ هذه أيضًا من العقوبات التي قد تخفى على كثير من الناس، فلا يدركها، فهي عقوبة من العقوبات. الله عز وجل أن يعسر على العبد أموره، فيعسر على العبد أموره فلا تنقضي. وأيضًا قد تنقضي، لكنها بعد فترة من الزمن، فيصيبه العسر في الأمور. وهذا أيضًا من عقوبات الله جل وعلا، لأن الله عز وجل يقول: ﴿من يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾، يسر له أموره. كذلك قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾، فلهذا الإنسان يجد العسر في أموره بحسب ما يفعل من هذه الذنوب. وقد يكون أيضًا لعبد صالح يحسر الله عز وجل عليه أمره لارتكاب بعض الذنوب. وكما ذكرنا قبل أن الله عز وجل يعجل لعباده الصالحين بعض العقوبات حتى يغفر الله عز وجل لهم. جاء في المسند في حديث أبي يسير وغيره أن رجلًا وجد امرأة فقبلها، ثم ندم على ما فعل، فلما كان يمشي ارتطم رأسه بالجدار، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: «أنت عبد أراد الله بك خيرًا»، أنا لما رجعت إليه عاقبك الله عز وجل بهذا الأمر حتى يغفر الله لك ويعفو عنك. فلهذا تجد أن الله عز وجل يسر للعبد المتقي لله أموره، وقد يعسر عليه ببعض ما كسب. قد يعسر عليه بعض الأمور ببعض ما كسب. وحيانًا يكون ابتلاء من الله، أن العسر أحيانًا يكون ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. لكن المؤمن كيس فطن، فهو لا يركن إلى أن هذا ابتلاء فقط، فقد يكون أيضًا من الذنوب، أن هذا العسر الذي يحصل في الأمور قد يكون أيضًا بما كسبت يده. فلهذا فمن هذه الأمور التي أو الآثار القبيحة التي تتركها الذنوب تعسير الأمور. كما أن الله عز وجل يسر للمتقي، فكذلك يعسر على من ليس له تقوى من الله. وغالبًا هذا التعسير يعسر عليه في أمور الطاعة، ليس في كل أمر، بل في أمور الطاعة. الله عز وجل لما ذكر في سورة الانشراح ذكر تيسير أو أن اليسر يأتي بعد العسر ﴿إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾، فجعل الله عز وجل يسرين بعسر واحد، العسر واحد، لكن جعل ربنا سبحانه وتعالى يسرين. لهذا نكر اليسر وعرف العسر لأنه واحد، فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، أي يسرًا آخر. فلهذا قال الحسن: «ولن يغلب عسر يسرين»، ولن يغلب عسر يسرين. فهذه الآية أو هذه السورة، الله عز وجل بعدما ذكر تيسير العسر ذكر الرجوع إليه سبحانه وتعالى وعبادته، فقال جل وعلا: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾، أي أخلص العبادة له سبحانه وتعالى. فهذا الذي يسر العسر هو طاعة الله، طاعة الله بإخلاص، فهذه التي تيسر العسر. وأما إذا لم يطع الله، لم يطع العبد ربه جل وعلا، فيبقى العسر ولا يأتيه اليسر إلا يشاء الله عز وجل. ولله عز وجل حكمة في خلقه سبحانه وتعالى، فقد يسر أحيانًا لبعض الكفار بعض الأمور يسرها لهم. لكن أغلب ما يذكر في هذا الباب هو التيسير للطاعة والتيسير للخير، يعني يسر له الخير، إما يعطيه مثلًا يتحصل على المال، وهذا المال ينفقه في سبيل الله، ينفقه في طاعة الله، يفعل به شيئًا من طاعة الله جل وعلا. هذا التيسير من الله سبحانه وتعالى. وأما من أنعم الله عز وجل عليه وهو يصرف ذلك في غير طاعة الله، فهذا لم يسر له، لم يذهب عنه العسر، بل العسر موجود لا زال فيه، وهو عدم انشراح صدره لطاعة الله جل وعلا. وهذا أعظم العسر، عدم انشراح لطاعة الله عز وجل، من أعظم العسر. ولهذا الله عز وجل ذكر العسر بعد الانشراح، وأن هذا اليسر الذي جاء هو انشراح الصدر، فقال: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، شرح الله عز وجل صدر نبيه عليه الصلاة والسلام، شرح قلبه بطاعته. لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أنس: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة»، جعلت راحتي وانشراح صدري في الصلاة. فلهذا فالطاعة تولد هذا اليسر العظيم، والمعاصي تغلق ذلك اليسر وتجعل العبد على عسره. وكما قلنا، من أعظم العسر هو عدم شرح الصدر لطاعة الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يسر أمورنا. والحمد لله رب العالمين.