التعليق على العقيدة الطحاوية 29

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 29، ألقاها

معنى الاستسلام لله ولرسوله وتأويل المتشابه

الدرس يبدأ بشرح معنى الاستسلام لله ولرسوله، ويتطرق إلى مسألة تأويل الآيات المتشابهة في القرآن وردها إلى المحكم. العلماء اختلفوا في تأويل هذه الآيات.

التعامل مع المشتبهات في القرآن والسنة

الدرس يتناول كيفية التعامل مع المشتبهات في القرآن والسنة، ويوضح دور العلماء الراسخين في فهمها من خلال الرجوع إلى المحكم من الآيات والأحاديث.

تحذير النبي من اتباع المتشابه واهتمام أهل البدع به

النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من اتباع المتشابه دون الرجوع إلى المحكم، وأهل البدع يأخذون بعض النصوص ويتركون الأخرى، مما يؤدي إلى فهم خاطئ للدين.

حكم المشتبه من الألفاظ وتوضيح قاعدة رده إلى عالمه

الدرس يناقش حكم المشتبه من الألفاظ، ويوضح قاعدة رد المشتبه إلى المحكم أو إلى عالمه إذا لم يمكن فهم معناه، مشيراً إلى أن بعض الأمور يجب أن توكل إلى علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا قول المؤلف رحمه الله تعالى، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه لعالمه. والمراد بالاستسلام هو الإخلاص لله جل وعلا، والقياد له بالطاعة. والقياد لله عز وجل بالطاعة هذا هو الاستسلام. ومن أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقال شيخ الإسلام -وهو محسن- أي: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قالوا: قوله وهو محسن، أي: وهو موحد. أسلم وجهه لله وهو موحد، إخلاص وتوحيد لله جل وعلا، والقياد له بالطاعة استسلام لله سبحانه وتعالى. وهذا الاستسلام يقتضي عدة أمور، أولا منها: الدعاء لله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالطاعة، وكذلك أيضا لا يقدم حكم غير الله وغير حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على حكم الله وعلى حكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أيضا يرضى بقضاء الله جل وعلا ولا يتسخط، وغيرها مما يكون فيه الاستسلام لله جل وعلا. وأعظم الاستسلام هو منزلة النبوة، ثم منزلة الصديقية، وهي كما قال الإمام ابن قيم رحمه الله: كمال الإخلاص وكمال المتابعة. وقوله: ورد علم ما اشتبه إلى عالمه، قلنا: إن الشبه على قسمين: شبه ما إذا ردت إلى المحكم علم معناها، وشبه ما لا يعلم معناها إلا الله. هناك شبه ما إذا ردت إلى المحكم علم معناها، وشبه لا يعلم معناها إلا الله ولا يعلم حقيقتها إلا الله. ولهذا اختلف في قول الله جل وعلا: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، إلى قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾. فاختلف العلماء والمفسرون في الواو هنا، وقوله: والراسخون في العلم، هل الواو هنا استئنافية أو الواو عاطفة؟ فإن كانت استئنافية فمعنى الآية أن الله عز وجل يقول: والراسخون في العلم يقولون آمنا به، أي: آمنا بما تشابه من القرآن، ومما تشابه مما أنزل علينا، ويكلون علمه إلى الله جل وعلا. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، نؤمن به لأنه من عند الله جل وعلا، سواء علمنا معنى وحقيقته أو لم نعلم حقيقته ومعناه، فكل من عند الله جل وعلا. وأما إذا كانت الواو عاطفة فيصير المعنى: والراسخون في العلم، أي: على ما تقدم، ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، أي: هم يعلمون أيضا تأويل المتشابه، يعلمون تأويل المتشابه. كل من عند ربنا، أو يقولون: كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب. فإذا كانت على القول الأول، على أن الراسخين لا يعلمون هذه الشبه، وإنما يكلون أمرها إلى الله، فعلى القسم الثاني، وهو أن هذه الشبه لا يعلمها إلا الله. وهذه مثل: حقائق الجنة والنار، مثل حقائق الصفات، مثل أيضا بعضهم يدخل معاني الحروف المقطعة في القرآن، فهذه مشتبهات لا يعلمها إلا الله. لا يعلم حقائق ما في الجنة والنار إلا الله، كلنا أخبرنا الله عز وجل بأن في الجنة نعيم، لكن مثل ماذا هذا النعيم؟ لا يعلمه إلا الله جل وعلا. لهذا جاء في الحديث: في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فلهذا فحقائق الجنة والنار لا يعلمها إلا الله، وكذلك أيضا النار فيها العذاب، وصف هذا العذاب في بعض الآيات وبعض الأحاديث، لكن حقيقته، حقيقة هذا العذاب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا حقائق الصفات، صفات الله عز وجل، فهذه لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وإنما نحن نثبت معاني هذه الصفات، نثبت معاني هذه الصفات مثل ما جاءت في القرآن والسنة، فنقول: إن لله عز وجل علما، ولله سبحانه وتعالى سمعا وبصرا، وأيضا لله عز وجل وجه ويد، الصفات الخبرية، فلا يعلم حقيقتها إلا الله، لكن نحن نقول: نثبت هذه الصفات، ونقول: إنه ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا هذه الصفات تليق بجلاله وعظمته سبحانه جل وعلا. فهذا المشتبه الذي لا يعلمه إلا الله. وأما على القول الثاني، على أن الواو استئنافية والقول الأول، فالمشتبهات هنا يعلمها الله ويعلمها الراسخون في العلم. كيف يعلمونها؟ أن يردونها إلى المحكم. معنا كثير من هذه المشتبهات ما إذا ردت إلى المحكم علم معناها. ما إذا ردت إلى المحكم علم معناها. ويدخل في ذلك العام والخاص، والمجمل والمبين، وأيضا كذلك المطلق والمقيد، وغيرها من هذه الأشياء التي يعلمها العلماء، يعلمون أن هذا مقيد وهذا مطلق، وهذا عام وهذا خاص، فيحملون هذا العام على هذا الخاص، ويقيدون ما يحتاج إلى تقييد، فكل ذلك يعلمه العلماء. وهذا أيضا من رد المشتبه إلى المحكم. وكذلك أيضا من رد المشتبه إلى المحكم أيضا ما يكون له معنى عام ومعنى معروف محكم في كتاب الله جل وعلا، فيأتي شيء من الآيات التي فيها الاشتباه، مثلا على سبيل المثال مسألة القتل، القتل جاءت نصوص محكمة في كتاب الله جل وعلا أنه من قتل مسلما لا يكفر، لا يكفر. لكن جاءت هذه الآية في سورة النساء: ﴿ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنته وأعد له عذابا عظيما﴾، فهنا هذه الآية تعتبر من المشتبهات. فحملها الخوارج وغيرهم على أنها أن القتل يعتبر كفرا وليس معصية كبيرة. وأيضا قال: وأيضا في قول الله عز وجل: ﴿ومن يعص الله فقد ضل ضلالا بعيدا﴾، وأيضا في قول الله عز وجل: ﴿والذين كفروا بربهم يعدلون﴾، على أنهم أخذوا قول الله جل وعلا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، وقال الله عز وجل: ﴿والذين كفروا بربهم يعدلون﴾، أي: يشركون بالله عز وجل. فأخذوا هذه الآيات وكفروا خلق الله جل وعلا، فكل من ارتكب معصية يجعلونه كافرا بالله سبحانه وتعالى. وهذا لعدم فهمهم لهذه النصوص، لعدم فهمهم لهذه النصوص. ولو أنهم ردوا ذلك إلى علماء الأمة وعلماء الناس وسألوهم في هذا لاستهدوا واسترشدوا. لكن الخوارج، غالبهم جهلا، يحفظون كتاب الله، وتجدهم يصلون ويصومون، لكن ليسوا أصحاب علم. إنما غالب الخوارج ليسوا أصحاب علم، أصحاب عبادة وطاعة وقراءة القرآن، لكنهم ليسوا أصحاب علم. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرهم بالعلم، وإنما ذكرهم بالصلاة والعبادة، وذكرهم بقراءة القرآن، «يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فأيضا في القراءة، كما ذكر نبي صلى الله عليه وسلم: «يقرؤون القرآن ولا يتجاوز حناجرهم»، أي: لا يفهمون. يقرؤون قراءة يظنون أنهم يفهمون هذا القرآن، فيأخذون آيات من القرآن ويطبقونها على الواقع دون أن يرجعوا إلى المحكمات في كتاب الله جل وعلا. فيأخذون المشتبهات التي في كتاب الله، ولهذا جاء في البخاري في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم، أولئك الذين سمى الله». وجاء في لفظ: «فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». فلهذا هؤلاء أهل البدع جميعا هم يتبعون المتشابه، يأخذون المشتبه من القرآن ومن السنة، ويبنون عليه الحكم دون أن يرجعوا إلى النصوص الأخرى. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أهل البدع ينظرون إلى النصوص بنظرة عوراء»، يعني: ينظرون بعين واحدة، ما ينظرون بعينين، ما يأخذون النصوص كلها، لا يأخذون جزء من النص ويرمون بالآخر. فمثلا الوعيدية أو الخوارج أخذوا نصوص الوعيد، وأخذوا نصوص الخوف، وتركوا نصوص الرجاء. والمرجئة عكسهم، أخذوا نصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد. وهكذا أيضا الجهمية وغيرهم، فتجدهم يأخذون بعض النصوص ويتركون بعضها. فالخوارج استدلوا بمثل هذه الآيات على تكفير القاتل وعلى غيره. لكن إذا حملنا هذه الآية على الآيات المحكمة التي عندنا، هناك آيات كثيرة محكمة، منها آيات عامة ومنها آيات خاصة في نفس القضية. مثل آيات العامة قول الله عز وجل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فالقتل يدخل في المغفرة لأنه ليس بشرك. أيضا كذلك هناك آيات خاصة، فقال الله عز وجل مثلا: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾، فسمى القاتل هنا أخا، فسماه أخا. فمن عفي له من أخيه شيء، وكذلك أيضا الله عز وجل قال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، فسماهم مؤمنين. وهكذا آيات كثيرة وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على هذا الأمر. لما ذكر في حديث عبادة بن الصامت هذه الأشياء: القتل، وأيضا السرقة والزنا، قال: «فمن أقيم عليه حد في هذه الدنيا فهو كفارة له». ونصوص كثيرة في هذا المقام، فهذه النصوص كلها هي محكمة تدل على أن القتل ليس كفرا بذاته. فلهذا حملنا هذه الآية، وهي قول الله عز وجل: ﴿ومن يقتل المؤمن متعمدا﴾، إما على الاستحلال، وإما تحمل على أنه من استحل قتل أخيه فهو كافر في نار جهنم. أو تحمل على أن -وهذا الذي حمله أكثر السلف- تحمل على أن هنا التعبيد المراد به طول المقام، المراد به طول المقام. ومن يقتل المؤمن متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، فالخلود هنا هو طول المكث، أي: أنه يطول مكثه في النار بسبب أنه قتل أخاه المسلم بغير حق. فلهذا فهذه الأمور معناها: هذه المشتبهات يرجعها العلماء إلى المحكمات فيعلم معناها. فالمشتبه كما قلنا: إما أن يرد إلى محكمه فيعلم معناه، وإما كما قلنا إذا لم يعلم معناه فهو مما يوكل إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قول المؤلف: ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، فهذا ما يذكر والله تعالى أعلم.

شاركنا على