التعليق على الجواب الكافي 43

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عواقب المعاصي وتأثيرها المتسلسل

المعاصي تتابع وتتراكم بسبب عدم الابتعاد عنها، وتؤدي إلى تكرارها وتولد أمثالها. هذا التراكم يؤدي إلى تأثيرات سلبية متسلسلة على النفس.

تأثير الأفعال على النفس وتوليد أفعال مشابهة

الأفعال الحسنة أو السيئة تؤثر على النفس وتولد أفعالا مشابهة، حيث تتضاعف الحسنات وتؤثر إيجابا عند المداومة عليها، بينما تتابع السيئات يؤثر سلبا.

تأثير الإدمان على المعاصي والطاعات وأثر الملائكة والشياطين

إدمان المعاصي يجعل مفارقتها مؤلمة، بينما المداومة على الطاعات تجعلها محببة. الله يرسل الملائكة لتشجيع المؤمنين والشياطين لتحريض العصاة.

أثر الهوى على العبد واتباعه

الهوى يجعل العبد يرى المنكر معروفا والخير شرا، ويتبع هواه دون النظر للصواب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: فصلا ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: «إن من عقوبة سيئة سيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها». فهذا أيضا من عواقب الذنوب، ومن مضارها أنها تزرع أمثالها، فتولد، يولد الذنب الذنب بعده، كما قال السلف. وأيضا ذكر هنا الإمام ابن القيم عن بعض السلف أنهم قالوا: «كانوا يقولون من عقوبة سيئة السيئة بعدها»، أنه يفعل هذا الذنب الذي يقترفه، يتولد بعده أيضا ذنوبا أخرى، مثل ما جاء في حديث النواس بن سمعان في الصراط، وفي المحارب قال: «ويلك لا تكشفه، فإنك إن تكشفه تلجه»، وأنا إذا دخلت هذا الباب تلج هذا الباب، وتنتهك حرمات الله عز وجل، والذنب يتبع الذنب، فلهذا يحذر واعظ الله عز وجل في قلب كل مسلم، يحذره فيقول له: «وإياك لا تلج، لا تدخل هذا الباب باب المحرمات، ولا تكشفه، فإنك إن كشفت هذا الباب تلج وتدخل فيه». وهو واثق، فلهذا تؤلد السيئة السيئة بعدها، والحسنة كذلك تؤلد الحسنة بعدها، وهذا من بركة الحسنة، وشؤم المعصية، شؤم المعصية تؤلد بعدها معصية مثلها أو أكبر منها، وهو الغالب، لأن السيئة تبدأ بالقليل، ولهذا كما ذكرنا قبل ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيحين عنه، قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». ففسره بعض العلماء لأن البيضة إن كانت هذه البيضة بيضة الدجاج، هي ما ستكون بربع دينار، فكيف تقطع يده؟ أو أيضا البيضة التي توضع على الرأس الحديد، ممكن أنها لا تأتي بربع دينار، فكيف يسرق البيضة فتقطع يده؟ قال الشراح: أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسرق البيضة فتقطع يده»، أي أن الذي جرأه على السرقة هو سرقة البيضة، الذي جرأه على الاستمرار في السرقة هو أولا، أول ما سرق سرق بيضة، شيء يسير وهيئ، لكن تعود بعد ذلك على السرقة. فتجد السارق يسرق أول ما يسرق أشياء يسيرة، ثم يتطاول على ما هو أكبر، ثم بعد ذلك يتطاول على ما هو أعظم من ذلك، حتى يكونوا بعد ذلك عصابة للسرقة، يسرقون الأشياء الكثيرة. فهذا كله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». فالسيئة تولد السيئة بعدها. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: أعملني أيضا». كذلك الحسنات، قال: «فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلما جرى، فتضاعف الربح وتزايدت الحسنات». وكذلك جانب السيئات أيضا، وهذا من بركة الحسنة. قال: «فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، لو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت». يعني الإنسان إذا عود نفسه على العمل الصالح، عود نفسه على الصدقة، فجاء وقت ما عنده مال، تجد أنه يضيق عليه صدره، أنه يريد أن يتصدق. كذلك إذا كان مثلا عنده مجتهد في الطاعة في الصلاة، فتجد إذا جاءه المرض يضيق نفسه على أنه تذهب عليه هذه الطاعة. ولهذا نقرأ في كتب السلف أن الرجل أحيانا يضيع الصلاة، يضيع صلاة الجماعة، فيبكي، كما دخل على وبرة رجل من السلف، فدخل عليه بعض أصحابه وهو يبكي، فقال له: ما لك تبكي؟ قال: «والله بدت طاهرة في شعاري، وبابي مستور، وحرمت قيام الليل». أنه يبكي لماذا؟ لأنه لم يقم الليل هذه الليلة. وما يدري ما السبب الذي جعله لا يقوم الليل، مع أنه يعمل بالأسباب، وكذلك قال: «بابي مستور»، مع أنه ما فعل شيئا أبدا، لكن لماذا حرمت هذا الليل؟ لأنه لم يقم، فتجد أن الحسنة من تعودها صارت في قلبه شيئا معينا، لابد أن يفعله. كما قال الإمام ابن القيم هنا، فقال: «فالعبد إذا عمل الحسنة قالت أخرى إلى جنبها: أعملني أيضا». فتضاعفت وتزايدت الحسنات، حتى قال: «فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه». هذا المحسن من المحسنين الذين قد تعودوا هذه الطاعات، تعودوا هذه الطاعات، وصارت ألفا لهم، سواء كان في صيام النهار أو في قيام الليل، فإذا رأوا أنهم قد عطلوها، يجدون ضيقا في أنفسهم. قال: «ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه». أنا هكذا أيضا صاحب المعصية، لأنه تعود المعصية ولم يتب إلى الله عز وجل منها، إذا تاب وقلع، فإن الله عز وجل يلقي في نفسه كره هذه المعصية، لكن إذا لم يتب، فإنه يجد أنه يضيق نفسه، لابد يريد هذه المعصية التي اعتادها. قال: «وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، ما يرتاح في الطاعات، لكن راحته في المعاصي والعياذ بالله». قال: «وضاق صدره، وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها». حتى إن كثيرا من الفساق لا يواقع المعصية من غير لذة يجدها، فقط لأنه تعود، وأيضا أدمن عليها، كما سواء كان في شرب خمر أو في سرقة، أحيانا سرقة سارق تجده يسرق وهو لا يريد أن يسرق، لكن تعود على السرقة، أنه صار شيء اعتاد عليه. قال: «ولا داعي إليها إلا لما يجد من الألم بمفارقتها». قالوا كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هاني، وهو يعتبر من الزنادقة وأيضا من أهل المجون والسكر وغيرها، قال: «وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها». معنى يقول: أنه يشرب أحيانا كأسا أي خمرا على لذة، وأخرى تداويت منها بها، معنى فقط يشربها وليس فيها لذة، وإنما لأجل أن يطفئ نار الشهوة التي فيه. قال: «ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمة عليه الملائكة تؤزه إليها أزا وتحرض عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها». أنا تجد أنه لا يكلف نفسه فيها، لا يكلف نفسه يقوم مثلا صلاة الليل، كما قال أثابة البناني: «روضت نفسي على قيام الليل ثماني عشرة سنة حتى راضت». أنا كيف راضت؟ خلاص يقوم تلقائيا، ما يجد أي شيء، وكأنه أحد يوقظه في ذلك الوقت. قال: «ولا يزال العبد يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله عليه الشياطين». يعني إذا كان صاحب معصية وألف المعاصي، فتأزه إليها أزا. فالأول قوي جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه من الملائكة، وهذا قوي جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانا عليه، حتى بعد ذلك يعلو على قلب العبد، فبعد ذلك لا يرى الخير، ولا يرى أيضا المنكر أمامه، بل يفعله، وكذلك لا يأخذ إلا ما أشرب من هواه، كما أخبر بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.