التعليق على الجواب الكافي 47

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عواقب المعصية وهوان العبد

المعصية تسبب هوان العبد على الله وتجعل الناس يكرهونه. كلما هان العبد على الله، لم يكرمه أحد.

تأثير الذنوب على العبد وعلامات هلاكه

الذنوب تهون على العبد وتجعلها صغيرة في قلبه، وهذا علامة على هلاكه. كلما صغرت الذنوب في عين العبد، عظمت عند الله.

التأثيرات المختلفة للذنوب والمعاصي

المؤمن يرى ذنوبه كثقيلة ويخاف من عواقبها، بينما الكافر يراها بلا قيمة. المعاصي تهين صاحبها وتجعله حقيرًا عند الله.

أهمية الاعتماد على الله في الدعاء

الدعاء يعبر عن الاعتماد على الله تعالى، ومن أهم الأدعية التي تعبر عن هذا الاعتماد هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم برحمتك أستغيث».

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومنها، أي من هذه الآثار والظواهر المعاصي، أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. هذا أثر مأخوذ من الحديث الذي تقدم في الذي قبلها، حديث عبد الله بن عمر: «وجعل الذلة الصغار على من خالف أمري». والهوان هو من الذل، وكذلك أن العبد ليس عزيزًا على الله هذا الذي يعصي، هان على الله عز وجل، فلم يعصمه الله عز وجل من معصيته، كما قال الحسن. وهذا قد ذكره أبو نعيم في الحلية. قال الحسن البصري رحمه الله: هان عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. لو كان هؤلاء عزيزين عند الله عز وجل، ولهم قدر عند الله، لما جعلهم يعصونه ويصرون على معصيته. فإن عصوا، فإنهم سرعان ما يرجعون إلى الله ويتوبون إليه سبحانه وتعالى. قال: وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. وإن عظمه الناس في الظاهر لحاجتهم إليه أو خوفًا من شره، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهولا. ولهذا كما ثبت في الحديث الذي تقدم، حديث أبي هريرة في المسلم: «وإذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا، فيبغضه جبريل، وينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل يبغض فلانًا فأبغضوه، وتوضع له الكراهة في الأرض». فهذه الكراهة من ذلك أنه مهان، لم يكرمه الله عز وجل. فلو أكرمه الله لجعله له قيمة وكرامة عند الناس، وجعل أهل الخير خاصة وأهل الصلاح يحبونه. لكن هان على الله عز وجل، فلهذا صار بعيدًا عن الله وعن عباده. قالوا: ومنها أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك. فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله. هذا الهوان يكون على العبد لربه جل وعلا، وكذلك في خلقه. وكذلك أيضًا هذا الذي حصل بسبب أنه هان في قلبه هذا الذنب، فصار ألفًا له أن لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، صار لا شيء. قد يكون في بدايته أنه يجد حرجًا أو يتأثر بذلك، ثم بعد ذلك يهون عليه، فيكون عليه أسهل من شرب الماء. ولهذا إذا هانت المعصية على العبد فإنها تصغر في قلبه، ويصغر في قلبه تعظيم الله جل وعلا. ولهذا قال أنس وأبو الدرداء: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». لما عظموا الله عز وجل عظموا أمره ونهيه. ولما ذهب ذلك من قلوب بعض الناس هانت عليهم هذه الذنوب وصغرت في قلوبهم. قال رحمه الله: وذلك علامة الهلاك، فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله. قالوا: قد ذكر البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار». وقد ذكره البخاري موقوفًا من كلام عبد الله بن مسعود، وجاء مرفوعًا، لكن الصحيح الموقوف. فأصحاب الأعمش الذين رووه هذا الحديث بقوا رووه موقوفًا من كلام عبد الله بن مسعود: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه». ولهذا قال الله عز وجل لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾. الذنوب ثقيلة، فقال الله عز وجل لنبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾. فأهل الإيمان الذنوب عليهم ثقيلة، كلما عملوا ذنبًا حسوا بثقل ذلك عليهم ورأوا الهلاك حتى يتوبوا إلى الله ويرجعوا فيتوب الله عز وجل عليهم. وأما الفاجر فيرى ذنوبه كالذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار. هان عليه الذنب، ولهذا هان على الله عز وجل. فهذه أيضًا من الآثار التي تخلفها هذه المعاصي والعياذ بالله. وربنا جل وعلا يقول: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾. قل ما يعبأ بكم ربي، لا يبالي بكم لولا دعاؤكم، لولا رجوعكم وصلاتكم إليه سبحانه وتعالى لما بالى بكم جل وعلا. ولهذا هان الكفار عليه. هان الكفار عليه، وكذلك المؤمن إذا أذنب هان على الله عز وجل بحسب ذنبه. وإلا فربنا جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. فالمؤمن يعزه الله ويعصمه من الشيطان ويبعده عن الشر، إنه كان من عبادنا المخلصين. فلهذا كلما رجع العبد إلى ربه أيده الله وعانه الله عز وجل حتى على نفسه، عانه الله عز وجل على نفسه. لهذا من الأدعية التي يدعو بها العبد والتي ذكرها نبينا عليه الصلاة والسلام في أذكار الصباح ومساء وغيرها، قول العبد أو قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الدعاء: «اللهم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تكلني إلى أحد من خلقك». ألا يكون اعتماده على الله سبحانه وتعالى. فهذا كما ذكر في هذه العبارات، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.