التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 21

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث "قل آمنت بالله ثم استقم"

شرح حديث سفيان بن عبد الله الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم قولا في الإسلام، فقال له النبي "قل آمنت بالله ثم استقم". يشمل الإيمان بالله الإيمان بوجود الله وربوبيته وألوهيته.

تفصيل معنى الاستقامة بعد الإيمان بالله

الاستقامة تعني الالتزام بتوحيد الله وشرائع الإسلام باطنا وظاهرا، وتشمل فعل الفرائض وعدم صرف العبادة لغير الله. تتطلب الإيمان بالقلب والعمل بالجوارح معا.

الاستقامة والتوبة من الذنوب والمعاصي

الاستقامة لا تعني الكمال، ويمكن أن يحدث خلل بسبب الذنوب، ولكن التوبة والاستغفار يمكن أن يصلحا هذا الخلل. أهل الاستقامة يتوبون ويستغفرون عند الخطأ.

صفات التائبين والمغفرة الإلهية لهم

التائبين يبادرون بالتوبة عند فعل الذنب، ولا يصرون على الخطأ، والله يغفر لهم ذنوبهم. هؤلاء التائبون يظلون بين عبادة وطاعة وتوبة حتى يبلغوا المقصود.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية: الحديث الحادي والعشرون، عن أبي عمرو، وقيل: أبي عمرو، سفيان بن عبد الله، رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»، رواه مسلم. قال الشارح: هذا الحديث رواه مسلم وحده دون البخاري، فهو من أفراده عنه، ولفظه في النسخ التي بأيدينا: «قل آمنت بالله فاستقم»، فجعل الفاء موضع ثم، وفي لفظ له: «أحدا بعدك»، أي بدل أحدا غيرك أحدا بعدك. قال: وحقيقة الاستقامة: طلب إقامة النفس على الصراط المستقيم الذي هو الإسلام، فبتفسير الصراط بالإسلام في حديث النواس رضي الله عنه عند أحمد بسند حسن، فالمستقيم هو المقيم على شرائع الإسلام المتمسك بها باطنا وظاهرا. هذا الحديث حديث سفيان بن عبد الله، في قول النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله أن يقول له قولا في الإسلام لا يسأل أحدا غيره، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»، هذا من جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام، يعني جملة قصيرة وهي تحمل معاني كثيرة. أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بالله والاستقامة على ذلك، كما في قول الله عز وجل: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا﴾ الآية، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون﴾. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم»، آمنت بالله تشمل كل ما يجب الإيمان به، الإيمان بوجود الله، أن الله جل وعلا موجود، الإيمان كذلك بربوبية الله، أن الله هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، فلا رب غيره ولا خالق ولا مالك ولا رازق ولا محي ولا مميت إلا الله جل وعلا. الحمد لله رب العالمين، هكذا أيضا الإيمان بألوهية الله، وأن الله عز وجل هو الإله الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه، ولا يستحق أحد من الخلق شيئا من العبودية إلا هو سبحانه وتعالى. كذلك الإيمان بما أخبر الله سبحانه وتعالى به في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن الإيمان بالله الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، لأنه مرسل من عند الله وأمرنا الله بالإيمان به وتصديقه، وهكذا الإيمان بالجنة والنار، وكذلك أيضا الإيمان بالقرآن وأنه كلام الله جل وعلا، والإيمان بما فيه، الإيمان بما فيه بتصديق أخباره وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وهكذا أيضا التحاكم إليه. كل مسائل الإيمان بتفاريعها وتفاصيلها تدخل تحت هذه الجملة «قل آمنت بالله»، ثم قال «ثم استقم»، استقم على هذا الإيمان، والاستقامة فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بالإسلام، فسرها بالإسلام أن تستقيم على هذا الدين الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. قال في تفسير الشارح في تفسير الاستقامة: هو المقيم على شرائع الإسلام المتمسك بها باطنا وظاهرا. لا يكون العبد مستقيما على دين الله جل وعلا حتى يكون مستقيما على توحيد الله، هذا أوجب الواجبات وأعظم الفرائض التي بها يكون العبد مستقيما، أنه أولا يستقيم على توحيد الله، يكون موحدا لله مخلصا العبادة لله، لا يصرف شيئا من العبادات لأحد إلا لله سبحانه وتعالى وحده، ثم بعد ذلك الإتيان والاستقامة بفعل الفرائض والواجبات التي هي مكملات التوحيد، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك من الفرائض. لابد لمن أراد أن يستقيم أن تكون استقامته ظاهرة وباطنة، أن تكون ظاهرة وباطنة، فهو في الباطن مؤمن بما فرض الله عز وجل وبما أوجب، وبالظاهر كذلك منقاد ومستجيب لأوامر الله جل وعلا. إذا صلى وهو معتقد لوجوب الصلاة في قلبه وأدى هذه الصلاة بجوارحه هذا مستقيم، وهكذا قل في بقية شرائع الإسلام. لكن لو استقام بها باطنا ولم يستقم بها ظاهرا لم يكن مستقيما، لو أنه يقول أنا أعتقد أن الصلاة واجبة لكن لا يصلي هل هذا مستقيم؟ الجواب: لا، ليس مستقيم، أو كذلك العكس، لو أنه صلى يحافظ على الصلاة في الظاهر لكنه في الباطن منكر لوجوب الصلاة، هل يكون هذا مستقيم؟ الجواب: لا، هذا منافق، إذن لا تتحقق الاستقامة إلا بالإتيان بشرائع الإسلام ظاهرا وباطنا. ثم إن حصل شيء من الخلل في هذه الاستقامة من ترك بعض الفرائض أحيانا، إما بسبب الجهل أو النسيان أو يكون بسبب غلبة الشهوة أو الوقوع في شيء من المحرمات والمعاصي والذنوب، هذه لا تسلب الاستقامة عن الإنسان بالكلية، بل يكون عنده شيء من الخلل والنقص الذي يصلح بالتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿فاستقيموا إليه واستغفروه﴾، قال أهل العلم في هذا إشارة إلى أن المستقيم لا تكمل استقامته، قد يحصل له شيء من الخلل في الاستقامة إما بترك واجب وإما بفعل محرم، فإذا حصل ذلك منه فعليه بالتوبة والإنابة إلى الله والاستغفار من ذلك النقص الذي حصل منه. ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام عند الإمام أحمد أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا، استقيموا ولن تحصوا»، يعني لن تستطيعوا أن تلموا بالاستقامة من جميع جوانبها على أكمل وجهها، لابد أن يحصل شيء من الخلل، لماذا؟ لأن المسلم بشر، هو معرض للزلل ومعرض للوقوع في الخطأ، لكن هذا لا يضر باستقامته إذا تاب ورجع، إذا تاب ورجع وأقلع عن هذا الذنب فإنه يعتبر مستقيما. وقد يصلح ما أفسده مما وقع فيه بعد التوبة والإنابة مما يكمل به استقامته ويحسن به حاله. فالمقصود أن هذا الحديث العظيم مع كونه عبارة عن جملتين، يعني اجتمع على معاني عظيمة وعلى طريقة سديدة توفق أو تعين المسلم في سيره إلى الله جل وعلا، إن أراد أن يصل إلى المطلوب بتحقيق هذين الأمرين: الإيمان بالله والاستقامة على ذلك. وأن المستقيم وإن حصل له شيء من الخلل وشيء من النقص فإنه يصلح بالتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، سددوا وقاربوا»، هذا أيضا مما يحتاج له المسلم في استقامته، أنه يسدد ويقارب، وكما سمعنا إن حصل شيء من الخلل أصلحه ورجع وتاب وأناب إلى الله جل وعلا فيستمر على هذا الحال. الله عز وجل لما وصف عباده المتقين من أهل الجنة قال في صفاتهم: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾، أخبر عن هؤلاء أنهم من أهل الجنة، إذن أهل الجنة ليسوا بمعصومين من الوقوع في الخطأ والزلل والذنب، وهؤلاء هم أهل الاستقامة، هم أهل التقوى، قد يحصل منهم الخطأ ويحصل منهم الزلل، لكن لا يصرون على فعل الذنب، بل يبادرون بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فهم على هذا الحال كلما أذنبوا رجعوا فتابوا، وكلما أخطأوا استغفروا وأنابوا إلى الله جل وعلا، والله جل وعلا يغفر لهم ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم، فلا يزالون كذلك يعني بين عبادة وطاعة وإحسان للعمل وتوبة ورجوع إلى الله حتى يبلغوا المقصود. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.