الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 333

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 333

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 333، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث ذي اللحية الكلابي ومفهوم القدر

يشرح المقطع حديثًا نبويًا يشير إلى أن كل شيء قد قدره الله، ويجب على الإنسان العمل لأن كل ميسر لما خلق له. يُفسر الحديث في سياق الإيمان بالقضاء والقدر.

الإيمان بالقضاء والقدر وأهميته في الإسلام

الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ويجب فهم مراتب القدر الأربع ومشيئة العبد ومسألة الجبر والتفويض. يُبرز أهمية الإيمان بما قدره الله.

التفريق بين الإرادتين الشرعية والكونية

يُفصل المقطع بين الإرادة الشرعية التي تتعلق بما يحبه الله وشرعه، والإرادة الكونية التي تتعلق بما قدره الله. يُوضح ذلك من خلال أمثلة على إيمان وكفر مختلف الأشخاص.

تأكيد الفرق بين الإرادتين الشرعية والكونية

يؤكد أن الإرادة الشرعية تعني المحبة، بينما الإرادة الكونية تعني المشيئة، مما يساعد في فهم مشيئة الله تعالى بشكل أوضح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوائلي -رحمه الله- مسندًا للحية -رضي الله عنه- قال الإمام أحمد: وذو اللحية وذو الكلابي وسكن العراق البصرة. قال الإمام أحمد -رحمه الله-: حدثنا يحيى بن معين. الظهر في خطة هنا ليس الإمام أحمد، وإنما هو من زوائد المسند. زوائد المسند معنى الذي قال: حدثنا هو عبد الله بن أحمد، قد يكون خطأ من الناس، هذا الله أعلم، أو لم ينتبه الشيخ، فهو من زوائد المسند. وذكرنا قبل كيف تعرف أن هذا الحديث من زوائد المسند. المسند فيه زوائد، معنى مسند الإمام أحمد ليس كله أحاديث الإمام أحمد، منها ما هي أحاديث ابنه عبد الله، وكذلك بعض الزيادات القطيعي الذي روى عن عبد الله بن أحمد، لكن زيادات القطيعي قليلة جدًا، وأما زيادات عبد الله بن أحمد فهي كثيرة. كيف تعرفه؟ إذا لم يقل: حدثني أبي، وذكر رجلًا آخر أنا غير أبي، لم يقل: حدثني أبي، معنى أن هذا من الزوائد التي زادها عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وهذا الحديث منها، هذا الحديث من زوائد عبد الله بن أحمد. قال: حدثنا يحيى بن معين، وإذا كان الإمام أحمد غالبًا ما يرغب عن يحيى فإنه زميل غالبًا، لكن هذا الذي قال: حدثنا يحيى بن معين هو عبد الله بن أحمد. قال: حدثنا يحيى بن معين، وهو أبو زكريا الإمام البغدادي، إمام من أئمة أهل بغداد، بل من أئمة الإسلام، وكان يحفظ كثيرًا ويكتب كثيرًا، حتى قال بعض أهل العلم: لم يكتب أحد مثل ما كتب يحيى بن معين، أو قالوا: ما نعرف أحدًا جاءت هذه الكلمة عن الإمام أحمد: لم نعرف أحدًا كتب مثل ما كتب يحيى بن معين -رحمه الله-. أبو زكريا هو غطفان مري، يحيى بن معين يروي بلا غطفان، وهو مري. قال: حدثنا أبو عبيدة -يعني الحداد- عبد الواحد بن واصل الحداد، نزيل بغداد، هو بصري أصله بصري خراسان، لكن نزل في بغداد. معنى أصله خراسان، وطلب العلم في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد وحدث بها. قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، وهو القسملي البصري، قال: عن يزيد بن أبي منصور، ويزيد منصور أصله مصري وسكن البصرة، قال: عن ذي اللحية الكلابي -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله، أنعمل في أمر مستأنف أو أمر قد فرغ منه؟ قال: لا، بل في أمر قد فرغ منه. قال: ففيم نعمل إذن؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. قال: هذا حديث حسن، وأبو عبيدة هو عبد الواحد بن واصل، وإنما قال: حديث حسن، لأن أبا عبيدة ليس بحافظ، فهو ليس من الحفاظ، وإنما من المشايخ، وله كتاب صحيح طيب. هذا الحديث قول ذي اللحية، قول ذي اللحية الكلابي: يا رسول الله، أنعمل في أمر مستأنف؟ أمر مستأنف أي: لا يعلم إلا بعد وقوعه، مستأنف معنى: لا يعلمه أحد إلا بعد وقوعه، أو أمر قد فرغ منه؟ معنى: أنه قد علم وقد كتب هذا الأمر، يعني: أننا نعمل هذه الأعمال في الدنيا، هل هي مستأنفة ما نعلمها إلا إذا عملناها؟ أم أنها قد كتبت من قبل قد فرغ منها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا، بل في أمر قد فرغ منه، وهذا معنى أنه أمر مكتوب ومعلوم لدى رب العالمين -سبحانه وتعالى- قد كتبه الله -جل وعلا- على العباد. فقالوا: وهذا السؤال يتكرر كثيرًا عند الصحابة، يقولون: ففيم نعمل إذا كان الأمر قد علم مآله؟ قد علم مآله، فلماذا نحن نعمل؟ أراضي، كل القدر مكتوب عليه، إن كان من أهل الشر سيكون من أهل الشر، إن كان من أهل الخير سيكون من أهل الخير. فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. أن الله -عز وجل- علم ما العباد فاعلون، فقدر لهم ما قد علم منهم -سبحانه وتعالى-، وهذا هو سر القدر. ولهذا لما خرج بعض الناس الذين لم يفهموا هذا الأمر في البصرة -كما هو معروف في أول حديث مسلم- لما جاء يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري، خرجوا من البصرة يريدون المدينة إلى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: فتلقاهم عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، فقلنا له: يا أبي عبد الرحمن، قد ظهر عندنا ناس بالبصرة يتكفرون، أن يأخذوا من هذا العلم، ويقولون: إن هذا الأمر أنف مستأنف، وليس قد فرغ منه، إن الأمر أنف معنا، أن هذا الأمر ليس مكتوبًا، وإنما ما يعلم إلا بعد وقوعه، ولا يعلمه الله إلا إذا وقع، إن الأمر أنف. فقال عبد الله بن عمر: والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدهم حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، بل أن الله -عز وجل- أراده، لأن كل شيء قد كتب، وكل شيء خلقناه بقدر. أخطأه، فكل شيء من هذه المصائب، وما أصابه مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير. فكل مصيبة، كل شيء قد كتبه الله -عز وجل- قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يخرجه الإمام مسلم. فلهذا فإن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، بل أن الله -عز وجل- أراده، سواء كان مرضًا أو شيء من الخير نعمة وغيره. وما لم يصبه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لم يكن ليصيبه. أنا لا يعتقد مثلًا أن القدر أخطأ بعض الناس، مثلًا إذا رأى أن العبد مريض سنين وهو مريض، يأتي الموت لابنه الذي يموت هو ابنه، والعبد باق في الحياة، فهل هذا قدر أخطأ؟ لا، لا يجوز أن يعتقد الإنسان مثل هذا الشيء، بل أن الله -عز وجل- أصاب ذاك وأخطأ هذا بإرادة -سبحانه وتعالى- وبما قدره -جل وعلا-، هذا كله بقدر، هذا كله بقدر. فلهذا من أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر، أن ما قدره الله -عز وجل- كان. وكما ذكرنا قبل أن هناك ثلاثة مسائل في القدر يجب أن تفهم، ثلاثة مسائل في القدر يجب أن تفهم. أولًا: مراتب القدر الأربع: العلم والكتابة والخلق والمشيئة. والمسألة الثانية: مسألة مشيئة العبد، مشيئة العبد، لأن هذه أيضًا مما اختلف فيه في القدر، هل العبد له مشيئة أو ليس له مشيئة؟ وأهل السنة والجماعة قالوا: إن العبد له مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله -عز وجل- النافذة في كل شيء، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، لكن قال قبل ذلك: لمن شاء منكم أن يستقيم. فجعل الله -عز وجل- وخلق الله -عز وجل- للعبد مشيئة يفعل بها الفعل، لكن تحقيق هذا الفعل الذي أراده هذا بقدر الله، فلا يكون شيئًا إلا بمشيئته -سبحانه وتعالى-: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا الذي نفاه القدرية، فجعلوا أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ولا دخل لله، أو لا، المعتزلة. والأمر الثالث: وضدهم الجبرية الذين قالوا: بأن العبد لا دخل له، ولا مشيئة، ليست له مشيئة أبدًا، وإنما هو كالريش في مهب الريح، وأن كل شيء مجبور عليه. وهؤلاء الجبرية وهذا قول أهل الشرك الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونهم شيئًا، هؤلاء هم الذين احتجوا بالقدر، لكن الله -عز وجل- قد جعل العبد مشيئة يفعل بها الفعل، يذهب إلى المسجد، يزور أرحامه، يطيع والديه، يفعل ويفعل، هذه كل الأفعال يستطيعها قبل الفعل، لكن وقوع الفعل قد يقع وقد لا يقع، لأنه بمشيئة الله -جل وعلا-، فهو ليس بمشيئته. إنسان يريد أن يخرج للمسجد، لكن هل سيصل للمسجد؟ الله أعلم، هذا عند الله، قد يصل للمسجد، قد لا يصل، قد يصرف أيضًا عن المسجد، وهكذا أيضًا في المعصية، أيضًا في المعصية، الإنسان مثلًا يستطيع أن يمشي إلى المعصية بنفسه، لكن وقوع هذه المعصية منه هل تقع أو لا تقع؟ فهذا بأمر الله -عز وجل- ومشيئته، فقد يصرف عنها، يتذكر ويتوب ويرجع، قد يصاب بشيء قبل أن يصل إلى ذلك المكان، قد تتعب عليه الأمور، وهكذا من هذه الأمور كلها بيد الله -جل وعلا- ومشيئته. فلهذا كان هذا السؤال: وهو ففيم نعمل إذن؟ وهذا قد جاء عن جماعة من الصحابة، معنى أنهم سألوا النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا السؤال، منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء عند أحمد وغيره، وكذلك جاء عن علي وعن عمران بن حسين، وجاء في الصحيحين عن أنس وعن علي في صحيح مسلم، أحاديث كثيرة بهذا الأمر، يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا السؤال. وجاء في حديث علي، وكذلك في حديث أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، فأما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة، ثم قرأ قول الله -جل وعلا-: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فدل هذا أن الإنسان يتبع الأسباب، أن الإنسان عنده أسباب يسلكها، فإن كان سلك أسباب الخير وفقه الله -عز وجل- للخير. فلهذا لا مكان لمن يقول: الله لم يهدني بعد، وهو لا يتسبب في هدايته، أنا عنده أبواب الهداية كثيرة يسلكها، وهو يستطيع أن يسلكها، لكن الشيطان يغشغش عليه، وأيضًا كذلك يعشعش، وكما قال الله -عز وجل-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. قال: وكل ميسر لما خلق له، أهل السعادة ييسرون للسعادة، لكن كما قلنا: من سلك الأسباب فتحت له هذه الأبواب بإذن الله -جل وعلا-. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والمسألة الثالثة التي في القدر، وهي من المسائل المهمة: التفريق بين الإرادتين، التفريق بين الإرادتين. وكما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: ما ضل من ضل من الفرق إلا بعدم تفريقهم بين الإرادتين، الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. تجد آيات تذكر فيها الإرادة في القرآن، لكن هناك إرادة شرعية وهي ما يحبه الله -عز وجل- وشرعه في دينه، وإرادة كونية وهي ما قدره الله -عز وجل- في هذا الكون، وهي المشيئة، ما شاءه الله -عز وجل-. فلهذا ذكر الأئمة المتعلقات حتى تفهم هذه الإرادتين، يذكرون المتعلقات، معناها مثلًا يقولون: إيمان الصديق، إيمان الصديق هل هو إرادة شرعية أو إرادة قدرية؟ إيمان الصديق إرادة شرعية، لأن الله -عز وجل- أراد الإيمان منه، وإرادة قدرية لأنه وقع، أي شيء يقع فهو إرادة كونية قدرية. إيمان فرعون، إيمان فرعون إرادة شرعية، الله -عز وجل- أرسل إليه موسى وهارون، أراد منه أن يؤمن بالله وأن يسلم، لكن لم يقع ذلك منه، فإيمانه إرادة شرعية لا كونية. إيمانه إرادة شرعية لا كونية. أيضًا كذلك كفر فرعون إرادة كونية لا شرعية، لأن الله -عز وجل- لا يرضى لعباده الكفر، لا يرضى لعباده الكفر. وكفر الصديق، معنى كفر الصديق ليس إرادة شرعية ولا كونية، أي: الله -عز وجل- لم يرد مثلًا من الصديق، من غيره من الناس، أنه يكفر به -سبحانه وتعالى-، بل أراد منهم الإيمان. والله يريد أن يتوب حتى على العصاة، قال الله -عز وجل-: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. وأيضًا من ناحية هل وقع؟ لا، لم يقع، فهو ليس إرادة كونية. كفر الصديق ليس إرادة شرعية ولا قدرية. فبهذه المتعلقات يعرف الإنسان الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، فالإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة. والله تعالى أعلم.