الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 331

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 331

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 331، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قدوم دكين بن سعيد الخثعمي وطلب الطعام للنبي

جاء دكين بن سعيد الخثعمي مع أربعمائة وأربعين رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه الطعام، فاستجاب النبي للطلب رغم ضيق ذات اليد. يظهر هذا الموقف كرم النبي وأصحابه مع الوفود والزائرين.

بركة دعاء النبي في إطعام الوفد

أمر النبي عمر بن الخطاب بإعطاء الطعام لدكين ورفاقه رغم قلة التمر، فكانت البركة في دعاء النبي حيث لم ينقص التمر رغم إطعام الجميع. يظهر هذا بركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام.

كرم النبي وأصحابه وتوجيهاتهم بشأن الإطعام

كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يكرمون الوفود والزائرين ويوزعون الطعام عليهم رغم قلته، كما نهى النبي عن ادخار اللحم أكثر من ثلاث أيام ثم رخص في ذلك لاحقًا. يشير هذا إلى فضل الإطعام وكرم الطعام بين الناس.

فضل الإطعام وآدابه في الإسلام

حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإطعام وأمر من لديه طعام يكفي لشخصين أو أكثر أن يأخذ معه آخرين، مشيرا إلى فضل الإطعام وكرم الطعام بين الناس. يعتبر هذا الفعل من الأخلاق الحميدة التي حث عليها الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله: شيخنا مقبل، مسند دكين بن سعيد رضي الله عنه. دكين، وسماه بعضهم ضرار بن سعيد، لكن الصحيح أنه دكين بن سعيد الخثعمي المازني. الخثعم من قبيلة خثعم، مشهورة من قبائل العرب، وهو قد سكن الكوفة من الصحابة الذين سكنوا الكوفة. قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا وكيع بن الجراح الرؤاسي، أبو سفيان، حافظ من حفاظ الحديث، قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، أيضا من حفاظ الكوفة، عن قيس، وهو ابن أبي حازم. وقيس يعتبر مخضرمًا، كما قد ذكرنا من قبل. قيس بن أبي حازم قد حضر الجاهلية وحضر زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يره، وجاء إلى المدينة وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكن بعد ذلك الكوفة، وأخذ الحديث عن أكثر الصحابة وأكثر العشرة المبشرين. أخذ عن أبي بكر وعمر، وأيضا أخذ عن سعد وعن أبي عبيدة، وعن سعيد بن زيد، وأيضا عن الزبير وطلحة، فهو أخذ عن العشرة جميعا. ولهذا فهو من عداد كبار التابعين، وهو أيضا مخضرم. قال عن دكين بن سعيد الخثعمي: قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: قم فأعطهم. قال: أنا جاء عام الوفود، وهم لم يأتوا لأجل الطعام، وإنما جاءوا لأجل أن يسلموا، لكن أصابهم الجوع لكثرتهم. كانوا أربعمائة وأربعين رجلا، فلهذا أصابهم الجوع في الطريق، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم الطعام. قال: فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: قم فأعطهم، فقال: يا رسول الله، ما عندي إلا ما يقيضني والصبية. وقال وكيع: القيض في كلام العرب أربعة أشهر. ما يقيضني أي ما يكفيني أربعة أشهر، أي من التمر. ليس عندهم أطعمة مختلفة، وإنما تمر يخزنون التمر لفترة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قم فأعطهم. قال عمر: يا رسول الله، سمعا وطاعة. قال: فقال: معنا عددهم كبير، والقوت الذي مع عمر في الأصل أنه ما يكفيه. ما يكفيه جعله عمر لنفسه وأهله لمدة هذه الأشهر الأربعة. فقال عمر: سمعا وطاعة يا رسول الله. قال: فقام عمر وقمنا معه، فصعد بنا إلى غرفة له. جاء في رواية أنها علية، كأنها جعلها فوق لأجل أن يخبئ فيها الطعام. وغالبا كان في ذلك الزمان يجعلون الطعام في الغرف المشرفة التي تكون فوق البيت أو فوق شجرة أو فوق شيء عال حتى لا تأتي السباع وتأكل طعامه. قال: فأخرج المفتاح من حجزته، وهذا يدل على أن المفتاح ليس شيئا كبيرا. أنا مفتاح معه في حجزته، أنا في إزاره. قال: ففتح الباب. قال دكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض. الرابض هو الجالس، معنى ربض: أنا جالس. الفصيل الجالس، الفصيل هو ابن الناقة صغير. معنى هذا: التمر كله مثل هذا الفصيل إذا كان جالسا، معنى: شيء يسير. فقال: شأنكم. قال عمر لهؤلاء الوافدين: شأنكم، أي: كل الذي تريدونه. قال: فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء. أنا كل واحد أخذ من هذا التمر. قال: ثم التفت، وإني لمن آخرهم. أنا بعدما أخذ، كان يقول دكين: أنا كنت آخرهم، فأخذت التمر. ثم التفت إلى هذا التمر، قال: وكأننا لم نرزأ منه تمرة. نرزأ: معنا نأخذ. يقول: كأننا لم نأخذ شيئا. أنا كل هؤلاء الأربعمائة والأربعين رجلا أخذوا من هذا التمر، والتمر لم ينقص. أن هذه بركة، بركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام. فلم ينقص من تمر عمر رضي الله عنه شيئا. قال: حدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا إسماعيل. وروى هذا الحديث الإمام أحمد عن وكيع، وعن يعلى بن عبيد، وعن محمد أيضا أخيه، محمد بن عبيد، كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثنا إسماعيل عن قيس عن دكين بن سعيد المزني، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين راكبا وأربع مئة. أنا أربع مئة وأربعين راكبا، أنا كلهم معهم نوق. قال: نسأله الطعام، فقال لعمر: اذهب فأعطهم. قال: يا رسول الله، ما بقي إلا آصع من تمر. ما أرى أن يقيضني. قال: يا رسول الله، ما بقي إلا آصع من تمر، ما أرى أن يكفيني هذه الأشهر. قال: اذهب فأعطهم. قال: سمعا وطاعة. قال: فأخرج عمر المفتاح من حجزته، ففتح الباب، فإذا شبه الفصيل الرابط من تمره. فقال: لتأخذوا. فأخذ كل رجل منا ما أحب. قال: ثم التفت، وكنت من آخر القوم. قال: وكأننا لم نرزع تمرة. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال: وخرجه الحميدي، فقال رحمه الله في المسند: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا ابن أبي خالد به. فهذا الحديث حديث صحيح، وفيه ما كان من بركة الطعام للنبي عليه الصلاة والسلام لمن أطاعه، مثل ما فعل أيضا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أضيافه. فعمر رضي الله عنه، مع أنه ليس معه إلا هذا التمر، إلا أنه لم يجد بدا من السمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومعلوم أن الوفادة التي جاءت، التي كانت في السنة التاسعة للهجرة، لما جاءوا إلى المدينة كانوا كثيرا، حتى أصاب الناس مثل المجاعة. مع أن في السنة التاسعة قد فتح خيبر، وكانت تمر كثيرا مع الناس. وأيضا قد غزا النبي صلى الله عليه وسلم بعض أماكن الروم في موته، وقد فتح مكة. إلا أن كثرة الوافدين صار الناس يعطونهم مما معهم. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من كان معه طعام اثنين فليأخذ ثالثا، ومن كان معه طعام ثلاثة فليأخذ رابعا. فكانوا يأخذون الصحابة رضي الله عنهم من يأتي من الوفود ومن يأتي من الزائرين. فلهذا حصل مثل المجاعة، كما جاعت عائشة، دفت دافة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت فلما ذبح الناس الأضاحي، قال النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل الرجل اللحم فوق ثلاث. لأن دفت دافة، معنى: كثرة الناس في ذلك العام، خاصة في السنة التاسعة. فوافقوا عيد الأضحى، فذبح الناس أضحياتهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يدخل أحدكم لحمه فوق ثلاث. معنى: إذا أراد أن يدخله، يدخله ثلاثة أيام فقط، وما بعد ذلك فإنه يوزعه للناس، يتصدق به. ثم بعد ذلك رخص النبي عليه الصلاة والسلام في الادخار. ما بدأ للإنسان أن يدخل، فلهذا كما قلنا: لكثرة الناس الذين جاءوا، والوفود الذين جاءوا، فحتى أصبحت المدينة فيها مثل المجاعة، مثل قل الطعام لكثرة الناس. وأيضا مع مواساة الناس، مواساة المهاجرين والأنصار للناس الذين يأتون، إلا أنه قل طعامهم لكثرة من جاء في تلك السنة. وفي هذا الحديث أيضا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الإكرام العظيم، فهو يعطي الوافدين وإن لم يكن معه شيء، فيعطيهم ويوصي أصحابه رضي الله عنهم بإعطائهم، كما تقدم معنا. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: من عنده فضل زاد فليعط من لا زاد له. من عنده فضل زاد يعني فضل طعام، فليعط من لا زاد له. فكان يقول: من كان معه طعام اثنين فليأخذ ثالث، ومن كان معه طعام ثلاثة فليأخذ رابعا، وهكذا. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر بهذا الحديث. الله تعالى أعلم.