الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش مفهوم الإخلاص في الإسلام ويستنكر التفريق بين الناس في الإخلاص كما يفعل بعض الصوفية. يُؤكد على أهمية الإخلاص لله تعالى.
يُشدد على أهمية الصدق مع الله في أقوال المؤمن وأفعاله واعتقاداته. الصدق يدعم الإخلاص ويُعد من الأمور المهمة لطالب العلم.
الصدق هو مطابقة الواقع في القول والعمل، وهو عبادة عظيمة تؤدي إلى البر والجنة. الصديق هو من كمل الإخلاص والمتابعة.
يتناول كلاما باطلا نسب إلى شخص ما، وهو تفضيل رياء العارفين على إخلاص المريدين عند الله عز وجل. هذا القول يعتبر غير صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ، قال الإمام النووي رحمه الله: وعن عثمان -وهو الحيري، عثمان الحيري الصوفي- قال: إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه حظ، وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم، فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداد. هذا الكلام غير صحيح عن التفريق بين الناس في الإخلاص، هذا ليس بصحيح، وليس الذي جاءت به الشريعة. الذي جاءت به الشريعة عدم التفريق بين الناس في الإخلاص، وفي غيرهم طاعات. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره». أنا لا فرق بين العارفين وغيرهم. وكذلك قال رويم -كما ذكر الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس عن رويم الذي تقدم ذكر بعض كلماته، رويم بن أحمد البغدادي، مشهور بالصوفي- يقول: إن رياء العارفين خير من إخلاص المريدين. رياء العارفين خير من إخلاص المريدين، وهذا أيضا كلام باطل. فليس في الشرع تفريق بين إخلاص الناس، هذا إخلاص وكذا، وهذا إخلاص وكذا، بل إذا أخلص لله عز وجل الرجل، فهذا يدل على قبول عبادة الله عز وجل في إخلاصه لله، فيكون مثل العالم والعارف كما يقولون. بل قد يكون أحيانا إخلاص العامي قد يكون في بعض الأشياء أفضل من غيره ممن هو متعلم، لأن الإخلاص هو أن تكون الطاعة أو تكون لوجه الله عز وجل. وهنا ذكر مسألة الفناء، ولا داعي لذكرها لأنها من شطحات أهل التصوف. قال: وأما الصدق، فقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. أنا ذكر المؤلف الإخلاص أولا، وهو الذي ينبغي أن يتسلح به طالب العلم. ولو أن المؤلف رحمه الله ذكر نصوص العلماء السلف، فكان أفضل من ذكر نصوص أهل التصوف، لأن هؤلاء في كلامهم فيه حق وباطل. وأما كلام السلف من الصحابة والتابعين، فغالبه حق. وقد ذكر المؤلف بعضه، لكن ثم أتبعه بذكر هؤلاء أو بذكر كلام هؤلاء أهل التصوف، أخذه من الرسالة القشيرية. وتجد أن الإمام ابن القيم رحمه الله حذف أشياء كثيرة من هذا الكلام لم يأت بها في كلام مدارج السالكين. قال: أما الصدق، فإن دخل في الصدق أيضا من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم بها الصدق مع الله، يصدق مع الله عز وجل في أقواله وفي أفعاله وفي اعتقاداته. فالصدق ما أعطي أحدا مثل الإخلاص والصدق، فالصدق هو مدعم للإخلاص، فالصدق يكون داعما للإخلاص. فقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. الصادقون في أفعالهم وفي أقوالهم. قالوا: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، وهذه الآية نزلت بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا، لما ذكر صدقهم وإخلاصهم، وأنهم رجعوا إلى الله، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، قد ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وضاقت بهم أنفسهم حتى ظنوا -وهذا لصدقهم- أنه لا ملجأ من الله إلا إليه. جاءتهم الفتن، وجاءتهم العروضات. أنا كعب بن مالك، أرسل إليه ملك غسان -المقوقس أرسل إلى كعب بن مالك رسالة- وقال: أنت لست في دار هوان، أت إلينا فنكرمك وكذا وكذا. فقام كعب بن مالك رضي الله عنه لإخلاص وصدقه، فقال: فناولت هذه النار، حرق هذه الرسالة. قال: وقلت: هذا من البلاء. وصبر رضي الله عنه وصاحبه خمسين يوما، ولا أحد يكلمه إلا الرجل والرجلين، حتى أنزل الله عز وجل قرآن يتلى إلى يوم القيامة في صدقهم، في صدقهم، وأنهم صدقوا مع الله. أما الآخرون فقد كذبوا. فقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. وكما قال العلماء: إن الصدق يكون باللسان، ويكون بالجوارح، ويكون بالقلب. فلهذا فالصدق بالقلب يعود الإخلاص، من صدق بقلبه، أنا صادق في طريقته، صادق في سلوكه، فإن هذا الصدق يعوده الإخلاص، يعوده الإخلاص. وأما القول: أنا الصدق بالقول يعود لمطابقة الواقع، أنا صادق في حديث الناس، يحبه الناس لصدق كلامه، لصدقي كلامه. أما الكاذب والذي يكذب على الناس دائما في حديثهم، فهذا مبغوض عند الله وعند الناس. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». أنا يحاول جهد نفسه أنه يصدق، لا يكذب لا في كلامه ولا في أفعاله، ولا أيضا في عبادته لربه جل وعلا، فهذا يكتب عند الله صديقا. ولهذا قال الإمام ابن القيم: إن الصديق هو الذي كمل الإخلاص وكمل المتابعة، عنده صدق وإخلاص، ليس بالعمل، ليس بكثرة العمل. ولهذا يقول العبد الصالح والتابع الجليل بكر بن عبد الله المزني: «ما سبق أبا بكر الصحابة بعمل، إنما سبقهم بالأعمال، ولكن شيئا وقر في قلبه، وهو الصدق والإخلاص». فكمال الصدق أو كمال الإخلاص وكمال المتابعة هو الصديقية، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. فلهذا فالصدق من العبادات العظيمة، وسيذكر المؤلف بعض كلام أهل التصوف في ذلك. وكما قلنا: إن المؤلف ذكر هذا، ولو ذكر كلام السلف من الصحابة والتابعين -وهو كثير- لكان أفضل وأولى. لكن كان ظاهر في وقته، في زمنه في سوريا، الناس يحبون أهل التصوف ويحبون هؤلاء. وقد انتشر في وقته التصوف الذي غيره ابن عربي وغيره، أنا كان في سوريا أتباع الحلاج وأتباع ابن عربي. فكان لعل الإمام النووي لهذا يأتي بأقوال هؤلاء لأئمة أئمة التصوف، أنهم مختلفون عن هؤلاء، معنى مختلفون عن هؤلاء، لكن في كلماتهم شيء مما لا ينبغي أن يذكر في التعمق في المعاني التي قد تخرجهم عن الطريقة الصحيحة، تخرجهم عن الطريقة الصحيحة. كما تقدم معنا في كلام رويم بن أحمد الصوفي، قال: الإخلاص لا يريد على عمل عوضا من الدارين. وكذلك كلمته التي ذكرناها: أنه قال إن رياء العارفين أفضل عند الله عز وجل من إخلاص المريدين، وهذا كلام باطل.