الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مفهوم فرض الكفاية في تعلم العلوم الشرعية والدنيوية، بينما يؤكد المقطع الثاني على أهمية العلم الشرعي في حياة المسلمين. العلم الشرعي يعتبر أساساً لخروج الأمة من الظلمات إلى النور.
المقطع الثالث يبين أهمية العلم ومجاهدة النفس لطلبه، ويشرح مفهوم فرض الكفاية وأنه يسقط عن الأفراد إذا قام به من يحقق الكفاية. هذا يدل على أن العلم يحتاج إلى جهد عظيم.
المقطع الرابع يناقش مسألة التعذر في عدم التمكن من العمل الصالح، ويبرر عدم التمكن بسبب عدم الأهلية أو وجود البديل. هذا الرأي يعتبر أن من لم يتمكن من العمل الصالح يكون معذورا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم، أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: مقدمة في تعلم العلم، وفرض الكفاية هو تحصيل ما لا بد للناس في إقامة دينهم من العلوم الشرعية، كحفظ القرآن وحديث وعلومهما. ثم قال: وذكر أيضا استحباب تعلم العلماء في العلوم الدنيوية التي لها نفع، كالطب والحساب، وذكر عن بعضهم أن العلم فرض كفاية. وذكرنا في ذلك أدلتهم. قال: وذكر هنا الإمام الحسن علي بن محمد بن حبش الطبري، المعروف بابن معلين، ومن المالكية صاحب إمام الحرمين، أنه فرض كفاية، وهذا أظهر. قال أصحابنا الشافعية: وفرض الكفاية المراد به تقصير ذلك الشيء من المكلفين به أو بعضهم، بحيث يتعلمه بعض أهل الإسلام لأجل أن يكفوا المسلمين هذا الباب. وليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب في هذا الباب، بل معناه أن من المسلمين من يقوم به. فلو لم يحق عليه لكان هناك من الناس من يقوم به. لكن يأتي إنسان، أو مثلا في مقام شيخه، فيطلب منه طلبة العلم الشرعي أن يتعلموا هذا، فهذا خطأ. فهم أولى بالعلم الشرعي، الذي أحيانا بعضه واجب عين على بعضهم. فلهذا فمثل هذا الباب مما لا يغنى فيه ولا أيضا يتساهل فيه كثيرا. لكن الأصل الآن الواقع أن الناس أو أن المسلمين أكثروا فيه. لعله قد سد، وليس معنى ذلك أنه محرم مثلا، يحذر منه أولا، ليس كذلك. لكن هذا الواقع الآن، خاصة في مجال الطب والهندسة. وإذا كانت الدراسة في غير بلاد المسلمين، فغالب من يذهب هناك يذهب شيء من دينه، بل بعضهم يذهب دينه كله، ويأتي مرتدا. فما الحيلة أننا نرسل أولادنا إلى مثل هذه الأماكن فيرتدون عن دين الله؟ أو يأتي الرجل شهوانيا، مثل من يكون في ذلك المكان، معنى ما ينتفع به فهمه، هم شهوته فقط. فهذا كثير من من يتعلم في تلك البلاد يأتي على هذه النوعية، فهذا فيه فساد. لكن من قيضه الله عز وجل لمثل هذا العمل، وكتب له الهداية، فهذا يكفر في هذا المكان. ونحث الناس على العلم الشرعي. ولهذا لما قال بعض الأساتذة للشيخ الألباني رحمه الله: إنكم تقولون نريد الطبيب المسلم والمهندس المسلم، معنى الشيخ أنكر هذا. قال: نحن ما نقول هذا عندنا أطباء من أهل الإسلام، وعندنا مهندسون من أهل الإسلام. لكن هذه العبارة تقال في بلاد الكفار، أما في بلاد المسلمين، نحن نريد الطبيب المسلم والمهندس المسلم، فهؤلاء المسلمون أصلا. قال الشيخ الألباني رحمه الله: نحن سواء نتكلم أو لم نتكلم، فهذا الباب قد كفانا غيرنا، تهافت الناس إليه. لكن أحوج الناس الآن إلى العلم الشرعي، الأمة أحوج إلى العلم الشرعي الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور. فهم أحوج إلى طلبة العلم، أحوج إلى العلماء، أحوج من أي شيء كان. كما قال الإمام أحمد رحمه الله: إن الناس أحوج إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب. والطعام والشراب يحتاجونه في اليوم مرتين أو ثلاثا، أما العلم فهو بعدد أنفاسهم. فالمسلم يحتاج إلى العلم الشرعي أكثر بكثير من غيره. فلهذا فكما قلنا: إن الأولى أن يحذر الناس على العلم الشرعي، وعلى طلب العلم. فقد يقول قائل الآن: المراكز مهيأة لطلبة العلم، لكن تجد أن كثيرا من هؤلاء الذين يكونوا في المراكز غالبا ما يكونون لغير طلب العلم. لكن ينبغي لطلبة المراكز أن يجتهدوا في العلم، لأن هذا العلم -علم الكتاب والسنة- علم قد يكون فيه شيء من المشقة. وأيضا يزداد على ذلك أن الشيطان يريد أن يصرف العبد عن خير. فلهذا يجد صعوبة في طلب العلم. يأتي الشيطان يقول له: إلى متى ستجلس هنا؟ أنت ما تعرف شيء، أو أنت ما فهمت شيء. فتجد هذا الشيطان يأتي حتى إلى مقبل بن هادي، وهو عالم كبير، كان يقول: كنت لما أدرس في الحرم، يأتي الشيطان يقول: يا مقبل، أنت على الكلام الذي يخاطب نفسك، وهذا من الشيطان. قال: فأجتهد أكثر، ستزداد أنا أخذت الشيطان، وأجتهد أكثر حتى جعلته طابعا ذليل بهذا المنهج من العلم، وصار من علماء الكبار. فيحتاج إلى مجاهدة، علم الكتاب والسنة يحتاج إلى جهد عظيم ومجاهدة كبيرة. وأيضا الإنسان إذا أعطى العلم وقته، أدخر له ذلك. لا ينبغي أن يعطيه فقط ما يكون فيه فرصة له، أو يعطيه مثلا الفراغ. كما يقول: هذا العلم يحتاج إلى أكثر الوقت حتى يتمكن فيه ويستفيد أكثر. كما كان يكون الزهري رحمه الله. هذا العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، ولو أعطيته بعضك فما سيعطيك إلا شيئا يسيرا. وهذا العلم كما قال الإمام في مقدمة كتابه: خير ما تنافس فيه المتنافسون، وخير ما انتفع أو ما صرفت فيه نفائس الأوقات. فهذا العلم يحتاج إلى جهة عظيم ومكابرة حتى يظهره الله عز وجل وينتشر. فإذا انتشر العلم عند الناس، انتشر طلبة العلم، انتشر الخير في الناس، وجاء الله عز وجل بالخير. فذكر كما قلنا الإمام النووي عن الحسن بن محمد الطبري، ومن المالكية أنه قال: هي فرض كفاية. وهذا قول أظهر. قال أصحابنا الشافعية: وفرض الكفاية مراد به تقصير ذلك الشيء من المكلفين به أو بعضهم، ويعم وجوبه جميع المكلفين به. فإذا قام به من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين. وهذا تعريف فرض الكفاية. وإذا قام به جمع تحصل الكفاية، سقط عنهم الوجوب. قال: فكلهم سواء في حكم قيام الحرج في الثواب وغيره. فإذا صلى على جنازة جمع، ثم جمع، ثم جمع، فالكل يقع فرض الكفاية. ولو أطبقوا كلهم على تركه أثم كل من لا عذر له، ممن علم ذلك وإمكانه القيام به. لأنه ليس كلهم الذين يدرون مثلا الآن شيئا من الصناعة أو كذا يحتاجه المسلمون. فيكون فرض كفاية عليهم، لكن على من يعرف هذه الصناعة. أما من لا يعرفها فهو معذور. قالوا: لم يعلم هو قريب منه العلم بحيث ينسب إلى التقصير، حانا إذا كان العلم قريبا ويستطيع أن يتعلم ولم يتعلم، فينسب أولئك إلى أنه قصر. قالوا: لا يهم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو لعدم حاجة. إذا كان غير أهل لمثل هذا الأمر، أو عنده جد مثل غيره، فهذا يكون معذورا ولا يهم عليه. هذا ما ذكره هنا.