الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نهى الله المؤمنين عن قول "راعنا" لما فيه من مشابهة اليهود في الاستهزاء، وأمرهم باستخدام "انظرنا" بدلا منها. هذا النهي يشير إلى أهمية اجتناب مشابهة الكفار في الألفاظ والمعاني السيئة.
المسلمون منهيون عن التفرق والاختلاف، ومأمورون بالوحدة والتمسك بالدين، لأن مشابهتهم لليهود في قولهم وتفرقهم يعتبر اتباعا للكفار. الآيات القرآنية تؤكد على هذا المعنى وتدعو إلى الاتباع الصحيح للدين.
التشبه بغير المسلمين يؤدي إلى التأثر بصفاتهم وسلوكياتهم، ويعد مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يجب على المسلم التبرؤ من أمورهم والابتعاد عنها حفاظا على دينه واتباع سنة نبيه.
تم الإعلان عن نية استكمال الدرس في وقت لاحق مع توجيه الشكر للمشاهدين، مما يدل على الاستمرارية في تقديم المادة التعليمية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قالوا ما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم﴾. قال قتادة وغيره: كانت اليهود تقولها استهزاء، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم. وقال أيضا: كانت اليهود تقول للنبي عليه الصلاة والسلام «راعنا سمعك» استهزاء بذلك، وكانت في اليهود قبيحة. قال وروى أحمد عن عطية، عن عطية العوفي، قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون «راعنا سمعك» حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود. وقال عطاء، أي أبناء برباح: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، ويريدون راعنا أي أرعن من الرعونة، فهم يريدون ليس المراد به الانتظار. وكان أهل الإيمان يقولونها على أنها انتظار «راعنا» أو من أن الإنسان يراعي غيره فيشفق عليه، لكن هم يريدونها من الرعونة وهي الخشونة، فنهاهم الله عز وجل عن هذه الكلمة، عن مقصدهم صحيح، لكن لأنها شابهت كلمة اليهود فنهاهم الله عنها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾. قالوا: قال أبو العالي: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه «أرعني سمعك»، فنهوا عن ذلك. وكذلك قال الضحاك. فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا يقولونها، وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة، لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم. والمراد تطريقهم، معنى إفساح لهم الطريق وتوسعت لهم الطريق في انتشار هذه الكلمة. قالوا: قال سبحانه: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾، أنا أيضا هذا من ما فعلته هؤلاء اليهود وهو التفرق، فاتباعهم في التفرق يعتبر أيضا اتباع الكفار. قالوا: معلوم أن الكفار فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كما قال سبحانه: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾، وقال: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينات﴾، وقال: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، وقال عن اليهود: ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾. أن الله عز وجل بين أنه جعل هؤلاء فرقا مختلفون ومتناحرون، ونهى أهل الإسلام أن يكونوا مثلهم. وقد قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿لست منهم في شيء﴾، وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء، أن يتبرأ منهم النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء يختص بهم. وكما تقدم أن اليهود لا يتبعون ليس فيه مختص من دينهم، بل حتى مختص به من العادات. قالوا: من تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر، لأن قول القائل «أنا من هذا وهذا مني» أي أنا من نوعه وهو من نوعي، لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع. وكما جاء في الحديث «لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب»، فالإنسان عندما يتشبه بقوم فغالبا يأخذ من صفاتهم، وقد يؤثرون عليه حتى في قلبه. ولهذا الآن الذين تجد أنهم يثنون على حضارة الغرب ودائما يمدحونها ودائما كذا، غالبا تجد أنهم يتأثرون بهم، يتأثرون بهم سواء كان في قسوة قلوبهم وبعدهم عن دين الله عز وجل، أو كذلك يأخذون مما هم عليه من الحياة البهيمية وغيرها. قال: لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: ﴿بعضكم من بعض﴾، وقول عليه الصلاة والسلام لعلي «أنت مني وأنا منك». فقول القائل «لست من هذا في شيء» أي لست مشاركا له في شيء، بل أنا متبرئ من جميع أموره. وإذا كان قد برأ الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من جميع أمورهم، فمن كان متبعا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة، كان متبرئا كتبرئه، أن يتبرأ من هؤلاء ولا يتبعهم في شيء، حتى في اللباس وفي الهيئة. قالوا: من كان موافقا لهم كان مخالفا للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفين من كل وجه في دينهما، كلما شابهت أحدهما خالفت الآخر، ولا شك فالذي يتبع هؤلاء أو يأخذ من ما اختص به فهو يخالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإن شاء الله وتعالى نكتب في هذا، نكمل في درس آخر. شكرا للمشاهدة.