الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تعليم الطالبين وإفتاء المستفيدين فرض كفاية يتعين على فرد واحد إذا لم يوجد غيره، ومن يمتنع عن ذلك بدون عذر قد يأثم. يبرز المقطع أهمية تحمل العلماء مسؤولية تعليم الناس.
يجب على من لديه علم أن يعلمه للسائلين إذا كانوا في حاجة إليه، وكتمان العلم بدون عذر شرعي قد يؤدي إلى الإثم. يستدل المقطع بحديث أبي هريرة حول خطورة كتمان العلم.
يُظهر العلماء اهتمامًا بتعليم الأولاد وطلبة العلم، ويعتبر هذا التعليم مهمًا لحفظ الدين وتخريج قدوة للناس. يُشبه المقطع أهمية تعليم العلم بتحمل الشهادة ويستدل بآية قرآنية على وجوب نقل العلم.
ينتشر الخير والعلم بين الناس من خلال نشر الكتاب والسنة، مما يؤدي إلى انتشار المعرفة النافعة بين المجتمع. يعتبر هذا من الأمور التي يسعى إليها المسلمون لنشر الخير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله: فصل في تعليم الطالبين وإفتاء المستفيدين. فرض كفاية، فإن لم يكن هناك من يصلح إلا واحد تعين عليه. وإن كان جماعة يصلحون فطلب ذلك من أحدهم فامتنع، فهل يأثم هذا؟ قرأنا بعضه في مسألة تعليم الطالبين وإفتاء المستفيدين. إذا وجد طلبة علم يحتاجون إلى من يعلمهم، وكذلك وجد من يسأل عن العلم وعن المسائل ويحتاج من يفتيه، فإن لم يكن هناك من يصلح إلا واحد تعين عليه. إذا كان مثلا في منطقة ليس فيها من يستطيع أن يعلم الناس لعدم وجود المتعلمين، فيجب على من وجد من يعلم فإنه يتعين عليه. يتعين عليه يعني يكون واجبًا عينيًا أن يعلم الناس ويعلم هؤلاء الطلبة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحرص على تعليم الناس، حتى أن من حرصه على تعليم أبناء الصحابة وأبنائهم أنه جعل فداء بعض الكفار من أهل بدر أن يعلم أولاد الأنصار. وهذا يدل على أن هذا الأمر مهم جدًا. فلهذا إذا وجد من في قرية يستطيع أن يعلم الأولاد، يستطيع أن يعلم الناس، فإنه يجب عليه، يتعين عليه. قال: وإن كان جماعة يصلحون فطلب ذلك من أحد فامتنع، فهل يأثم؟ معناه: هناك مثلا أربعة يصلحون أن يعلموا الناس أو أن يكونوا مفتين لعلمهم، فإذا طلب من أحدهم فامتنع، وقال: أنا مشغول، أنا كذا، وليس له عذر. فقال: فهل يأثم؟ ذكروا وجهين في المفتي. قال: والظاهر جريانهما في المعلم. أما المفتي فظاهر. وقد جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سئل عن علم فكتم، ألجم يوم القيامة بلجام من نار». فهذا الحديث بعضهم يرى أنه موقوف، لكنه حتى وإن كان موقوفًا فهو في حكم الرفع. فهذا الحديث يدل على أنه يجب على من عنده علم والسائل عن هذا العلم وهو يعلم أنه ليس هناك من يفتي الناس غيره، ومن يدلهم على هذا العلم غيره، فهو هنا يكون آثمًا. وكذلك أيضًا إذا كان معلمًا أو هؤلاء الذين تعين عليهم أن يعلموا الناس، فطلب من أحدهم أن يعلم فامتنع. فقال الشيخنا: الظاهر جريانهما في المعلم، أي الوجهين، أي أنه قد يقال أنه يأثم، وقد يقال أنه لا يأثم. لأنه إذا وجدت الحاجة فهنا قد يأثم. حتى في المراكز العلمية أو في المساجد، يأتي مثلا طلبة العلم، يأتي أولاد يحتاجون إلى من يقرئهم القرآن، وتجد أيضًا في المسجد من يستطيع أن يقرئهم، فيطلب منه إقراؤهم فيرفض، فيقول مثلا: لا أضيع وقتي مع هؤلاء الأطفال أو من هذا القبيل. هذا خطأ. وقد كان العلماء، علماء السلف، يهتمون حتى بالأولاد. فهذا أبو عبد الله العمشق رحمه الله، سليمان بن مهران، يأتيه الناس من كل مكان، يأتيه طلبة العلم من كل مكان، وهو يجلس ويدرس الأولاد في المسجد. فقال له رجل: يا أبا عبد الله، أنت تدرس هؤلاء الأولاد؟ فقال له: سكت، هؤلاء يحفظون عليك دينك. وقال عروة بن الزبير رضي الله عنه: قال لهؤلاء الأولاد: أنتم اليوم صغار قوم، وغدًا تكونون كبار قوم. أنتم اليوم صغار، لكن إذا حصل الاهتمام بكم فستكونون كبار قوم. والمراد أنهم يكونون قدوة للناس. فلهذا يدل على أن الأمر مهم جدًا. ولهذا قال الشيخ هنا: وهما كالوجهين في امتناع أحد الشهود. لا يأثم، معناه: الصحيح أنه لا يأثم، مثل الشهود. امتناع أحد الشهود، وامتناع أحد الشهود معناه: يأثم صاحبه إذا طلب في الشهادة في حق وهو متعين. معناه: وهو شاهد، أو أنهم مثلا شاهدوا ثلاثة، فطلبوا من أحدهم أن يشهد فلم يشهد ورفض. فقال: قولها العلم أنه يأثم. لماذا؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾. فلهذا مثل ما يلزم في الشهادة يلزم أيضًا في العلم. فأما الحرص على تعليم الأولاد، بل ليس كذلك الأولاد، بل تعليم طلبة العلم. يحرص العالم، طالب العلم الذي قد تعلم علمًا من العلوم، يحرص على تعليم إخوانه هذا العلم. وبهذا ينتشر الخير في الناس، وينتشر العلم، ينتشر الكتاب والسنة. فهذا إن شاء الله ما يذكر، ونكتفي به. والله تعالى أعلم.