الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 126، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس فضل الزراعة وأجرها عند الله، ويبين أن اصطناع المال من خلالها لا يتعارض مع تعاليم الإسلام. كما يوضح أن العمل المباح لا يكون مذموما إذا لم يصرف عن الطاعات.
يتناول الدرس الجمع بين الأحاديث التي تحث على الزراعة وتلك التي تحذر من الذل، موضحا أن الذل يأتي من شغل الزراعة عن الواجبات. كما يبين أن الأعمال المباحة لا تتعارض مع الطاعات إذا أُدّيت على وجهها الصحيح.
يشرح الدرس خطورة الظلم ووجوب تجنبه، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم بأن دعوة المظلوم مستجابة. كما يشير إلى أن دعوة المسافر والوالد على الولد مستجابة أيضا.
بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث حث النبي عليه الصلاة والسلام على الزراعة، وأن يهتم المرء بأمر الزراعة، فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة - وهي الصغيرة من النقل - فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، يعني استطاع أن يغرس ويزرع هذه الفسيلة فليفعل. والمراد إن قامت الساعة أي قرب قيامها، إذا قرب قيامها؛ لأن بعد قيامها أو إذا قامت فإنه لا يبقى على وجه الأرض أحد من أهل الإسلام، فإن الله عزيز يرسل ريحا تقبض نفس كل مؤمن حتى يبقى شرار الخلق، فعليهم تقوم الساعة. في هذا الحديث، كما سمعنا، الحث على اصطناع المال. ولهذا كره الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب باب اصطناع المال. وفي هذا بيان كذلك فضيلة الزرع. واختلف أهل العلم في أفضل الأعمال، ومنهم من ذكر أن أفضلها هو الزراعة؛ لأن الزراعة ينتفع منها الناس وتنتفع منها الطيور، وهكذا أيضا تكون له الأجر والصدقة مما أكل من مزرعته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من زرع زرعا فأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كان له أجر». وهذا دل على فضل الزراعة. والمراد من ذكر هذا، كما سمعنا، أنه لا بأس للمسلم أن يصطنع المال، ومن ذلك أمر الزراعة. وقد جاء ما ربما يكون في ظاهره ذم الاشتغال بهذا الأمر بأمر الحرافة والزراعة، وذلك فيما جاء عند الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي أمام الباهلي؛ فأبو أمام الباهلي رضي الله تعالى عنه رأى آلة حراثة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخل الله الذل»، يعني أدخل الذل على أهله. والحديث كما سمعنا في البخاري. وجمع أهل العلم بين هذا الحديث والحديث الذي في الباب وما جاء بمعناه مما فيه الحث على الزراعة والترغيب فيها بأقوال، منها ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: أن المراد بالذل هو ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج ونحو ذلك، فيكون ذلك سببا لإذلالهم. والقول الثاني في الجمع بين الحديثين: أنه محمول على من شغله الزرع عما يجب من الحقوق والواجبات، ومنها الجهاد مثلا، وغير ذلك من الواجبات. وإلى هذا ذهب الإمام البخاري رحمه الله، وبوب في صحيحه باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به والاشتغال في ذلك عن الجهاد وغيره؛ يعني أن هذا يحمل فيمن شغله الزرع عما هو واجب، شغله عن الجهاد وهكذا أيضا شغله عما يجب عليه، فهذا هو المذموم، وهذا الذي يكون ذلا على صاحبه. أما إذا لم يشغله عما هو واجب ولم يضيع به شيء من الواجبات أو يرتكب شيء من المحرمات، فإنه من الأعمال المباحة التي رغب فيها الشرع. لكن مع ذلك أيضا يحرص المسلم ألا يشغله عمله عما هو أهم؛ فإن المسلم خلق في هذه الدنيا لعبادة الله سبحانه وتعالى ولطاعة الله عز وجل، فالأصل هو العبادة والطاعة، وإنما يأخذ من هذه الدنيا ما يستعين به، وما كان فيه بعد ذلك من زائد فإنه ينبغي له أن يحرص ألا يشغله عما هو أهم. قال: حدثنا قيس بن مخلد البجلي قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: أخبرني يحيى بن سعيد قال: أخبرني محمد بن يحيى بن حبان عن داود بن أبي داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: «إن سمعت بالدجال فقد خرج وأنت على ودية تغرسها - والودية النقلة الصغيرة - فلا تعجل أن تصلحها؛ فإن للناس بعد ذلك عيشا». وهذا الأثر ضعيف؛ داود هذا مجهول. لكن الذي قبله يدل على صحة معناه. وقوله: «فإن للناس بعد ذلك عيشا» كما جاء في الأحاديث في ذكر خروج الدجال كحديث النواس بن سمعان وغيره، وفيه أنه بعد قتل الدجال يعيش المسلمون وتنزل السماء بركاتها وتخرج الأرض كذلك بركاتها، ومعنى ذلك أنهم يعيشون بعد ذلك ويكون لهم عيش. قال: باب دعوة المظلوم. قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». والحديث صحيح، صححه الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث التحذير من الظلم، وأن دعوة المظلوم مستجابة؛ ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، يعني إذا دعا على من ظلمه فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له دعوته. فلهذا ينبغي على المسلم أن يحذر من الظلم، لا يظلم غيره في عرض أو في مال أو في دم أو في غير ذلك؛ فإنه إذا ظلم ودعا عليه المظلوم استجاب الله سبحانه وتعالى له، وكان ذلك سببا في خسارته في الدنيا والآخرة. ربما يظلم بسبب ما عنده من جاه أو سلطان أو رئاسة أو وجاهة أو وظيفة أو وزارة، فيستغلها في ظلم الناس بأخذ أموالهم أو اعتداء عليهم، ويظن أنه بذلك لا يستطيع عليه أحد ولا يتغلب عليه أحد. ويغفل وينسى أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن الظالمين، بل يؤخرهم سبحانه وتعالى ليوم القيامة فيعاقبهم بما يستحقون: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما نؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾. وهكذا أيضا المظلوم يدعو عليه، يدعو على هذا الظالم الذي ربما يكون محصنا إما بما عنده من جنود أو ذلك أيضا يكون في مكان بعيد لا يستطيع أن يصل إليه هذا المظلوم ويطالب بحقه منه، فيدعو عليه هذا المظلوم بدعوة تكون سببا - كما قلنا - في هلاكه. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحذر من الظلم. وكما قال القائل: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم. فدعوة المظلوم مستجابة. وهكذا أيضا دعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده. وهذه - إن شاء الله - نتركها في درس قادم. وإلى هنا والله تعالى أعلم.