الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 73، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وقعت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة الهجرية بتحالف قريش والقبائل العربية واليهودية ضد المسلمين بعشرة آلاف مقاتل. شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق كاستراتيجية دفاعية جديدة.
حفر المسلمون الخندق في برد وجوع شديدين وظهرت معجزات كتكثير الطعام وتفتت الصخرة بيد النبي صلى الله عليه وسلم. حاول حيي بن أخطب إقناع بني قريظة بنقض العهد والانضمام للأحزاب.
نقض كعب بن أسد عهد بني قريظة وانضم للمشركين بعد إلحاح حيي بن أخطب، وبشر النبي المسلمين بأن اليهود حفروا قبورهم بأيديهم. اشتد البلاء وظهر نفاق المنافقين الذين طلبوا الانصراف بحجة إصلاح بيوتهم.
كذب المنافقون بادعاء أن بيوتهم عورة ليبرروا فرارهم من غزوة الأحزاب، وفضحهم الله بقوله: ﴿ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾. اختتم الدرس بالإشارة إلى تكملة باقي الغزوة في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فآخر ما أخذنا في مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قصة الإفك، لأنها وقعت في السنة الخامسة، وبعد الرجوع من غزوة بني المصطلق، فذكرها المؤلف رحمه الله تعالى مع شيء من الاختصار. ثم قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: غزوة الأحزاب وتسمى كذلك غزوة الخندق، وسميت بغزوة الأحزاب لأن هذه الغزوة اجتمع فيها أهل مكة مع من كان حول المدينة من الأحزاب، أي من القبائل والعشائر، فتحزبوا جميعاً على الإسلام والمسلمين، حتى بلغ عددهم عشرة آلاف مقاتل من مكة ومن القبائل الأخرى التي هي خارج مكة وحول المدينة، فلذلك سُميت بغزوة الأحزاب. وأما تسميتها بغزوة الخندق، فلأن سلمان الفارسي رحمه الله كما سيأتي أشار إلى النبي عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق، وهو شق كبير يحفر في الأرض يمنع من أراد المرور والعبور إلى المدينة الأخرى، فلذلك سُميت بغزوة الخندق. قال: وفي هذه السنة، وهي سنة خمس، كانت وقعة الخندق في شوال. والمؤلف كما ذكرنا يسرد حوادث السيرة على حسب السنوات الهجرية، فهو الآن بصدد ذكر أحداث السنة الخامسة، فمما وقع في هذه السنة تلك الغزوة. قال: وسببها أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يوم أحد، خرج أشرافهم كسلام بن أبي الحقيق وغيره إلى قريش بمكة يحرضوهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدهم من أنفسهم النصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب. وهذا فيه أن اليهود أهل مكر وأهل عداوة للإسلام والمسلمين، مهما تصالحوا وتعاهدوا مع المسلمين، وفيه أن ملل الكفر كلها واحدة ضد الحق وأهله، فاجتمعت فلول الشرك والكفر على الإسلام والمسلمين، فجمع هذا سلام بن أبي الحقيق من قريش ومن القبائل الأخرى حتى تكون لهم قوة ومنعة وغلبة، ولكن الله غالب على أمره، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. قال: فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف من مكة، ووافقهم بنو سليم بمر الظهران، يعني موضعاً يقال له مر الظهران خارج مكة، وبنو سليم قد وقعت غزوة بسببهم وهي غزوة بئر معونة، لما غدروا بالمسلمين في غزوة من الغزوات، ففي هذه الوقعة أيضاً خرجوا مع المشركين. قال: ووافقهم بنو سليم بمر الظهران، وبنو أسد، وفزارة، وأشجع، وغيرهم، وكان من وافى الخندق من المشركين عشرة آلاف: أربعة آلاف من أهل مكة، وستة آلاف من القبائل الأخرى، وصار عددهم عشرة آلاف، عدد كبير. وبالمقابل سيأتي معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بأهل المدينة بثلاثة آلاف كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه، وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عيونه ليأتوه بخبر القوم، جاء خبر إليه صلى الله عليه وسلم أن الكفار يجمعون له، فاستشار أصحابه. انظروا: رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستشير أصحابه، وهذا فيه أن المسلم مهما بلغ من العلم والفهم والفكر والحنكة وكذلك القوة، فإنه لا يهمل هذا الباب، باب المشاورة، فإن التشاور فيه خير وفيه بركة. فالنبي صلى الله عليه وسلم كم في سيرته يذكر لنا مشاورته لأصحابه، وهذا عملاً بقول الله عز وجل مخاطباً النبي: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، وهو رسول الله يوحى إليه وهو قائدهم، ومع هذا لم ينفرد برأيه ولا بفكره، وإنما كان يشاور أصحابه، ولربما عمل بما أشار إليه كما في هذا الموضع. فاستشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، لأن سلمان فارسي، والعرب ما كانت تعرف حفر الخندق، ما كانت تعرف هذا، حتى لما جاء المشركون ووجدوا هذا الخندق استغربوا كما سيأتي معنا، استغربوا من ذلك. ولما رأوا ذلك الخندق، نقل سلمان هذا الأمر الذي كان عليه قومه إلى بلاد العرب، فقال سلمان كما في بعض الروايات: يا رسول الله، إنا إذا هجم علينا العدو خندقنا، يعني حفرنا الخندق. فأشار سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق في الجهة التي هي مفتوحة إلى المدينة ويستطيع العدو أن يدخل منها، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه المسلمون، وهذا من تعاونهم ومن كذلك جهادهم ومحبتهم للإسلام والمسلمين. كم سيكون عرض هذا الخندق وكم سيكون طوله؟ لا شك أن عرضه سيكون عرضاً ليس بالصغير، فهو عرض كبير حتى لا تقفز الراحل منه، وكم سيكون عمقه حتى لا يستطيع المقاتل أن ينزل ثم يطلع مباشرة؟ لا شك أنه سيكون عميقاً. فكيف حفروه ومتى حفروه وما هي الجهود وكذلك الأعمال التي قاموا بها حتى حفروا هذا الخندق؟ فهذا كله يدعونا إلى محبة الصحابة وأنهم ضحوا بأموالهم وأنفسهم وكذلك بأولادهم في سبيل نصر هذا الدين حتى وصل إلينا كما أنزل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف: وعمل فيه بنفسه، أي النبي صلى الله عليه وسلم. هناك تفاصيل لم يذكرها المؤلف كما ذكرنا أن هذا الكتاب كتاب اختصار. وقد عرضت لهم كدية، أي حجرة كبيرة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وضربها بيديه الشريفتين حتى زالت وتفتتت هذه الصخرة بفضل الله عز وجل. قال: وكان في حفره من آيات نبوته ما قد تواتر الخبر به. وخرج صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون في غداة باردة، برد مع جوع ومع تعب وحراسة ورباط، هذا هو دأب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل نصرة هذا الدين وحمى حمى الإسلام والمسلمين. قال: فلما رأى ما بهم من الشدة والجوع، الشدة بسبب البرد، والجوع بسبب قلة ذات اليد، ما عندهم ما يأكلون، وقد وقعت في ذلك كما ذكر المؤلف آيات تدل على نبوته، كالذي وقع مع أبي طلحة، ذاك العناق الصغير الذي جهزه للنبي صلى الله عليه وسلم هو نفر من الصحابة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم نفراً كثيراً من الصحابة، فأخذ البرمة وأخذ يقدح لي الصحابة، فبارك الله في ذلك الأكل فكفاهم جميعاً، وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين»، هكذا كان يرتجز النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا مجيبين له: انظروا إلى هذا الجواب الذي فيه من النصرة والمحبة والصبر، قالوا: «نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً»، فعاهدوا وبايعوا محمداً على الجهاد ما داموا باقين، ما داموا أحياء: «نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد، بايعنا على الجهاد ما بقينا أبداً، ما نحن موجودون في هذه الدنيا فنحن أهل جهاد ونصرة لهذا الدين». قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن بالجبل من خلفه جبل سلع، وبالخندق أمامه، الخندق كان في الأمام وهو على الجبل، هذه من الحنكة القتالية حتى يستولي على العدو. قال: وأمر بالنساء والذراري، يعني بالنساء والأطفال، فجعلوا في آطام المدينة، يعني مرتفعات المدينة، الآطام جمع أضم وهو المرتفع، فجعلوا في آطام المدينة، واستخلف عليها ابن أم مكتوم، لأن الخندق كان خارج المدينة وبالقرب من المدينة لكن خارج قليلاً، فخرج مع أصحابه وجعل النساء والأطفال على المرتفعات، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. قال: وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة، فدنا من حصنهم، فأبى كعب بن أسد أن يفتح له، وهو أحد صناديد الكفر، حيي بن أخطب صاحب فتنة، يريد من بني قريظة أن ينقضوا العهد والصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يتواطئوا من الداخل مع المشركين والكفار. قال: فأبى كعب بن أسد، وهو سيد بني قريظة، قال: فأبى كعب بن أسد أن يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له، يعني حاول معه وحاول واستعطفه حتى فتح له. فلما دخل الحصن، أي حصن بني قريظة، قال: جئتك بعز الدهر. حيي بن أخطب يقول لكعب بن أسد اليهودي القريضي: جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش وغطفان وأسد على قادتها لحرب محمد. قال كعب: بل جئتني والله بذل الدهر، لأنه يعلم قوة الإسلام والمسلمين وتضحية المسلمين من أجل دينهم. قال: وجئتني بجهام قد أراق ماءه، جهام يعني السحاب الذي فرغ ماؤه، ما فيه ماء، انتهى. فقال له: أنت جئت بسحاب ما فيها ماء، ما فيها ماء، لأنهم قد أهريقت دماؤهم في بدر وكذلك في أحد، فهو يرعد ويبرق يعني هذا السحاب وليس فيه شيء، ما فيه شيء من الماء. فلم يزل به، وهذا فيه تجلد الكفار وصبرهم على باطلهم، انظر ما يئس وما مل ولا كل، بل تواصل إقناع هذا اليهودي حتى أقنعه، حتى أقنعه. قال: فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مع المشركين، أي في قتال النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين، وسر بذلك المشركون، فرح المشركون بذلك. وشرط كعب على حيي أنهم إن لم يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معهم في حصنهم، لأنه يعلم أن النصر إذا كان حليف المسلمين سيقاتل المسلمون اليهود لأنهم نقضوا العهد والصلح، وأن المسلمين سيستأصلون شأفتهم ويقتحمون حصونهم وبيوتهم، فعلم ذلك كعب بن أسد، فاشترط على حيي أن يكون معه في الحصن إذا صار له شيء فهو منهم وفيهم. قال: وشرط كعب على حيي أنهم إن لم يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معهم في حصنهم فيصيبوا ما يصيبهم، فشرط ذلك ووفى له. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فبعث إليهم السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وخوات بن جبير، وعبد الله بن رواحة، ليتعرفوا الخبر، وهذا فيه التيقن والتأكد من الأخبار، وهذا يمر معنا كثيراً. بني المصطلق لما كانوا يجمعون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسمع بذلك أرسل إليهم من يتثبت ويتأكد الخبر، وهكذا في هذا الموضع، لما سمع أن اليهود انضمت مع قريش ومع المشركين أراد أن يستثبت وأن يتأكد من الخبر، فأرسل هؤلاء ليتعرفوا الخبر. فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون، يعني من الكره والعداوة والسب والشتم وإظهار النقض، نقض العهد والميثاق، وجاهروهم بالسب ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفوا ولحنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحناً، أي خبروه بذلك الخبر، فعظم ذلك على المسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، أبشروا، أبشروا يا معشر المسلمين»، بمعنى أن هؤلاء اليهود قد حفروا قبورهم بأيديهم، قد حفروا قبورهم بأيديهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أجل عقوبتهم لأنه الآن في مواجهة العدو الأكبر، وهم من تمالوا واجتمعوا ضده من كفار قريش ومن حول المدينة من قبائل العرب، فأجل أمرهم كما سيأتي إلى ما بعد غزوة الأحزاب. وقوله: «الله أكبر، أبشروا»، بمعنى أنهم بنقضهم للعهد، فإن لنا الحق في إجلائهم وإخراجهم ومقاتلتهم في المدينة. قال: واشتد البلاء ونجم النفاق، كما ذكرنا أن أهل النفاق متى ينشطون ومتى يصطادون في الماء العكر، كما تقدم معنا في حديث الإفك كيف أنهم استغلوا هذه الحادثة بالإفك والزور والبهتان، وهكذا في هذه الغزوة، غزوة الأحزاب، لما رأوا اليهود نقضوا والعرب قد اجتمعوا وتحزبوا على الإسلام والمسلمين، بدأ يظهر النفاق ويبدون عداوتهم للإسلام والمسلمين. وهكذا الفتن تظهر الناس على حقيقتهم، تظهر الناس على حقيقتهم. فانظر إلى عظيم هذه الفتنة وإلى عظيم هذا الأمر الذي حدث في الأحزاب الآن ضد الإسلام والمسلمين: الكفار من الخارج، واليهود والمنافقين من الداخل، لأنهم في المدينة المنافقون واليهود داخل المدينة، والكفار من قريش ومن حولها من قبائل العرب خارج المدينة، الكل اجتمعوا على قلب رجل واحد ضد الإسلام والمسلمين. لذلك قال المؤلف: واشتد البلاء ونجم النفاق، يعني ظهر. واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة، يعني يرجعون إلى المدينة ولا ينصرون الإسلام والمسلمين ولا يرابطون مع المسلمين لأنهم أهل النفاق وأهل كذب وأهل عداوة. فماذا قال هؤلاء؟ قالوا: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، ﴿ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾، فضحهم الله، جاءوا يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بيوتهم عورة، معنى عورة يعني مكسرة مخربة تحتاج إلى إصلاح وعناية، فنحن سنذهب ونصلحها. إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، هم كاذبون في هذا، كذبهم الله، ولكن ماذا يريدون بهذا العذر؟ ﴿ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾. طيب، فهذه جزء أو شيء من هذه الغزوة، وبقيتها إن شاء الله نقرأه في درس قادم لانتهاء الوقت لهنا، والله تعالى أعلم. شكراً لكم.