التعليق على الجواب الكافي 84

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وسائل الشيطان في غزو القلب

يشرح كيف يحاول الشيطان غزو القلب عبر الأذن بإدخال الباطل والكلام الفاحش. يحذر من الاستماع للغناء والفحش ويبين كيف يمنع الشيطان الإنسان من فهم كلام الله وكلام الناصحين.

تأثير الشيطان على الحق والباطل

يشرح كيف يزين الشيطان الباطل ويشوه الحق في نفوس الناس. يبين كيف يلقي الشيطان الفتن بين الناس ليثنيهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تحريف صفات الله تعالى وضرورة التورع

يذكر تحريف أهل الكلام لصفات الله تعالى وتأويلهم لها بشكل خاطئ. يشير إلى ضرورة حفاظ المسلم على ما يدخل إلى أذنه من كلام وتحذيره من سماع الباطل.

التورع في سماع الباطل عملياً

يذكر أمثلة على تورع بعض الأئمة عن سماع الباطل، مثل إدخال القطن في آذانهم. يبين أن هذا الفعل يعتبر من باب التورع والتحرز، خاصة لمن كان حافظا للمعلومات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل ثغر الأذن. وقد قدم رحمه الله ثغر العين في الحرب التي عقدها رحمه الله بين الشيطان وبين الإنسان، وأنه يدخل بجيشه ليغزو قلب الإنسان، فإذا لم يجد فرصة لغزو القلب فإنه يغزو المداخل، وأقرب مدخل إلى القلب العين. ولهذا سيذكر الإمام ابن القيم فيما بعد أن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة، قال: «إن للسان له نصيبه من الزنى لا محالة». قال: فالعينان تزنيان، وزناهما النظر. فقال الإمام ابن القيم: قدم النبي صلى الله عليه وسلم العينان لأنهما من أول المداخل للقلب وأولى المداخل للقلب، فقدمها النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا المؤلف رحمه الله، الإمام ابن القيم، رتب هذه المداخل على حديث أبي هريرة، حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم في زنى الأطراف، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم العين، ثم أتبعها الأذن. قال: «والأذن تزني، وزناها السماع». قال: فصل ثغر الأذن. قال: ثم امنعوا -أي على لسان الشيطان يكلم أولياءه- قال: ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه ما يفسد عليكم الأمر، فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلا الحق. فإنه قليل على النفس، تستحليه وتستحسنه. فإنه يجعل هذا الإنسان لا يدخل شيئا خيرا من كلام الله، من سنة رسول الله، ومن كلام الناصحين. بل ادخلوا له الباطل من الغناء والفحش والكلام الفاحش وغيرها من هذه الأشياء، فالنفس تستحليه. قال: زجوه بما تهوى النفس، وعلقوا الكلمة، فإن رأيتم منه إصغاء إليها، فزجوه بأخواتها. كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾. فيعطيك هذا الشيطان، ليس يأتي لك فجأة بالباطل ويدخلك فيه، وإنما كأنه يطعمك قليلا قليلا. قال: وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو كلام النصحاء. فلهذا تجد الذي استولت عليه الشياطين يسمع كلام الله، ويسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ويسمع كلام النصحاء، لكن لا يفهمه ولا يعقل ما يقوله هؤلاء الناصحون، ولا أيضا يتفكر في كلام الله، فقلبه غافل. ولهذا حكى الله عز وجل ذلك عن المنافقين حتى أنهم ما يفهمون كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: «ماذا قال آنفا؟». أي: يسمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: «ماذا قال آنفا؟». يقول الله عز وجل: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم وأولئك هم الغافلون﴾. قال: وإذا غلبتم على ذلك، ودخل شيء من كلام النصحاء، فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعيض به، إما بإدخال ضده عليه، وإما بتهويل ذلك وتعظيمه. فيأتون به من ناحية الإغراء: لا تسمع هذا الكلام، كأنه يقول له: هذا الكلام لا زال عندك وقت أنك تسمعه بعد ذلك، أو تعقل به بعد ذلك. أما الآن فمتع نفسك، أو كذا. قال: وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل يثقل عليها، لا تستقل به. ونحو ذلك. وإما بإرخاصه على النفوس، معنى: يبينون له أن هذا الشيء قليل عليك، ما ينبغي أنك تحمله الآن. قال: وإما بإرخاصه على النفوس، وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس وأعز عليهم. معنى: المجتمع لا يحتاج لمثل هذه الأشياء، والواجب أنك توافقه، توافقه حتى لا تشذ. هذا المراد. قال: وأغرب عندهم، وزبونه القابلون له أكثر. أي: الذين سيرضون عليك، والذين أيضا يحبونك إذا كنت اجتماعيا مع الناس، وأنت تجالس معهم، ولو مجالس الباطل. قال: وأما الحق فهو مهجور، والقائل به معرض نفسه للعداوة. والرابح بين الناس أولى بالإيثار، ونحو ذلك. وهذا أيضا حتى يدخل الشيطان في منهج الإنسان، منهج الإنسان إذا رآه على الحق وثابت عليه، يأتي إليه: أنت الآن تخالف الناس، تخالف إخوانك في الحق، وهم على باطل. وهو متأكد أنه على حق، على ما سار عليه العلماء، علماء السلف، وكذا وعلماء السنة. فيأتيه هذا الشيطان، ويقول له: أنت الآن تخالف إخوانك الذين في المنطقة، أو تفعل كذا وتفعل كذا. والأفضل أنك تجمع بينك وبين هؤلاء. وهذا لا شك أنه أمر حسن، لكن لابد أن يكون على الحق. أما التجمع على الباطل فهو خطأ، وترك الحق أيضا من تسويل الشيطان. قال: والرابح بين الناس أولى بالإيثار، ونحو ذلك. فتدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله، ويقف عليه، وتخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويدخل عليه. قال: وإذا شئت أن تعرف ذلك، فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات الناس والتعرض للبلاء لما لا تطيق. قال: أنت الآن يقولون: لماذا تتتبع عورات الناس؟ دع الناس وخالقهم. يقول لك: دع الناس وخالقهم، لماذا تنهى عن المنكر؟ أو: لا خلاص، ماذا يختاروا هذه الطريق؟ دعهم. كما قال الطائفة من بني إسرائيل لما قيل لهم: ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾. يأتي أحيانا الشيطان في نصيحة إنسان من أقرب الناس إليه، فإن نهاه أن هذا لا ينبغي، وأنك تترك هؤلاء، ولا تتبع عوراتهم. وأنت ما تتبعت عوراتهم، إنما نهيتهم، ورأيت منكرا ونهيتهم. وأيضا يقولون له: أنك ستتعرض لبلاء ما لا تطيق. وأيضا يفعلون بك كذا ويفعلون بك كذا، حتى يثنيه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الممكن. قال: وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك. أي: يقول له مثلا: الناس من زمان يفعلون هذه الأمور، سواء كان من البدع أو من المعاصي. وأنت الآن جئت وتريد أن تفرق جماعة الناس. فالناس من قديم وهم يفعلون هذه الأمور، وتجدها باطلة مخالفة للشرع. فيقولون: أنت الآن تريد بثنة بين الناس، بين العب وابنه، وكذا من هذا الإلقاء الذي يكون من إخوان الشياطين من الإنس. قال: ويخرجون اتباع السنة، وصف الرب تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، في قالب التجسيم والتشبيه والتكييف. وهذا أيضا من علامات شياطين الإنس، يصورون للناس أن إثبات الصفات تجسيم وتشبيه الله عز وجل بخلقه، وهذا باطل. قال: يسمون علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، ومباينته لمخلوقاته تحيزا. قال: يسمون نزوله إلى السماء الدنيا، وقوله عليه الصلاة والسلام -أو قوله جل وعلا-: «من يسألني فأعطيه». نحن في حديث البخاري أيضا، لخرجه الإمام مسلم في حديث نزول الرب جل وعلا، حديث أبي هريرة في نزول الرب جل وعلا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». فيقولون: ويسمون نزوله إلى السماء الدنيا، وقوله: «من يسألني فأعطيه» تحركا وانتقالا بلفظه. أي: يقولون: لو قلت أن الله ينزل إلى السماء، معنى أنه ينتقل ويتحرك. وهذا من تسويل الشيطان له. قال: يسمون ما وصف به نفسه من اليد والوجه أعضاء وجوارح، ويسمون ما يقوم به من أفعال حوادث، وما يقوم به من صفات أعراضا. معنى: هذا قول أهل الكلام. معنى: يقولون: إذا أثبتنا أفعاله جل وعلا، معنى أننا أثبتنا له الحوادث. وليس هناك قول شيء حادث إلا وله محدث، وهذا باطل. على أنها مخلوقات، وليس أفعال الله عز وجل مخلوقة، بل هي أفعاله سبحانه جل وعلا، أي: الأفعال التي من صفاته، على صفات الأفعال كالاستواء والمجيء وغيرها من الصفات الأفعال. فهم يحرفونها، وأيضا كذلك يعطلونها. قال: ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه بنفي هذه الأمور، ويوهمون الأغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم تستلزم هذه الأمور، أن تستلزم التجسيم والتشبيه، وأنه أيضا يكون في أفعال الله عز وجل حوادث، وغيرها من هذا حتى ينفروا من إثبات الصفات. قال: يخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم، وأكثر الناس وعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظه، ويردونه بعينه بلفظ آخر. قال الله عز وجل: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا﴾. فسماه زخرفة، أن الزخرف هو القول المحسن في ظاهره. قال: فسماه زخرفة، وهو الباطل، لأن صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع، ويلقيه إلى سمع المغرور، فيغتر به. قال رحمه الله: والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن أن يدخل فيه ما يضر العبد ولا ينفعه، ويمنع أن يدخل إليه ما ينفعه. وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه. فهذا كلام ابن القيم رحمه الله في المحافظة على ثغر الأذن، لأن الشيطان بعد ثغر العين، إذا سلم العبد من ثغر العين أو لم يسلم، يدخله أيضا من ثغر الأذن، ويسمعه الباطل، ويشبه عليه في الحق. فلهذا الواجب على المسلم الذي عرف أن الشيطان عدوه أن يحاربه، فلا يدخل في أذنه إلا ما كان حقا. ولهذا كان بعض الأئمة يدخل في أذنه القطن، كما كان يفعل سفيان الثوري، كان يدخل في أذنه القطن حتى لا يسمع شيئا من الباطل فيدخل قلبه. وهذا باب التورع والتحرز، ولأنه كان حافظا، فكلما سمع شيئا حفظه، فلهذا حتى لا يحفظ الباطل، ترك أذنه للحق وسماع الحق. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكره الله تعالى.