الدرس في التعليق على الجواب الكافي 82، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الجهاد ضد الشيطان يتطلب الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى لتحقيق الفلاح والغلبة على العدو. هذه الأمور ضرورية للمسلم لتحقيق النصر على الشيطان.
التقوى أساسية في مواجهة الشيطان، حيث لا تنفع الصبر والمصابرة والمرابطة إلا إذا كانت على تقوى الله. غلق الثغرات أمام الشيطان وتحذير أهل الإيمان من التهاون في ذلك أمر ضروري.
الشيطان يخدع الإنسان ويدخل إلى قلبه من خلال النفس الأمارة بالسوء بإثارة الشهوات وإفساد النظر والاستماع والكلام. يبدأ الشيطان بالدخول إلى النفس من خلال محبوبها وأمانيها.
النظر إلى المحرمات هو مدخل إلى ارتكاب المعاصي، ويجب صرف النظر عنها عند رؤيتها بدون قصد. يُشدد على خطورة النظر وآثاره السلبية على النفس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، واله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر في الدرس الذي مضى أن الإمام بن القيم -رحمه الله- ذكر من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها مدد من الإنسان يمد بها عدوه عليه، أن يعطيه سلاحا ويعطيه ما يقويه عليه، ثم ذكر الحرب التي تكون بين الإنسان وعدوه الشيطان، لكن من كان من حزب الله وهو الغالب وهو المفلح، قال -رحمه الله-: وعلم سبحانه عباده كيفية هذه الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. قال: ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة، فلا يتم له الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مقاومته ومناولته، والمصابرة تحتاج إلى صبر أيضا، فالمصابرة للعدو قد تطول، وقد لا يستسلم العدو، فلهذا يحتاج إلى صبر أكثر، فلهذا قدم الله عز وجل الصبر: ﴿يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله﴾ لأن هذه الثلاثة الأشياء تحتاج إلى الصبر. قال -رحمه الله-: وهي مقاومته ومناولته، فإذا صابر عدوه تحتاج إلى أمر آخر، وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته؛ لألا يدخل معه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، فهذه الثغور منها يدخل العدو، فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور، ولا يخلي مكانها، فيصادف العدو الثغر خاليا فيدخل منه. إذا الشيطان متربص، مثل عدو الحرب الذي إذا وجد ثغرة دخل منها، مثل ما حصل للمسلمين في غزوة أحد، لما وجد أهل الشرك ثغرة من المسلمين دخلوا منها، أن دخلوا من عند جبل الرماة. فلهذا أهل الحرب يكونون أذكياء وحريصون أن لا يجعلوا للعدو ثغرة، وهكذا الإنسان مع عدوه الشيطان، لا يترك له ثغرة لا في العين ولا في اللسان ولا في غير ذلك من الجوارح؛ لأنه لو مثلا أراد أن يحافظ على قلبه وترك جوارحه، ما يستطيع أن يحافظ على قلبه؛ لأنه ترك ما يدخل على القلب. فإذا مثلا ترك عينه تنظر فيما حرم الله، أطلق لها العنان في النظر إلى ما حرم الله من النساء وغيرهن، سواء كان في شاشة أو في هاتف أو في حقيقة، فكل ذلك يؤثر على القلب، ويدخل الشيطان من هذه الثغرة. كذلك أيضا من يسمع الباطل. وسيأتي أيضا أن المؤلف -رحمه الله- يفصل في هذه الثغور. قال: «فأولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير الخلق بعد النبيين والمرسلين، وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان، وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد، فدخل منه العدو، فكان ما كان». وجماع هذه الثلاثة، وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله، فهذه الثلاثة وهي الصبر والمصابرة والمرابطة، إذا كانت على تقوى من الله كان مسيرها صحيحا. وأما إن كان مثلا وضع في الشخص هذا الصبر وجبل عليه، فإنه لا ينفع أحيانا في بعض المواقع؛ لأنه ليس معه ملازمة تقوى الله، فقد يصبر أهل الكفر على كفرهم، ويصبر أيضا أهل المعاصي على معاصيهم، فهذا الصبر من الشيطان، أو هذا الصبر صبر مدموم؛ لأنه ليس على تقوى الله جل وعلا. فلهذا تجد أحيانا العدو أكثر جلدا من أهل الإسلام ومن أهل الخير وأهل التقوى، فتجد أن العدو يحرص على أن يدخل من كل مكان ويتربص بأهل الإسلام الدوائر. قال -رحمه الله-: «وجامع هذه الثلاثة، وعمودها الذي تقوم به، تقوى الله، فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر؛ لأنه لابد من صبر على طاعة الله، وعن معصية الله». قال: «أنظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين، واصطدام العسكرين، وكيف تدال مرة، ويدال عليك مرة أخرى. مرة أغلبه، ومرة يغلبه. أقبل ملك الكفرة وعساكره، فوجد القلب في حصن، جالسا على كرسي في حصنه، جالسا على كرسي، على كرسي مملكته، أمره نافذ في أعوانه وجنده، قد حفوا به يقاتلون عنه، ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض أمرائه». وظاهر أيضا هنا أن المخامرة: الغش، الخدع، على أنه يدخل عليه من بعض أمرائه ووزرائه. قال: «فسأل عن أخص الجنب به، وأقربهم منه منزلة، فقيل له: هي النفس. أنا أقرب منزل عند القلب هي النفس. فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها، وانظروا مواقع محبتها، وما هو محبوبها، فعدوها به، ومن نواحيها. أنا يدخل عليه بالأماني، يدخل على النفس بالأماني، والنفس أمارة بالسوء». قال: «وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ومنامها، فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده، فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة، وخطاطيفها، ثم جروها بها إليكم، فإذا خامرت على القلب -أي غطت عليه- وصارت معكم عليه، ملكتم ثغور العين والأذن واللسان والفم واليد والرجل، فرابطوا على هذه الثغور كل المرابطة. فمتى دخلتم منها إلى القلب، فهو قتيل، أو أسير، أو جريح مثخن بالجراحات». أن إذا دخل الشيطان والعدو هذه الثغور، ودخل على النفس، فإنه يضعف القلب، بل يقتله أحيانا، ويصير أسير الشيطان. قال: «ولا تخلوا هذه الثغور، ولا تمكنوا سرية أن تدخل فيها إلى القلب، فتخرجكم منها. وإن غلبتم، فاجتهدوا في ضعف السرية، ووهنها، حتى لا تصل إلى القلب. وإن وصلت إليه، وصلت ضعيفة، لا تغني عنه شيئا. فإذا استوليتم على هذه الثغور، فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره اعتبارا، بل اجعلوا نظره تفرجا، واستحسانا، وتلهيا؛ لأنه لو كان اعتبارا لأجل محبوبه، أو لأجل ما تحبه النفس، فإنه سينظر إلى ما حرم الله جل وعلا». قال: «فإن استرق نظرة عبرة، فأفسدوها عليه بنظرة الغفلة، والاستحسان، والشهوة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر: «في نظر الفجأة اصرف بصرك». أنه إذا نظر الإنسان إلى شيء مما حرم الله بدون قصد، فقال: «اصرف بصرك»، أن لا تنظر وتتثبت عن النظر. قال: «فإنه أقرب إليك، وأعلق بنفسك، وأخف عليك». «ودونكم ثغر العين، فإن منه تنالون بغيتكم». فإنما أفسدت بني آدم. هنا ذكر بعد ذلك معنى ثغر العين، وما تمليه على النفس، وكذلك خطرها. إن شاء الله تعالى، نذكره في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.